التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 90

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 90

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 90، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة جواز المجادلة ومشروعيتها عند الاشتباه

تقرر القاعدة أن المجادلة والمشاورة مشروعة فقط في مواطن الاشتباه واحتمال الوجوه، أما إذا تبين الحق واتضحت المصلحة تعيناً فلا محل للمعارضة ولا للإكراه، وتصبح المجادلة حينئذٍ عبثاً ومكابرة، ويستدل المؤلف بآيات قرآنية تؤكد بطلان حجة المعاند بعد تبين الحق.

ضوابط المعارضات والاستشكالات في مسائل الدين

تجوز المعارضات والاستشكالات والتوقف والمشاورة في المسائل غير الواضحة التي فيها غموض أو اختلاف قوي بين العلماء، أما المسائل القطعية الواضحة كعلو الله واستوائه على العرش فالتوقف فيها أو المجادلة يعد من العبث والمكابرة، وقد تبين الرشد من الغي فزال محل الإكراه والجدل.

دلالة آيات التهديد وانتقال المجادلة إلى الإنذار

تفسر آية ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ على أنها تهديد ووعيد لا تخيير، وتوضح أن المشاورة تكون في الأمور غير الواضحة أما الحق الشرعي الواضح فلا مجادلة فيه، وينتقل الخطاب من مجادلة المكذبين بالتي هي أحسن إلى الوعيد والزجر عند تمام الحجة ووضوح الحق.

استثناء الظالمين من الحجة لجدالهم بالباطل

توضح الآية أن الذين ظلموا مستثنون من الحجة لأنهم يجادلون بالباطل رغم وضوح الحق، وتشير إلى وجود آيات كثيرة تحمل هذا المعنى، ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

