تحقيق المقال في حكم المعتدي على النفس والعرض والمال

المحاضرة بعنوان تحقيق المقال في حكم المعتدي على النفس والعرض والمال، والتي كانت بمسجد الخير بمنطقة الخزان بالشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 17 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 1 ديسمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في حكم الاعتداء على النفس والعرض والمال

يتناول حكم الاعتداء على النفس والعرض والمال، ويشرح أن الشرائع السماوية جاءت للحفاظ على هذه المقاصد. يبين حكم المعتدي سواء كان مسلمًا أو كافرًا.

تفاصيل دفع الصائل واختلاف الفقهاء في حكم الاعتداء

يتناول حكم الاعتداء على المسلم والكافر ودفع الصائل، حيث يوجب دفع المعتدي الكافر، ويختلف حكم دفع المعتدي المسلم بين الفقهاء. يشرح آراء الحنفية والمالكية والشافعية في هذه المسألة.

حكم الدفاع عن النفس في زمن الفتن والاضطرابات

يتناول حكم الدفاع عن النفس في زمن الفتن، ويستدل بالأحاديث النبوية والقصص التاريخية ليوضح أن الشرع يحرم القتال في الفتن. يستشهد بموقف عثمان بن عفان وآراء العلماء.

تفصيل الاعتداء والقتل في زمن الفتنة ووجوب ضبط النفس

يجب على المسلم أن يدفع المعتدي عليه بالأدنى فالأدنى، ولا يجوز له أن يقتله إذا استطاع دفعه بغير القتل. في زمن الفتنة، لا ينبغي للمسلم أن يدافع عن نفسه إذا كان ذلك يثير الفتنة.

  • 23 جمادى الأولى 1445هـ - 05/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، نحمد الله عز وجل على أن من علينا بهذا اللقاء، إن شاء الله تعالى يكون لقاء مباركًا، ونستفيد منه في ديننا. وقد سمعنا من إخواننا، بفضل الله تعالى، الأخ أبو مالك كلمة بفضل مجالس العلم، والأخ سعيد حفظهم الله أيضًا كلمة في تعظيم الله جل وعلا، وهو ربنا جل وعلا لا يستطيع أن يصفه الواصفون، فصفاته عظيمة، ومهما وصفه الخلق فلم يعطوه حقه جل وعلا. نشكر إخواننا في هذا المسجد المبارك على جهودهم، وعلى إحسان ظنهم بإخوانهم، لأجل طلب العلم وللتعليم ولغيرها من هذه الأمور الفاضلة العظيمة. وكما سمعتم أيها الإخوة، أن هذه المحاضرة والكلمة ستكون في حكم المعتدي على النفس والعرض والمال. فلا شك ولا ريب أيها الإخوة، أن الله سبحانه وتعالى قرر في شرائعه، كما ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله، قرر في كل دين وشريعة الحفاظ على خمسة أمور، وهي مقاصد الشرائع، وهي الدين والنفس والمال والعرض، وكذلك أيضًا معهم يذكر النسب. هذه خمسة مقاصد الشريعة التي جاءت الشرائع بالأمر والمحافظة عليها. أدلت هذه المقاصد كثيرة جدًا، لكن نحن في صدد نتكلم على مسألة معينة، وهي حكم الاعتداء على بعض هذه الأمور، على النفس وعلى العرض وعلى المال. فالمعتدي على هذه الأمور أن يعتدي على غيره، فما حكمه الذي يعتدي على مثل هذه الأمور؟ فلا شك أنها إذا كانت بين المسلمين، فلا شك أنها محرمة، لا يجوز الاعتداء على ما آدم المسلم، ولا على عرضه، ولا على ماله. وقد جاء في الآيات الكثيرة والأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بتحريم ذم المسلم. قال جل وعلا في سورة التوبة: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وفي الآية الأخرى قال: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. وقال جل وعلا أيضًا في أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فربنا جل وعلا أحل دماءهم وأحل أموالهم حتى يعطوا الجزية، إذا أعطوا الجزية واصطلحوا مع أهل الإسلام، فإنهم تُعصم دماؤهم وأموالهم. كذلك أيضًا نبينا عليه الصلاة والسلام يقول، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». جاء في رواية: «إلا بحق الإسلام»، هذا الحديث وهذه الآيات تدل على أن المسلم، وكذلك أيضًا من كان كافرًا فعصم ماله بشيء من الأمور، إما دخولهم في الإسلام، وإما إن كان من أهل الكتاب إعطاء الجزية، وإما أن يكون بينه وبين المسلمين هدنة وصلح، فكل ذلك يُعصم به الدم. عباد الله، فإن حكم المعتدي على هذه الأشياء الثلاثة كما قلنا، فإن كان هذا المعتدي من الكفار، فإن الله عز وجل قبل هذا قد قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فالمعتدي هو المتجاوز حده في حق غيره، الذي يريد أن يأخذ حق غيره، وحق ليس له، فيعتدي عليه بالعدوان والظلم. فالمعتدي ظالم في اعتدائه، إذا كان ذلك الأمر بغير حق. والمعتدي إما أن يكون كافرًا وإما أن يكون مسلمًا. فإن كان من الكفار، فلا شك أن هذا المعتدي يدفع، وهو ظالم يدفع عن هذا الاعتداء، إن كان اعتدائه في النفس، وإن كان اعتدائه في العرض، وإن كان اعتدائه في المال. فإن الواجب دفعه، وهذا بإجماع العلماء، أنه يجب أن يدفع، ولو بقتله، لأن قتله حلال. فلهذا يدفع، ولو بقتله. وأيضًا كذلك إذا كان هذا المعتدي كافر، إن كان اعتدائه على جماعة المسلمين، فهذا الذي يسمى بجهاد الدفع، فلابد على المسلم أن يدفع عن نفسه، فإنه يجب الدفاع عن النفس، إلا إذا كان هناك عدم الاستطاعة. فلا يكلف العبد ما لا يطيق، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فلهذا إذا كان لا يستطيع أن يقاوم، فإنه يسقط عنه الوجوب. ولما نقول يسقط عنه الوجوب، فليس معنى ذلك أن دفاعه حرام، لا، وإنما الوجوب يسقط عنه، بل قال كثير من أهل العلم، أنه إذا كان العدو كثير، وأهل الإسلام قليل، والعدو أيضًا عنده سلاح قوي، وأيضًا أكثر من أهل الإسلام، فإنه لا يجب عليهم المقاومة. لكن ليس كما قلنا أن قول العلماء لا يجب، أي أنه لا يقاوم، لا، فهناك أيضًا باب للاستحباب، باب للدفاع عن النفس وعن المال وعن العرض، وغيرها من الأبواب. فإنه إن قاوم، فله ذلك. ربنا جل وعلا لما ذكر في آخر سورة الأنفال مقاومة وجهاد أهل الإسلام للكفار، فأولًا ذكر ربنا جل وعلا أن الواحد منهم بعشر، أن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا. معنى هذا إذا كان مئة يغلبوا ألفًا، أو قال: فأيكم منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين، يغلبوا مئتين، معنى الواحد بعشر. