الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
اشتد حزن يعقوب حتى ابيضت عيناه من البكاء، فاكتفى بالشكوى إلى الله واثقاً بفرجه القريب. ثم أرسل أبناءه يتحسسون خبر يوسف وأخيه، فدخلوا عليه فعرفهم وبشّرهم بالعفو والجزاء الحسن للمتقين الصابرين.
أوصى يعقوب بنيه بالتفتيش عن يوسف وأخيه وعدم القنوط من رحمة الله، مبيناً أن الرجاء الحقيقي يدفع للسعي بالأسباب. عند دخول الإخوة على يوسف تضرعوا له لشدة الحاجة، فرق لهم وكشف عن هويته معاتباً إياهم على ما فعلوه.
اعترف الإخوة بذنبهم بعد كشف هوية يوسف، فعفا عنهم بلا تثريب داعياً لهم بالمغفرة. أكد أن الإيمان والتقوى والصبر هي أعظم أسباب التمكين والنصر في الدنيا والآخرة مستدلاً بآيات قرآنية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وعلاه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد وقفنا في قصة يوسف عليه السلام في قوله تعالى فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا إلى آخر الآيات فجاءوا إلى أبيهم وأخبروه خبر أخيهم وأنه سرق وأخذ إزاء سرقته وطلبوا من أبيهم حتى يصدقهم أن يسأل أهل القرية وأن يسأل العير التي أقبلوا معهم فلم يصدقهم يعقوب عليه السلام بل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا لأنهم قد كذبوا عليه لأخذهم ليوسف عليه السلام ثم قال الله عز وجل حاكيًا عن حال يعقوب عليه السلام وما نزل به من الحزن والأسى وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلم أي أن يعقوب تولى عن أولاده بعدما أخبروه هذا الخبر واشتد به الأسف والأسى وهكذا حال الأب عند فقدان أبنائه لا شك أن من أحب الناس إليهم الأبناء فإذا حيل بينه وبين أبنائه حزن وتأسث على فقدانهم فمن أسف وأسى يعقوب عليه السلام بيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه أصبحت عيناه بيضاء ذكر بعض المفسرين لكثرة البكاء لكثرة البكاء فإن كثرة البكاء تذهب بالعين قال وبيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء حيث بيضت عيناه من ذلك يعني من كثرة البكاء فهو كظيم أي ممتلئ القلب من الحزن الشديد وقال يا أسفا على يوسف أي ظهر منه ما كمن في الهم القديم والشوق المقيم يعني الآن في هذا الموقف إنما فقد الإبن الآخر فما الذي جعله يذكر يوسف ويقول يا أسفا على يوسف لأن يعقوب عليه السلام مع طول المدة لفقده ليوسف عليه السلام إلا أنه لا يزال في قلبه حزن وأسى على يوسف عليه السلام فبهذا الموقف تذكر ذاك الموقف القديم فظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم وذكرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى المصيبة الأولى قال العلماء المصيبة الأولى أعظم لأنه كان يحب يوسف حبا شديدا أكثر من حبه لولده الآخر فلما رأى أولاده منه ذلك قالوا له متعجبين من حاله تالله تفتأ تذكر يوسف أي لا تزال تذكر يوسف في جميع حوالك وإن يوسف قد مر على يعني فقدانه زمن طويل وأنت لا تزال تذكر يوسف حتى تكون حرضا ومعنى حرضا أي فانيا لا حراك فيك ولا قدر على الكلام أي ضعيفا هزيلا ضعيفا هزيلا هذا معنى حرضا نعم أو تكون من الهالكين أي لا تترك ذكره مع قدرتك على ذكره أبدا هذا هو معنى الهلاك لا تترك ذكره مع قدرتك على ذكره أبدا من شدة ضعف يعقوب عليه السلام من استمر على ذلك فقال يعقوب إنما أشكو بثي أي ما أبث من الكلام وما أريد أن أتكلم به وهو كامن في قلبي فهذا معنى قولي إنما أشكو بثي أي ما أبث أي ما أتكلم به من الكلام وحزني الذي في قلبي فالبث هو بالكلام والحزن بالقلب يعني البث باللسان والحزن في القلب وقوله إلى الله أي وحده لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق فتعلق بالله عز وجل وربط آماله بالله سبحانه وتعالى وحده فقولوا ما شئتم ثم قال وأعلم من الله ما لا تعلمون من أنه سيردهم علي فأنه نبي وعنده من القراء ما يدل على ذلك ما يدل على ذلك على أن الله عز وجل سيرد إليه يوسف وأخاه قال ويقر عيني بالاجتماع بهم ثم قال لأبنائه ولم ييأس وهذا من باب اتخاذ السبب يا بني يذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاه فأوفلنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أي قال يعقوب لبنيه عليه السلام لبنيه يا بني يذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه