الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 81، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن كيد يوسف لأخيه كان محموداً بتحكيم شريعة يعقوب التي مكّنته من الاحتفاظ بأخيه، ويوضح أن رفعة الدرجات تكون بالعلم النافع والأخلاق الفاضلة. ثم يسرد افتراء الإخوة على يوسف بالسرقة وكظمه الغيظ ولجوءهم لأسلوب التملق والتضرع مراعاة لوالدهم الشيخ الكبير.
بعد رفض يوسف استبدال بنيامين، استيأس الإخوة وتشاوروا سراً فذكرهم كبيرهم بعهدهم مع أبيهم وتفريطهم السابق في يوسف. قرر كبيرهم عدم العودة إلا بإذن أبيه أو حكم الله، وأمرهم بالرجوع لإخبار أبيهم بأن ابنه سرق وأنهم شهدوا بما علموا فقط.
يشرح المقطع احتجاج إخوة يوسف بصدقهم عبر دعوة أبيهم لسؤال أهل القرية والعير، ثم لجوء يعقوب عليه السلام للصبر الجميل الخالي من الجزع مع ثقته بقرب الفرج. استحضر يعقوب أسماء الله العليم الحكيم في دعائه برجوع أبنائه الثلاثة.
يعلن المحاضر عن انتهاء الجزء الحالي من الدرس مؤكداً على استكمال ما تبقى في دروس قادمة إن شاء الله. ينسب المحاضر الترجمة إلى نانسي قنقر في ختام الجلسة.
الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فوقفنا عند قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76]، ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76]، إلى آخر الآيات. وعرفنا أن الكيد على قسمين: كيد محمود، وكيد مذموم. فقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، هذا من الكيد المحمود غير المذموم. وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، قال: لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، وإنما له عندهم جزاء آخر. فلو ردت الحكومة إلى دين الملك لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد. ومعنى ذلك: أن الحكم في دين يعقوب وأهل مصر -كما تقدم- أن من سرق يتملكه صاحب المال المسروق. فيوسف عليه السلام يعرف هذا، فجعل أمر أخيهم إليهم، إلى إخوته. فقالوا: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: 74-75]، أي: يحكم فيه بما هو في شريعتنا من أخذ السارق، من أخذ صاحب المال المسروق للسارق. فلو حكم يوسف بدين الملك الموجود في مصر، لكان الحكم حكما آخر غير هذا الحكم، وما سيستفيد منه يوسف؛ لأنه ما فيه تمليك السارق، ما فيه تمليك السارق. هذا معنى قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، يعني: لو حكم يوسف بما هو في دين الملك صاحب مصر، لما استطاع أن يأخذ يوسف أخاه. هذا معنى قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. ثم قال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [يوسف: 76]، أي: بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف. فما رفع يوسف إلا بالعلم والنبوة، والأخلاق الفاضلة، والإحسان إلى الخلق. فهذه هي أسباب رفعة العبد في الدنيا والآخرة. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، فيرتفع العبد بالعلم الدرجات العلى في الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، فكل عالم فوقه من هو أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة. فمهما أوتي العبد من العلم فهو ناقص، ولربما يكون من العلم عند من هو دونه، ولم يكن عند هذا العالم النحرير، العالم الذي يشار إليه بالبنان؛ لأن فوق كل ذي علم عليم. وينتهي العلم إلى علام الغيوب سبحانه وتعالى، فهو عليم بكل شيء سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا مَا رَأَوْا قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]، أي: هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه، فقد سرق أخ له من قبل، يعنون يوسف عليه السلام. وهذا الكلام ليس له أساس من الصحة، وإنما أرادوا بذلك تبرئة أنفسهم. وإلا فيوسف عليه السلام لم يسرق من قبل، لم يسرق من قبل. قال: ومقصودهم