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿فَالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فجعل الواحد باثنين، جعل الواحد باثنين. فلهذا قال العلماء: إن كان العدو أكثر من ضعف المسلمين، فسقط الوجوب، يسقط الوجوب، لأن الله عز وجل أمر أن الواحد يكون باثنين، فإن كان أكثر من اثنين، فلا يجب عليه أن يجاهد ذلك العدو. لكن كما قلنا، فإذا قلنا أنه لا يجب، فليس معنى ذلك أنه لا يجوز أن يقاتل، بل قد يكون من باب الاستحباب، لأن الله عز وجل يقول: ﴿كَمْ مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فالله عز وجل مع الصابرين، الذين يصبروا، والذين أيضًا يثبتوا لله عز وجل. فالذين لهذا من نظر في تاريخ الأمم التي قبلنا، مما ذكره الله عز وجل، مثلًا عن قوم داود، وقوم طالوت، وأيضًا كذلك مما ذكر عن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم دخلوا بعض المعارك، وهم قلة، بل كانوا رضي الله تعالى عنهم قلة قليلة، وجاهدوا الكفار، ونصرهم الله عز وجل في مواضع كثيرة. حتى في مؤتة، كان العدو كثير جدًا، حتى بلغ مئتي ألف، كما ذكر في السيرة، فقاوموا أولًا، فمات أمراء ذلك الجيش، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، فنصر الله عز وجل. لكن النصر كان أنه أخرج هذه القلة من ذلك الكثرة المتكاترة، فأخرجهم بدون أن يتبعهم، أخرجهم بدون أن يتبعوا، بل خاف العدو أن يكون مكرًا. فخرج خالد رضي الله عنه بمن كان معه من الجيش، حتى جاء إلى المدينة، وأثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وسماه نصرًا، أي بخروجه بهذه القلة من ذلك الجيش العظيم الذي عدته تلك الروم. وكذلك أيضًا من قرأ في تاريخ الفتوحات التي حصلت في زمن الخلفاء، ومن بعدهم، تجد أن أهل الإسلام يقاتلون بأعداد يسيرة، يقاتلون بأعداد يسيرة أمام تلك الجموع والحشود الكبيرة، وينصرهم الله عز وجل على عدوهم. فلهذا فلما نقول أنه يصير الوجوب، فيبقى بعد ذلك الاستحباب. وكذلك فداء النفس لله عز وجل، وبيعها لله جل وعلا، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون. وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به. فإذا علم الرجل أنه باع نفسه لله، فهانت نفسه بعد ذلك لله جل وعلا. وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هانت أنفسهم، فقدموها لله عز وجل. هذا الاعتداء إذا كان اعتداء كفار على جماعة المسلمين، فهذا كما قلنا يكون فيه الجهاد والدفع، لكن بحسب الضوابط التي ذكرها العلماء. وأما إذا كان اعتداء هذا الكافر على رجل مسلم، وسواء كان هذا الكافر حربي أو مستأمن أو معاهد أو ذمي، لا يختلف العلماء أنه إن اعتدى على المسلم، فإنه إن قتله المسلم، فهو حلال الدم. ويجب على المسلم أن يدافع عن نفسه، كما ذكر الإمام الشاطبي وغيره، أن العلماء أجمعوا من كل المذاهب، وغيرها، أن الكافر إذا اعتدى على المسلم، فيجوز للمسلم أن يدافع عن نفسه، ولو بقتله، ولو بقتله، لأن الله عز وجل لما ذكر الكفار، قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. حتى إذا أدخلتموهم، والإدخال هو الشدة، وكذلك أيضًا الغلظة عليهم، وأيضًا عدم مراعاة الأهل، ليس كما سيأتي في المسلم. الكافر يشتد عليه المسلم إذا اعتدى عليه، فإنه له أن يبذل جهدًا، بل له أن يقتله. معنى أنه الفرق بين الكافر والمسلم، أن المسلم إن كان ظالمًا، فإنه يدفع بالأقل وبالدون، وأما الكافر فيدفع بالأشد. فإنه إن كان معتديا، فللمسلم أن يقتله، ولو كان معاهدًا، فلهذا فإن الكافر يجب