أي احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما التحسس بمعنى تفقد والسؤال وكذلك البحث ونحو ذلك فقال لهم اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه أخوه الذي أخذ مؤخرا ولا تيأسوا من روح الله يعني لا تقنطوا من روح الله ولا تقولوا ما سنستطيع إخراج هذا الأخ أو العثور على يوسف عليه السلام لا تيأسوا من روح الله فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه وهذا من باب اتخاذ الأسباب إذا رجوت شيئا لا يعني تهمل اتخاذ الأسباب بل اتخذ الأسباب وعلق قلبك بالله وارجو الله سبحانه وتعالى فالله عز وجل يعني يعطيك رجاءك بإذن الله عز وجل فانظر إلى يعقوب قال لبنيه ولا تيأسوا من روح الله قال والإياس يوجب له التثاقل والتباط من يأس تثاقل يقول ما شي فائدة من العمل ما شي فائدة من السبب هذا الذي يقول ذلك هذا يأس من رحمة الله وأما الذي يرجو رحمة الله فإنه يجتهد ويسعى ويتخذ السبب قال وأولى ما رجى العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه وروحه هذا هذا أولى ما يرجو العبد قال إنه لا يأس من روح الله إلا القوم الكافرون فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته أنهم لا إيمان عندهم لا إيمان عندهم يدفعهم إلى هذا الرجاء أما المؤمن فقلبه مليء بالرجاء وبعسن الثقة بالله سبحانه وتعالى قال فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته ورحمته بعيدة منهم فلا تتشبه بالكافرين الذي يقنط من رحمة الله فهو متشبه بالكافرين قال ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاءه لرحمة الله وروحه نعم فكلما قوي إيمان العبد قوي رجاء العبد لا يقنط مهما بلغ في الشدة وفي كذلك الأزمة فيعلق قلبه بالله ويرجو من الله أن يذهب عنه هذه الشدة وأن يفرج عنه فبقدر إيمان العبد يكون رجاءه يكون رجاءه قال فذهبوا فلما دخلوا عليه دخلوا على يوسف أي على يوسف قالوا متضرعين إليه يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة الضر يعني الجوع وقلة ذات اليد نعم لأنه لأنهم لم ينالوا بضاعتهم لما صنعوا نعم فقالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوفي لنا الكيل وتصدق علينا أي قد اضطررنا نحن وأهلنا وجئنا ببضاعة مزجاة أيش معنى بضاعة مزجاة أي مدفوعة مرغوب عنها لقلتها وعدم وقوعها الموقع يعني زهد الناس فيها لقلتها لقلتها لأن اشتدت عليهم الأمور اشتدت عليهم الأمور فهي بضاعة مزجاة أي قليلة لا يرغبها أحد حتى يشتريها فيأخذون بدلا عنها الطعام من العزيز نعم فأوفي لنا الكيل أي ما عدم وفاء العرض يعني الذي معنا قليل فلا تعطينا مقابل يعني ما معنا من البضاعة لأنها لا توفي بما نريد بما نريد فقالوا له فأوفي لنا الكيل أي ما عدم وفاء العرض الذي جئنا به وتصدق علينا أي بالزيادة عن الواجب احسن إلينا تصدق إلينا اعطينا أكثر مما ندفع إن الله يجزي المتصدقين أي بثواب الدنيا والآخرة هذا كله يعني تضرع واستكان ليوسف عليه السلام فلما انتهى الأمر وبلغ أشده رق لهم يوسف رقة شديدة وعرفهم بنفسه وعاتبهم نعم رق لهم لأنهم قالوا مسنا وأهلنا الضر ومن أهله أبوه يعقوب عليه السلام ومن أهله إخوته ولذلك وقع في قلب يوسف عليه السلام من الرقة ومن الرحمة لإخوانه وأهله فعرفهم بنفسه وعاتبهم فقال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه أي أما يوسف فظاهر فعلهم فيه ألقوه في ماذا في غيابة الجب هذا فعلهم في يوسف لكن أخوه ماذا فعلوا به ماذا فعلوا بأخيهم الآخر قال المؤلفون والله أعلم قولهم إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعني تهمتهم لأخيهم بهذا الأمر بهذا الأمر وأنه ليس بمستغرب منه السرقة ليس بمستغرب منه السرقة هذا أمر في معنى قولهم في معنى قوله هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه أو أن الحادث الذي فرق بينه وبين أبيه هم السبب فيه والأصل الموجب له يعني هم السبب في يعني التفريق بين أبيهم وبين هذا الأخ هم السبب لماذا يوسف أخذ هذا الأخ لماذا أخذه حتى يعني ماذا حتى يعرف هؤلاء الإخوة ما هم عليه من الشر ومن المكر ومن كذلك السوء الذي بسببه عملوا ما عملوا في يوسف عليه السلام فقيل هذا وقيل هذا في قوله وأخيه فإما أنهم يعني نسبوا السرق إليه وليس كذلك وإما أنهم كانوا هم السبب