الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 657

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 657

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 657، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم تعلم علم النجوم للاستدلال بأحداث الأرض

يشرح المقطع حديث النبي ﷺ: «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر»، مبينًا أن المراد هو الاستدلال بالنجوم على الحوادث الأرضية لا الاهتداء بها. ويذكر أن الله جعل للنجوم ثلاث وظائف هي: زينة السماء، ورجوم الشياطين، وعلامات للاهتداء، فمن صرفها لغير ذلك فهو آثم.

الفرق بين علم الحساب المشروع والتنجيم المحرم

يفرق المقطع بين النجوم المكانية والزمانية، ويبين أن علم الحساب والفلك المبني على نظام الله في الكون جائز ومباح. بينما نسبة التأثير والفعل إلى النجوم أو الاستدلال بها على الغيب يُعد من التنجيم والسحر المحرم، وهو شرك كان عليه مشركو إبراهيم عليه السلام.

حكم التنجيم والسحر وعلاقتهما بالشرك والكفر

تعد نسبة الحوادث إلى النجوم والكواكب شركًا أصغر، وعلم التنجيم شعبة من السحر. السحر يستلزم التعامل مع الجن والشياطين، وغالبًا ما يُتعلم بعد الكفر بالله، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن السحر كله كفر.

تفريق الإمام الشافعي بين نوعي السحر

يميز الإمام الشافعي بين السحر بالعقاقير والأدوية وهو فسق، والسحر بالاستغاثة بالشياطين وهو كفر لاشتماله على الشرك. هذا التفريق يوضح تفاوت الحكم الشرعي باختلاف وسيلة السحر ومنهجه.