مدافعته، يجب مدافعته بلا خلاف. وأما المسلم، فلا شك أن الله عز وجل حرم الدم والمال والعرض، وقد خطب النبي عليه الصلاة والسلام في يوم مشهود عظيم، وذكر تحريم هذه الأشياء التي هي من أعظم الأشياء في دين الله عز وجل بين المسلمين. فجاء في الصحيحين عن أبي هريرة، وعن أبي بكرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن جمعكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». ولا شك أن الله عز وجل حرم هذه الأشياء. وقد جاءت الأدلة المتكاثرة في تحريم دم المسلم، وأنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، أي المرتد. فالمسلم معصوم الدم، وأيضًا دمه عظيم. فإن من يقع في دماء المسلمين، ولا يبالي بالقتل، فإنه يضيق عليه دين الله جل وعلا. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من ورطات الأمور أن يقتل الرجل أخاه المسلم». وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا، فلا يزال في ضيق منه». فالمسلم يجب أن يحافظ على دم أخيه المسلم، وأيضًا على عرضه، وأيضًا على ماله. وقد جاءت الأحاديث بتحريم أخذ المال، وأنه من الظلم، وظلم ظلمات يوم القيامة. وأن الرجل سيحاسب حتى على الشيء اليسير، الذي يأخذه من مال أخيه. وقد جاء في الصحيحين في حديث أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أخذ شبرًا من أرض، طوق يوم القيامة بسبع أراضي». طوق يوم القيامة أن يطوق بهذا الشبر، يطوق لو أخذ حتى شبرًا، فكيف أخذ أراضي الناس، وأخذ بيوت الناس، وأخذ من هذه المظالم؟ فإنه تكون تطوق عليه يوم القيامة. فلهذا أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر أخذ الأموال، حتى ذكر البعير الذي له صوت، وأشياء التيعر، وغيرها من الحيوانات، قال: «يأتي بها على رقبته يوم القيامة». يأتي بها على رقبته يوم القيامة، لو أخذ الإنسان حيوانات كثيرة، سيأتي بها وهو محملها يوم القيامة. فلهذا فأخذ والاعتداء على أموال المسلمين أمره عظيم عند الله. لكن نحن نتكلم على مسألة، وهو الحكم الثاني، بعد لا شك أن حكم حرام الاعتداء على مال المسلم، وعرضه، وأيضًا كذلك دمه. لكن كيف يتعامل المسلم مع من يعتدي على هذه الأمور؟ من أراد أن يعتدي على نفسه، أو على عرضه، أو على ماله؟ فلا شك كما ذكرنا أن اعتداء الكافر هذا يدافع المسلم، وهذا ما يسميه العلماء الفقهاء بدفع الصائل. الصائل هو المعتدي الظالم الذي يأخذ حق غيره، يريد أن يعتدي عليه، يريد أن يعتدي على حق غيره، والاعتداء على حق الغير لا يجوز، وظلم. فلهذا كيف يتعامل مع المعتدي؟ وهذا الحكم الثاني، وهذا تحت أحكام كثيرة. كيف يتعامل المرء مع المعتدي؟ فإذا كان المعتدي مسلمًا، واعتدى على أخيه، أو أراد أن يعتدي على أخيه، يريد قتله، فكيف يدافع الرجل عن نفسه؟ هل يجب عليه أن يدافع عن نفسه، أو لا يجب؟ هل يجب عليه الآن يريد مسلم أن يقتل آخر، سواء كان بسلاح، أو أخرج سكينًا، أو غيرها من الأمور التي يعرف أنه يريد أن يقتله، فاعتدى عليه يريد أن يقتله؟ فهل يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟ قال كثير من العلماء: يجب عليه أن يدافع عن نفسه، يجب عليه أن يدافع عن نفسه، لكن مدافعته هذه يدفعه بالأقل، فالأقل معنا، إن كان يستطيع أنه يهرب، يهرب. إن كان يستطيع أن يضربه مثلًا في رأسه، أو في كذا، حتى يغم عليه، فعل. إن كان يستطيع مثلًا أن يضربه في رجله، حتى يسقطه، فهذا أيضًا يفعل. فيكون دفاعه بالأقل، فالأقل. فإذا كان مثلًا يريد أن يقتله، قالوا: يجب عليه أن يقتله، إذا كان مسلمًا. وما استثنوا إلا الصبي والمجنون، والبهائم كذلك، أنه لا يجب عليهم قتلهم. هذا مذهب الحنفية والمالكية. وأما الشافعي، فعنده أنها لا تجب، لا يجب دفعه أبدًا إذا كان مسلمًا. لا يجب دفعه. ومعنى كما قلنا لا يجب دفعه، ليس معنى أنه لا يدفع، له أن يدفع، لكن هل يجب عليه؟ ومعنى هذا الكلام إذا قلنا أنه واجب عليه أن يدفع، أي إذا لم يدفع، فهو آثم. إذا لم يدافع على نفسه، فهو آثم. وأما إذا كان مثلًا قلنا أنه لا يجب، ممكن أيضًا هناك أحكام أخرى، أنه يستحب أنه يدافع عن نفسه، ولو بالقتل. إذا قتله، عندما نقول مثلًا يشرع ويستحب، فإذا قتله، ما وجد طريقة إلا قتله، أي شيء الحكم؟ الحكم أنه لا يضمن عند من يقول بالوجوب، من يقول بالاستحباب. هذا نتيجة هذه المسألة. أما الذي لا يقول أنه لا يجوز المدافعة، فهذا شيء آخر. لكن كما قلنا الإمام الشافعي يقول أنه لا يجب، وهناك قول عند الحنابلة، وهو القول الصحيح في هذه المسألة، أنه يجب عليه المدافعة، إلا في الفتن، لأنه قد جاءت أدلة كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدم المدافعة. فمثلًا جاء عند أبي داود والترمذي وأحمد، عن سعد بن أبي وقاص، أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رأيت أن أخلص له، أراد أن يقتلني، فماذا أفعل؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: كن كابن آدم المظلوم». وجاء في رواية: «كن كابن آدم المظلوم». وأيضًا جاء في حديث أبي ذر، وجاء من حديث غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كن كعبد الله المظلوم، أو قال: كن كابن آدم المظلوم، ولا تكن كابن آدم الظالم». ومعنا القصة التي ذكرها الله عز وجل في سورة المائدة. فأيضًا كذلك جاء عند مسلم وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له يا أبا ذر: «كيف أنت إذا كان الناس يقتل بعضهم بعضًا، حتى تغرق الدماء كالحجارة في الزيت؟ فكيف تفعل؟ قال: ما قال وما أفعل يا رسول الله؟ وقال الله ورسوله أعلم. قال: أجلس في بيتك. قال: أجلس في بيتك، لا تخرج من بيتك، ولا تقاتل معهم». قال: «فإن دخل عليك إلى بيتك، قال: لا تقتله، حتى لو دخل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقتله. ثم قال عليه الصلاة والسلام: فإن خشيت شعاع السيف، لما يرفعه، قال: ألقي توبك عليك، ويبوء بإثمه وإثمك، ثم يكون من أصحاب النار». هذا متى هذا في الفتن؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القتل، فذكر هذا. وجاء أيضًا في حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر القتل، فقال: «فاتقوا، أو قال: يتخذ حدكم سيفًا من خشب»، أي حتى لا يقتل، حتى لا يقتل أحد. وأيضًا كذلك الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، لما اعتدي عليه، وجاء أولئك من مصر أرادوا أن يقتلوه رضي الله تعالى عنه. فكان