تبرئة أنفسهم، وأن هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليس شقيقين لنا. هكذا ذكر هنا المفسر، أي: إخوة لهم من الأب دون الأم. قال: وفي هذا من الغض عليهما ما فيه، يعني: فيه تنزيل لمنزلتهما، وكذلك حط لمكانهما. قال: ولهذا أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، يعني: ما دافع، وما بين لهم أنهم كذابون، وإنما أسرها في نفسه، يعني: كظمها. لم يقابلهم على ما قالوا بما يكرهون، بل كظم الغيظة، وأسر الأمر في نفسه، وقال في نفسه: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ [يوسف: 77]، لأنه لو قال أمامهم لعرفوا من هو هذا الذي يخاطبهم، لكن أراد أن يكمل ما أراد من إخبارهم في الوقت المناسب. نعم، قال: وقال في نفسه: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾، حيث ذممتمون بما أنتم على أشر منه. فهم الذين ألقوا يوسف في اليم، وهم الذين كذلك فعلوا ما فعلوا بيوسف عليه السلام. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77]، منا من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أننا برآء منها. ثم سلكوا معه مسلك التملق. مسلك التملق. عندي سؤال: ما هو التملق؟ من يجيب؟ ما هو التملق؟ التملق ما عندك يا أحد؟ إنسان يتملق إليك، ما معنى التملق؟ سلكوا معه مسلك التملق. نعم، التلطف. نعم، هو يعني من معنى التملق التلطف. وبعبارة أدق، بعبارة أدق... نعم، التمليس لا، التملق. التملق يعني الاستعطاف، تستعطف الشخص، يعني تقول له: أنا مسكين، أنا يعني ما لي أحد إلا أنت، أنا أه... تتمسكن، يعني تتمسكن. نعم، هذا. نعم، تتمسكن، وأيضا يعني تتلطف، ويمكن نقول أيضا يعني تترجى هذا الشخص أو نحو ذلك. فسلكوا هذا المسلك. ثم سلكوا معه مسلك التملق، لعله يسمح لهم بأخيهم. فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: 78]، يعني: أب هذا الغلام الذي أخذته شيخ كبير، أي: أنه لا يصبر عنه. وهذا هو حال الآباء تجاه الأبناء، يشفقون على أبنائهم ويحبونهم، ولربما لا يستطيعون مفارقتهم، لا يستطيعون مفارقتهم لكثرة الشوق والمحبة للأولاد. فقالوا: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾، أي: إنه لا يصبر عنه، وسيشق عليه فراقه، سيشق عليه فراقه. كم سيجلس؟ خلاص هذا الولد سيجلس فترة طويلة، الله أعلم كم مقدارها، وسيفارق أباه. وما أذن أبوه لهم بأخذه إلا لأنها فترة يسيرة ثم يرجع، لكن الآن ما سيرجع، وهذا سيشق عليه. قالوا له: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 78]، يعني: استبدل، بدل ما تأخذ هذا الغلام، خذ أي واحد منا بدلا منه، بدلا منه. نعم، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك. فرد عليهم يوسف بقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ [يوسف: 79]، أي: هذا ظلم منا لو أخذنا البريء بذنب، بذنب من وجدنا متاعنا عنده. ولم يقل: من سرق، لأنه ما سرق في الحقيقة، فتأدبا أتى بلفظ لطيف، فقال: ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾، وهذا ليس بكذب، هو وجد متاعه عنده. ففي المعاريض ممدوحة عن الكذب، فاستخدم هذه المعاريض، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾، أي: هذا ظلم منا لو أخذنا البريء بذنب من وجدنا متاعنا عنده، ولم يقل: من سرق. كل هذا تحرز من الكذب. ﴿إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79]، أي: إن أخذنا غير من وجد في رحله لظالمون، حيث وضعنا العقوبة في غير موضعها. هذا ما سرق، فكيف نأخذه ونترك البريء؟ ﴿فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]، فمن أذنب يعاقبه على ذنبه، لا يعاقب غيره على ذنبه. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: 80]، قال كبيرهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَن أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 80-81]، إلى آخر الآيات. أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم، خلصوا نجيا، أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، يعني: انفردوا وحدهم يتشاورون ما يفعلون الآن. مصيبة هذه، كيف نرجع وما معنا أخونا هذا الذي أخذنا العهد والميثاق من أبينا أن نرده وأن نرجعه معنا؟ فكيف نفعل الآن؟ مصيبة عظيمة هذه. فإن فردوا يتشاورون ويترددون الرأي، فجعلوا يتناجون فيما بينهم، يعني: يتكلمون فيما بينهم بصوت منخفض. فقال كبيرهم، يعني: أكبر هؤلاء الإخوة وأعقلهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ﴾، أي: في حفظه، وأنكم تأتون به، إلا أن يحاط بكم. ﴿يُحَاطَ بِكُمْ﴾، يعني: تمنعون جميعا. أما أن تأتون جميعا ويبقى من أخذتم عليه العهد والميثاق، فهذا خلاف ما اتفقنا عليه مع أبينا. نعم، قال: وأنكم تأتون به، لن يحاط بكم. ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: 80]، أي: فاجتمع عليكم أمران: من قبل فعلتم ما فعلتم بيوسف، وقلتم لأبيكم: إننا له حافظون، وإننا له لناصحون، ثم بعد ذلك لقيتموه في الجب ولم تردوه ولم ترجعوه. والآن وقع لكم مع هذا الأخ مثل ما وقع مع يوسف عليه السلام. نعم، فاجتمع عليكم الأمران: تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيكم اللاحق. فليس لي وجه أواجه به أبي، ما عندي استطاعة أن أواجه أبي بعد هذه المصائب وبعد هذه المواقف العصيبة. ﴿فَلَن أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾، أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها. لا أبرح، يعني: لا أتحرك من هذه الأرض، سأبقى في مصر، ولا يمكن أن أذهب إلى أبي في الشام. ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، أي: يقدر لي المجيء وحدي أو مع أخي، إذا أبي رضي وفهم ووافق على مجيئي. ثم قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: 80]، أي: الله عز وجل خير الحاكمين، حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. رد أمره إلى الله، رد أمره إلى الله عز وجل. ثم قال لهم، ثم وصاهم بما يقولون لأبيهم، فقال لهم: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف: 81]، يعني: أنتم اذهبوا إلى أبيكم، واذكروا له الحقيقة، فقولوا له: إن ابنك هذا سرق، وأخذ بسرقته، لأن هذا حكم حكمنا، وفي شرعنا أن من سرق يؤخذ. نعم، قال: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: 81]، يعني: لم يحصل لنا أن نأتيك به، ما استطعنا أن نأتيك مع بذلنا من الجهد. ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾، قالوا له: ماذا؟ ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، يعني: لم يحصل لنا أن نأتيك به مع بذلنا من الجهد من ذلك، والحال أن ما شهدنا بشيء لم نعلم، ما قلنا لك إلا ما علمنا، وإنما شهدنا بما علمنا؛ لأننا رأينا الصواع استخرج من رحله، يعني: أنه هو الذي أخذ الصواع، وما أخرج الصواع إلا من رحله. ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، كما يقول لبعض: لما يصاب بمصيبة، لو أدري أننا سأصاب بهذا المصيبة ما سافرت، أو ما يعني أتيت، أو نحو ذلك. وهم قالوا هكذا: لو كنا نعلم الغيب وأنه سيأخذ، ما أخذناه أصلا، ولما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ ما بلغ. ثم أرادوا أن يقنعوه، وأن يبينوا له صدق ما قالوا له، فقالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82]، هو معنى: اسأل القرية. وهذا من أساليب العرب، ليس معنى: اسأل جدرانها، أو اسأل أعمدتها، أو أرضها، أو سماءها، لا، وإنما: اسأل ماذا أهلها، اسأل ماذا أهلها، سكانها. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، اسأل من كانوا رفقاءنا. إن هذا الأمر شاع وذاع، ﴿شَاعَ وَذَاعَ﴾، فمن أهل مصر من كان معهم، ومن كان في سفرتهم هذه. فقالوا له: اذهب واسأل أهل القرية، أو اسأل العير التي أقبلنا فيها، الناس الذين كانوا معنا، فقد اطلعوا على ما أخبرناك به. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: 82]، لم نكذب، ولم نغير، ولم نبدل، بل هذا الواقع. طبعا، أبوهم قد سبق وأن كذبوا عليه، وهذا فيه: أن من عرف بالكذب، فلو أخبر بشيء ولو كان صادقا لم أصدق. صح، لم أصدق إنسانا دائما عهد عليه الكذب، ثم أتى بخبر صحيح، كما يقال: قد يصدق الكذوب، فهل سيصدقوا الناس؟ ما سيصدقون، لأنه عرف بالكذب. وهكذا هم يعرفون ما وقع منهم من قبل، فعلموا أن أباهم ما سيصدقهم أصلا. فقالوا: نعم، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أي: لم نكذب، ولم نغير، ولم نبدل، بل هذا الواقع. فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر، اشتد حزنه عليه السلام، وتضاعف كمدهم، واتهمهم أيضا في هذه القضية كما اتهمهم في الأولى؛ لأنهم غير صادقين، ولأن عنده من العلم ومن تحقيق رؤيا يوسف عليه السلام، فهو علم أن هؤلاء لربما لم يكونوا صادقين. فاشتد حزنه، وتضاعف كمدهم. وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 83]، أي: لجأ في ذلك إلى الصبر الجميل. ما هو الصبر الجميل؟ هل هناك صبر جميل وصبر غير جميل؟ نعم، فما هو الصبر الجميل، وما هو الصبر غير الجميل؟ هذا تقدم معنا في بعض الدروس. عندنا صبر جميل، وهجر جميل، وماذا جميل أيضا؟ صفح جميل، صح، كلها وردت في القرآن: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85]، ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. فما هو الصبر الجميل، وما هو الصفح الجميل، وما هو الهجر الجميل؟ أولا، خلونا في الصبر الجميل، عند من؟ نعم، الصبر الذي ليس فيه جزع، ولا تسخط، ولا شكوى للخلق، هذا يسمى الصبر الجميل. والهجر الجميل؟ نعم، الهجر بدون أذى. والصفح الجميل؟ نعم، العفو من غير معاتبة أو امتنان. نعم، قال: فصبر جميل، قال: أي: ألجأ في ذلك إلى الصبر الجميل، الذي لا يصحبه تسخط، ولا جزع، ولا شكوى للخلق. ثم لجأ إلى حصول الفرج، لما رأى أن الأمر اشتد، والكربة انتهت، يعني: أن كلما اشتدت الأمور، هذا دليل على قرب ماذا؟ الفرج، على قرب الفرج. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، وكما قال القائل: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج كلما اشتدت، كلما انفرجت. هذا وعد من الله. لا تدري، لعل الله يحدث بعد عسر يسرا. وعلم أن الصبر مع، وأن الفرج مع الكرب، وأن الفرج مع الكرب، فكلما اشتد الكرب، كلما اشتد الكرب، هذا دليل على قرب زواله. قال: فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 83]، أي: يوسف، وبنيامين، وأخوهم الكبير الذي أقام في مصر. قال: ﴿بِهِمْ﴾، لأنه يشمل الآن ثلاثة غابوا عليه: يوسف، وأخوه هذا بنيامين، وأخوهم الكبير الذي جلس في مصر. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 83]، قال: إنه هو العليم، الذي يعلم حالي، واحتياجي إلى تفريجه، ومنتهى، والطراري إلى إحسانه. الحكيم، الذي جعل لكل شيء قدرا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية. وهذا مناسب ذكر هذين الاسمين في آخر هذه الآية، مناسب جدا. فهو يعلم بحاجة يعقوب، وكذلك يعلم بدعائه، واحتياجه إلى تفريج كربته، وإلى الإحسان إليه، وإلى كذلك العلم بحال أبنائه، بحال أبنائه الغائبين. والحكيم، لأنه فعله هذا، وإن كان ظاهره فيه ضرر وشدة على يعقوب، إلا أنه فيه حكمة، فلا تخلو أقدار الله عز وجل من الحكم، من الحكم. فلله عز وجل في ذلك الحكمة البالغة، فهو الذي جعل لكل شيء قدرا، لكل شيء قدرا. فلعل حكمة الله عز وجل تقتضي أن تكون هذه الشدة في فترة، ثم تنجلي، ثم تنجلي، وتنتهي، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية. ففيه من المناسبة في ذكر هذين الاسمين في آخر هذه الآية. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله ما بقي في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى بحيولة ترجمة نانسي قنقر.