  • 18 جمادى الآخرة 1446هـ - 19/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقل بن هادي الوادي رحمه الله تعالى: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدد. المعنى: أبو بكر بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد بن المغيرة بن شيبة العبسي، وهو من أهل الكوفة، وإمام من أئمة الكوفة حفاظه. قاله مسدد، ومسدد هو ابن مسرهد أبو الحسن البصري. قال: المعنى أي معناهم معنى الحديث واحد. قال: أخبرنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، والوليد بن عبد الله يعتبر كوفيًا، عن يوسف بن ماهك، ويقال أيضًا يوسف بن نهيك. والظاهر قال أنه وحد، قال: أفرق بينهما البخاري وغيره. قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا الوليد بن عبد الله، وقد وثقه ابن معين، والحديث أخرجه ابن ماجة وابن أبي شيبة. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن الأخنس به، أي خرجه في مسنده أو في مصنفه، أقصد ابن أبي شيبة، له مصنف وله مسند، فإذا أطلق فالمراد به المصنف لأنه أشهر. فهذا الحديث فيه أمر عظيم، وهو أمر السحر وشعبة، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس»، أي أخذ وطلب وتعلم هذا العلم، علم النجوم. والمراد بعلم النجوم هنا التي يستدل بها على ما يحدث في الأرض، وليس المراد ما يؤخذ منها من اهتداء وغيره. الله عز وجل ذكر النجوم وذكر لها ثلاثة وظائف: أنها زينة للسماء، ويرمى بها الشياطين، وكذلك يهتدى بها في البر والبحر. قال قتادة: من جعلها لغير ذلك فهو آثم، أو كما قال، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فقد أخذ في العلم المحبور الذي يقول أنه لا يجعل النجوم لهذه الأشياء. والنجوم هنا المراد بها هذه النجوم وما يتصل بها من النجوم الزمانية والمكانية. أن هذه النجوم مكانية، ويتصل بها أيضًا النجوم الزمانية التي تعارف عليها الناس. من قال: مطرت بنجم كذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب. هكذا جاء في حديث أسامة رضي الله تعالى عنه، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الغداة، فذكر هذا، فعلى أثر سماء، فهذا أيضًا يدخل في علم النجوم. فعلم النجوم المراد به ما يستدل به بهذه النجوم، سواء كان النجوم هذه الكواكب أو النجوم الزمانية. أن هناك نجومًا زمانية لكل نجم ثلاثة عشر يومًا، وتسمى بمسميات، وقد تجد أن هذه المسميات تختلف من مكان إلى آخر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس علمًا من النجوم»، ويخرج ما كان يعرف بالحساب، ما كان يعرف بالحساب يخرج من هذا، فلا يدخل في علم النجوم، لأن الله عز وجل جعل حسابات لأمور، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فهناك نظام جعله الله عز وجل لهذه الكواكب، فلذلك جوز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من العلماء جواز أن بعض الأشياء قد تعرف، وليست هي من علم النجوم المحرم، مثل الكسوف، ومثل كذلك الرياح ومعنى هبوبها، وكذا. وأما الحوادث الأرضية التي تحصل في الأرض من فعل الناس، فهذا لا يعرف بالنجم، وإنما هذا فيه سحر، فيه أمور سحرية. فلذلك من اقتبس علمًا من النجوم، مثل هؤلاء أصحاب الكف، أصحاب الفنجان، وغيرها، هذه من علوم السحر. قال: «من اقتبس علمًا من النجوم»، أيضًا كذلك ما ينسب إلى هذه النجوم من الفعل والتأثير، فمن نسب التأثير والفعل إلى هذه النجوم، سواء كان النجوم الزمانية والمكانية، عن المكانية مثل الزهرة، المريخ، مثل هذه النجوم التي عند أهل الهيئة، من نسب إليها شيئًا من هذه العلوم أو حصول الحوادث بسبب أو بتأثيرها، فإن هذا مشرك. وقد كان هذا دين المشركين في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان يعبدون الكواكب ويجعلون تأثير الكواكب على هذه الأرض. ومن جعل تغير هذه النجوم، سواء كان النجوم الزمانية أو المكانية، جعل تغيرها مثلًا حاصلًا أو مسببًا من مسببات الحوادث، فهذا أيضًا قد أشرك شركًا أصغر، لأنه جعل سببًا ما ليس بسبب، فجعل هذه النجوم لها سبب في دخول الشيء وخروجه، كما في الحديث: «من قال مطرنا بنوع كذا، أي بنجم كذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب». فلذلك من اقتبس شيئًا من هذه العلوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتبس شعبة من السحر»، فهي داخل في علوم السحر، علم النجوم داخل في علوم السحر. قال: «زاد ما زاد»، أي كلما زاد من هذا العلم زاد من علم السحر. وكما قلنا، علم النجوم الذي يتعلق بما هو حرام، يتعلق بالحوادث الأرضية والاستدلال بها بواسطة النجوم، إلا كما قلنا ما عرف بالحساب. وأما ما لم يعرف بالحساب فهو من علم الغيب الذي غيبه الله عز وجل عن الناس، فمن ادعاه فهو كاذب، من ادعاه فهو كاذب، وهو داخل في زمرة السحرة، مثل الكهان والعرافين. العراف هو الذي يخبر بالضائع، والكاهن هو الذي يخبر بما يكون في المستقبل. فهؤلاء من السحر أيضًا لأنهم يتعاملون مع الجن، والساحر أيضًا تعامله مع الجن. وأيضًا ما يعلمون، يعلمون هؤلاء الجن الشياطين السحر حتى يكفر الشخص. ﴿وَمَا يُعَلَّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. فلذلك فغالبًا أن من تعلم السحر إنما يتعلمه بعد الكفر، بعد أن يكفر بالله جل وعلا، ويأخذ هؤلاء العهد عليه، أي هؤلاء الجن والشياطين يأخذون العهد عليه أن لا يخونهم، أو أن لا يفعل، فيفعل ما يأمرونه، فيفعل ما يأمرونه. حتى أن الرجل الواحد منهم يبيت في المزبلة، بل بعضهم، بعض السحرة يدخل في المزبلة عاريًا لأجل أن يطيع هؤلاء السحرة أو هؤلاء الشياطين حتى يعطونه ما أراد. فهذه الكلمة التي يسمعها الجن من مسترقي السمع يلقيها على صاحبه الساحر، فهذه ما يعطيها إياه إلا بثمن، ما يعطيه إياه إلا بثمن، وهو الكفر بالله جل وعلا. ﴿وَمَا يُعَلَّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. فلذلك ذهب جماعة من أهل العلم أن السحر كله كفر. وفرق الشافعي رحمه الله بين السحر الذي يكون بالشياطين، والسحر الذي يكون بالعقاقير، بالعقاقير والأدوية، فهذا يقول أنه فسق، والسحر الذي يكون بالشياطين يكون كفرًا لأنه استغاثة بالشياطين. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.