يقول للصحابة الذين أرادوا أن يدافعوا عنه: «من كان له منا حق، فليذهب إلى بيته». وقال لعبيده: «من ذهب فهو حر، اذهبوا فأنتم أحرار». وكان يقول رضي الله تعالى عنه: «لا أحب أن يصيب دم مسلم بسببي، لا أحب أن يصيب دم مسلم بسببي». ثم قتل رضي الله تعالى عنه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فعله. بل أن النبي عليه الصلاة والسلام، أيده، وقال له عليه الصلاة والسلام: «يا عثمان، إن أرادك المنافقون أن تقلع قميصك، الله إياه فلا تقلع». وأيضًا رأى النبي عليه الصلاة والسلام عثمان، وكان يقول له: «يا عثمان، صم وأفطر عندنا، صم وأفطر عندنا». وقتل رضي الله عنه وهو صائم في آخر العشية، وفاضت روحه رضي الله عنه وهو صائم. وصدق هذه الرؤية. والمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن حوالة، قال له: «إلزم هذا، فإنه على الحق». أراد عثمان رضي الله تعالى عنه. وهذا تأييد من النبي عليه الصلاة والسلام بما فعله عثمان إن شاء الله تعالى. فأيضًا كذلك من الدليل في هذه المسألة، قول النبي عليه الصلاة والسلام، ما جاء في الصحيحين، أو جاء في البخاري، عن الحسن، قال: «خرجت بسلاحي في الفتنة التي حصلت، أي في صفين». قال: «فلقيت أبا بكرة رضي الله تعالى عنه، فقال: الأحنف الأحنف بن قيس، قال: خرجت لأنصر علي بن أبي طالب، أكون معه. قال: فقال لي: إلى أين؟ قال: لأنصر ابن عمي، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال لي: لا تفعل. فقال لي: لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: القاتل والمقتول في النار». القاتل والمقتول في النار. قالوا: «يا رسول الله، فما بال المقتول؟ فقال: لأنه كان يريد قتل صاحبه، أو يريد قتل أخيه، فنيته كانت أنه يقتله، فلهذا كان في النار». وأيضًا أبو بكر رضي الله تعالى عنه، لما حصلت الفتنة في عهد المختار بن أبي عبيد، وغيره، حصل قتل بين المسلمين، وأحرق عنده رجل. فقال لجاريه: «إن أبا بكر قريبك في تلك الغرفة». فلم يعبأ جاريه، وذهب، وقال أبو بكر: «لو جاءوا ودخلوا علي، ما هززت حتى يقتلوني». لو أرادوا مثلًا يقتلونني، لأن أبا بكر لم يشارك في الفتن، لم يشارك في شيء من القتال. واستفاد من هذا الحديث: «القاتل والمقتول في النار». وإن كان في هذا تفصيل، لكن الأمر العام أن الإنسان ما يقتل المسلم إلا إذا كان بأمر شرعي. فلهذا لما جاء قال: «فإن دخلوا علي، والله ما هززت حتى يقتلوني». معنى: سأتركهم يقتلونني، وليس معنى هذا جبن، كما يظنه بعض الناس، يظن أن هذا جبن، وهذا معنى خوف، لا، هذا شرع الله، هؤلاء تمروا بشرع الله عز وجل، هذا شرعه النبي عليه الصلاة والسلام. لأن لو كثرت القتال في الفتن، ستكثر الفتنة، ويزيد القتل. ولهذا في آخر الزمان، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القتال، وكثرته، بسبب أن الناس كلهم يشاركون، كل واحد ما يريد أنه يعصم نفسه، فتكثر الفتن، هذا يقتل، هذا يقتل، هذا يقتل، ولا يبالي بدماء المسلمين. لكن كما ذكر العلماء: أن من كان هو المعتدي، فهذا يجب أن يدفع، إلا في زمن الفتن، إلا في زمن الفتن، فإنه يترك المدافع، حتى ولو قتله، يترك المدافع. وهذا يدلك على حرمة دم المسلم، وأنها عظيمة، لا يستهان بدم مسلم. الآن تجد كثيرًا من الفرق، سواء كان من الخوارج، أو من غيرهم، لا يبالون بقتل المسلمين، بأدنى شبهة، بأدنى شيء، يقتل المسلم. حتى ولو شك هل هو من الطائفة الفلانية، أو من كذا؟ قتله. رأى فيه لباس عسكر، قتله. رأى فيه كذا، تجد أنهم لا يتورعون في مثل هذه الأمور. كذلك أيضًا في الفتن، أيضًا يحمى هذا، ويحمى هذا، وتأتي العصبية، فيقتل، ويقتل. لكن الشرع عظم حرمة المسلم، عظم حرمة المسلم. فلا يقتل إلا لمصلحة عظيمة، فلا يقتل إلا لمصلحة عظيمة، مثلًا البغاة يقتلون، الخوارج يقتلون، وغير هؤلاء الذين القتل يكون فيهم مصلحة. أما مسلم يقتل آخر على دنيا، على أنه أخذ أرضه، أو أخذ شيء من بيته، أو أراد أن يعتدي، أو كذا؟ فهذا أمره عظيم. ولهذا العلماء هنا يقولون: إذا كان مثلًا إنسان جاء يريد أن يعتدي على آخر، ويقتله، أنا جاء ليقتله، لكن ضرب ما أصابه، ثم أراد أن يضرب، ما وجد شيئًا في السلاح الذي عنده، فهنا الآن خلاص انتهى الاعتداء، فهل يجوز لهذا الآخر أن يذهب ويقتله؟ يأخذ مثلًا سكين، يأخذ شيء. الآن خلاص ما سيعتدي عليك، انتهى الاعتداء، هل يجوز له أن يقتله؟ قال العلماء: لا، ما يجوز. فإذا استطاع أن يدفعه بالأقل، ثم استعمل الأشد، وهو القتل، قالوا: يضمن، ويكون عليه قصاص. وأنا أنظر إلى هذه المسألة، هذه مسائل مهمة، يغلط فيها كثير من الناس، فتثيره الحمية، فيقتل هذا المعتدي. صحيح ذاك معتدي، وأيضًا الحاكم سيحاسب على هذا. وأيضًا استطعت أن تدفعه بغير هذا الأمر الذي ارتكبته وقتله. فإن كان قتلته، وأنت تستطيع أن تدفعه بغيره، فإنك تضمن نفسه. وأيضًا هناك مسائل أخرى في مسائل الاعتداء الذي يكون في البيوت، وغيرها، وفي مسألة الشهادات. يعني هل يجوز للإنسان مثلًا أن يقول: «فلان اعتدى عليه، فقتلته»، لا، هذا ليس بالأمر الهيّن، هذا ليس بالأمر الهيّن. فلابد أن يكون يشهد، أو يشهد على أنه اعتدى عليه. وكذلك اشترط بعضهم: أنه لا بد أن يكون هذا الشخص المعتدي عرف بالشر، معنى الذي اتهمه بالاعتداء. وكذلك أيضًا إذا قتله، لابد أيضًا أن يعرف ملابسات هذه القضية، كيف قتله؟ الآن مثلًا بعضهم يأتي إليه سارق، مثلًا، معنا نأتي بالأشد، يأتي سارق ويدخل بيته، فلما يقوم السارق يهرب، فيأخذ هذا السلاح ويضربه ويقتله، فهل هذا له حلال؟ لا، هذا ما يجوز، لأنه ما وجد ما يقتله، استطيع أنه يقتله بغير هذا السلاح. فلهذا مثل هذا اعتداء أيضًا منه، فيكون فيه القصاص، بل عند عامة أهل العلم يكون فيه القصاص، ويضمن، إذا استطاع أن يدفعه بالأخف، إذا استطاع أن يدفعه بالأخف. فأولًا المسألة الأصلية كما نقول، كما قلنا: أنه يجوز للمسلم، بل يجب عليه أن يدفع المعتدي عليه، بما استطاع، يدفع المعتدي عليه بما استطاع. لكن يجب عليه أن يدفعه بالأدنى، فالأدنى. فإن استطاع أن يدفعه بدون القتل، إن استطاع أن يدفعه بدون القتل، يجب عليه أن يدفعه بغير القتل، ولا يجوز له أن يقتله. فإن قتله، وهو يستطيع أن يدفع بغير القتل، فهنا يضمن النفس، إلا إذا كان في وقت لا يستطيع أن يدفع عن نفسه إلا بدفعه وقتله. ممكن مثلًا أن تكون هناك طرق أخرى يستطيعها، لكن في ذلك الوضع ما استطاع أن يعمل شيء إلا