في التفريق بين هذا الأخ وبين أبيه وبين أبيه قولوا إذ أنتم جاهلون قال وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم يعني اعتذر لهم أنهم فعلوا ذلك بسبب الجهل أو توبيخ لهم إذ فعلوا فعل الجاهلين يحتمل هذا وهذا إما اعتذار وإما توبيخ وإن كان الأول ألطف قال مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم فعرفوا لما قال لهم كذلك من يعرف هذه القصة إلا صاحب القصة من يعرفها غير إخوة يوسف ويوسف وحده فقط لا يوجد أحد آخر يعرف بفعلهم ومكرهم وصنيعهم فلما سمعوا ذلك من يوسف لا شك أن هذا الكلام لا يصدر إلا من صاحب القصة إلا من صاحب القصة فحينئذ قالوا له أإنك لأنت يوسف ما يأتي بهذا الكلام إلا من هو عارف بهذه قصة إذن أنت يوسف فقال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أي بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا وذلك بسبب الصبر والتقوى وهذا فيه أن من أعظم أسباب التمكين في الأرض والعزة والرفعة في الدنيا الإيمان والتقوى والصبر هذه أسباب عظيمة من أعظم أسباب الصبر بلى إن تصبروا وتتقوا بلى إن تصبروا وتتقوا هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائك إلى آخر الآيات وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مبينا أيضا هذا السبب ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض إلى آخر الآيات التي فيها أن العزة والنصر والتمكين والأمن والأمان والرغد في العيش كل ذلك من أعظم أسبابه الإيمان والتقوى والصبر إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا والذين آمنوا في الحياة الدنيا وقال سبحانه وتعالى وعذ الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستخلف النوم في الأرض إلى غير ذلك من الآيات وهنا قال إنه من يتقي ويصبر إنه من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أي يتقي فعل ما حرم الله ويصبر على الآلام والمصائف وعلى الأوامر بانتثالها فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقول هنا يتقي فعل ما حرم الله فلأن التقوى معناها الإتيان الأمر والابتعاد عن النهي وأما الصبر فالصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعن أقدار الله لذلك قال ويصبر على الآلام والمصائف وعلى الأوامر بامتثالها فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فإن هذا من الإحسان والله لا يضيع أجر من أحسن عملا فإذا أحسن الإنسان بالتقوى والصبر والإيمان والعمل الصالح فإن الله عز وجل لا يضيع عمله لا يضيع عمله فيوفيه الله عز وجل لأحسن ما عمل قال قالت الله لقد آثرك الله علينا أي فضلك آثرك أي فضلك علينا لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم لأنه عفى عفى عنهم وهذا فيه فضل العفو ما كهرهم ولا نهرهم ولا أدبهم ولا سجنهم ولا سبهم وشتمهم مع أنهم فعلوا فيه ما فعلوا وهو متمكن في الأرض وهو من أقرباء الملك ومع هذا لم ينتقم لنفسه لم ينتقم لنفسه عليه السلام فعلموا فضله وخلقه وكرمه فقالوا تالله أي والله لقد آثرك الله علينا أي فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وأسأنا إليك قاية الإساءة وحرصنا على إيصال الأذى إليك والتبعيد لك عن أبيك فآثرك الله تعالى ومكنك مما تريد وإن كنا لخاطئين وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف اعترفوا بخطائهم واعتذروا لأخيهم فقال لهم يوسف عليه السلام كرما وجودا لا تثريب عليكم اليوم لا تثريب عليكم اليوم يعني لا أترب عليكم ولا ألومكم انظر إلى أخلاق عالية وإلى عفو وصفح يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وقوله يغفر الله لكم هذا وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن معنى معنى الدعاء يعني أسأل الله أن يغفر لكم وهو أرحم الراحمين واقتتام الآية بقوله وهو أرحم الراحمين مناسب جدا للمعنى للمعنى للمعنى الآية فإن من رحمة الله عز وجل أن يغفر الذنوب يغفر ذنوب عباده فسمح لهم سماحا تاما من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق ما قال لهم فعلت بكذا وكذا وذكرهم بالماضي والذنب أبدا بل دعا لهم قال ودعا لهم بالمغفر والرحمة وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلقين وخيار المصطفين طيب نكتب بهذا وإلى هنا والله الله الله