أنه مثلًا يدفعه عنه، أو أخذ شيئًا عنده، فضربه في رأسه، فمات، فهذا ما في شيء، هذا يكون دفاع عن النفس، دفاع عن المعتدي. أما إذا حصل أنه مثلًا قد قام منه، وقد ابتعد عنه، ثم يقوم ويقتله. الآن مثلًا كثير من الناس في الخصومات تجد مثلًا إنسان يريد أن يعتدي على آخر، ثم يحصل أن مثلًا ذاك المعتدي مثلًا جاءوا ناس وأمسكوه، مثلًا، أو أنه خائر، أنه لا يقتل، خلاص ابتعد، رأى أن القتل خطير، فيأتي هذا ويحمى، ويقوم ويقتل هذا المعتدي، فيعتدي عليه، فيصير المعتدي هذا قاتلًا. فالقاتل والمقتول في النار، لأن المقتول كانت نيته أن يقتل هذا القاتل. فهذا في مسألة كما قلنا الاعتداء في مسألة القتل. فصحيح أنه إذا كان في زمن فتنة، فإنه لا ينبغي له أن يدافع. ومعنى إذا كان في زمن فتنة، أي لأجل الفتنة، مثلًا تعصبوا على قوم، فقاتلوه، مثل ما يحصل بين القبائل الآن، يحصل بين القبائل في بعض المناطق. تجد مثلًا يقتلون شخصًا، أو بينهم مثلًا نزاعات في أراض، أو في كذا، فيقوم هؤلاء ويعتدون على الآخرين، لماذا يأخذون شيء من أرضنا؟ فيحصل بينهم قتال، هذا قتال فتنة، هذا قتال فتنة. فهنا لا يجوز للمسلم أن يشارك معهم، ولو كانوا من قبيلته. وهنا تحصل النعرات الجاهلية والعصبية القبلية. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم، قال: «من قتل على عصبية، أو قاتل على عصبية، فمات ميتة جاهلية، مات». وجاء في لفظ: «فمات ميتة جاهلية». حكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ميتته جاهلية، لا تمد للإسلام شيء، بل هو من الجاهلين. وأيضًا كذلك فعله هذا يعتبر من فعل أهل الكفر والجهل، أهل الكفر والجهل. فلهذا لا يجوز له أن يشارك في مثل هذه الفتن، يقول بعضهم: «كيف أنصر قبيلتي؟» وهذا كثيرًا ما يفعل كثير من الناس، يقول: «أنا أنصر قبيلتي»، ويقوم ويقتل الآخرين، فهذا لا يجوز، بل كما قلنا أنه لا يجوز، حتى ولو دخل عليه، أو جاء إلى مكانه، مثلًا اختبأ في مكان، فجاء هذا المعتدي من قبيلة الأخرى، وأراد أن يقتله. فهل له أن يدافع، أو هل يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟ لا يجب عليه، لكن إن دافع عن نفسه، فهو جائز، إن دافع عن نفسه، فهو جائز، لكن الأفضل والأولى له أن لا يفعل، الأولى له أن لا يفعل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حذر من القتال في زمن الفتنة، وقال: «كن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم». فهذا في مسألة الاعتداء في القتل. وأما مسألة الاعتداء في العرض، فقد أجمع العلماء، كما ذكر غير واحد منهم، الإمام ابن قدامة في المغني، وغيره، أجمعوا على أنه يجب على المسلم أن يدافع عن عرضه، أو عرض غيره من المسلمين، أن يدافع عن عرضه، أو عرض غيره من المسلمين. إذا أراد أحد أن يعتدي عليه، إنسان يريد أن يعتدي على امرأة، ولو لم تعرف هذه المرأة، يريد أن يغتصبها، يريد أن يفعل بها كذا، فهذا لا يترك لك أن تنظر إليه، تقول: «أنا ما أتدخل في هذا»، لا، لا، يجب عليك أن تدفعه عن هذه المرأة، يجب عليك أن تدافع عن هذه المرأة. كذلك سواء كانت هذه المرأة لك منها قرابة، أو لا، فيجب عليك أن تدفع، ما دامت أنها امرأة مسلمة. وأيضًا