نعم، أخرى: وموقع التوقفات، ووقت المشاورات، إذا كان شيء فيه اشتباه أو احتمالات، فترد عليه هذه الأمور؛ لأنها الطريق إلى البيان والتوضيح. فأما إذا كان شيء لا يحتمل إلا معنى واحدة، وابهة، وقد تعينت المصلحة، فالمجادلة والمعارضة من باب العبث، والمعارض لا يؤبه باعتراضاته؛ لأنه يشبه المكابر المنكر في المحسوسات. قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾، يعني: فإذا تبين هذا من هذا، لم يبقَ للإكراه محل؛ لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية، فأما أمر قد اتضح أن مصالح الدارين مربوطة به ومتعلقة به، فأي داعٍ للإكراه، وأي موجبة له؟ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾، أي: هذا الحق الذي قامت البراهين واضحة على حقيقته، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. بقوله: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾. وقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، أي: في الأمور التي تحتاج إلى مشاورة، ويطلب فيها وجه مصلحة. أما أمر قد تعينت مصلحته، وظهر رشده، ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. وقد كشف الله هذا المعنى غاية الكشف بقوله: ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﴾، فإنه غالط شرعًا وعقلًا. وقال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾، وليس مهم على عدم التزام الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذكر السبب لهذا اللوم: أنه تعالى فصل لعباده كل ما حرم عليهم، فما لم يذكر تحريمه فإنه حلال واضح، ليس للتوقف عنه محل. ولما ذكر تعالى الآيات الدالة على وجوب الإيمان، وبخ ولام المتوقفين عنه بعد البيان، فقال: ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾. ولما بيّن جلالة القرآن، وأنه أعلى الكلام وأصدقه وأنفعه، قال تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾. ولما ذكر عظيم نعمه الظاهرة والباطنة، قال تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴾. وقال تعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾. وفضلًا عن ذلك، آيات كثيرة يأمر بمجادلة المكذبين، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى إذا وصل معهم إلى حالة وضوح الحق التام، وإزالة الشبه كلها، انتقل من مجادلتهم إلى الوعيد لهم بعقوبات الدنيا والآخرة. والآيات بهذا المعنى الجميل كثيرة، سبحان الله. طيب، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: في الحقيقة، هذه القواعد هي تدبر من المؤلف للقرآن الكريم. يعني: نحن نقرأ هذه الآيات في القرآن، هل خطر على بالنا هذه القاعدة؟ ها؟ هل خطر على بالنا هذه القاعدة؟ ثم إن هذه القاعدة ذكرت في القرآن في آيات كثيرة. الآن ذكر هنا المؤلف منها على سبيل التنصيص ما يقارب اثنتي عشرة آية أو أكثر، هذا على وجه التنصيص. أما على وجه الإجمال، فربما آيات كثيرة. في آخر ما ذكر في هذه القاعدة: من أن آيات كثيرة تأمر بمجادلة المكذبين، كم آيات؟ فهذا كله يدعونا إلى تدبر مثل هذه الآيات، وتطبيق مثل هذه القاعدة. القاعدة هذه تقول: وهذا أيضًا نافٍ حتى في مجادلة المعاندين والمعارضين للحق، إذا وضح الحق وبان. يعني: صار واضحًا جدًا أن مثلًا دعاء غير الله شرك، أو الذبح لغير الله شرك، بالأدلة من القرآن ومن السنة. طيب، فيأتي واحد ويعارض. لم يبقَ للمعارضة العلمية -يعني: بالحجج القرآنية أو بالحجج النبوية- والعملية -أي: بالتطبيق العملي- يأتي ويقول: لا، هذا يجوز، ويعمل هذا الشيء عنادًا ومعارضة. مثالًا: إنسان تقول له: يا أخي، وجدته مثلًا يدعو غير الله، يدعو القبر. أنت نصحته، وبينت له بالأدلة القرآنية، فعارضك بشبه واهية. فقلت له: يا أخي، أنا بينت لك الحق، الحق واضح جدًا. فقام وقال: يا سيدي، يا رسول الله، أغثني، يا سيدي، يا رسول الله، المدد. هذا الآن كذلك عارض بماذا؟ بمعارضة عملية، بمعارضة إيش؟ عملية. فالمعارضة العملية: هو العمل بغير الحق الواضح. والعلمية: أي بإيراد شبه وأمور وأدلة بعيدة عن موطن النزاع، بعيدة عن موطن النزاع. قال: وهذه قاعدة شرعية، عقلية، فطرية. شرعية: لأنها مدلل عليها بنصوص الكتاب والسنة. عقلية: لأن العقل الصحيح يرد مثلًا: جادلت إنسانًا في علو الله، من الأشاعرة أو المعتزلة أو نحوهم، من ينكرون علو الله. تقول له: هذه المسألة ورد فيها مئات الأدلة من القرآن ومن السنة. تذكر له الأدلة. هذه قاعدة شرعية وعقلية. قل له: يا أخي، أنت الآن إذا تدعو الله، لماذا ترفع يديك؟ لماذا ترفع يديك؟ سيقول لك: ماذا أرفع يديك؟ أسأل الله. إذن: الله أين؟ في العلو. صح. هذا شيء عقلي، شيء فطري. قل له: لما تدعو، القلب، هذا القلب أين يتجه؟ فطرة إلى السماء. ربما بعضهم يدعو ويرفع رأسه من شدة التضرع، على أن الله في العلو. فهمتم هذا الآن؟ فقد تكون هناك أدلة شرعية، عقلية، فطرية، قد وردت في القرآن، يعني: هذه القاعدة، وأرشد إليها في مواضع كثيرة. قال: وذلك أنه من المعلوم أن محل المعارضات -أنت تعارضني في مسألة، مثل مسألة العلو- هذا تعارض فيها ليس في كل حال، وإنما في حال الاشتباه، أو الاحتمال، أو عدم وضوح الأدلة. محل المعارضات، وموضع الاستشكالات: يعني تقول لي: أخي، استشكلت عليه هذه المسألة. يعني: قول الله عز وجل: ﴿ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ﴾، هل فيها إشكال؟ هل فيها غموض؟ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾، هل فيها غموض؟ هل فيها إشكال؟ إذن: متى يكون محل المعارضات، وموضع الاستشكالات؟ إذا كانت المسألة غير واضحة. وموضع التوقفات: يعني تتوقف في المسألة. تجيء تناقش واحدًا في علو، يقول لك: أنا متوقف. هل يجوز له أن يتوقف؟ لا يجوز له؛ لأن الأدلة واضحة صريحة، ما تحتاج إلى توقف. متى يتوقف الإنسان في المسألة؟ إذا فيها غموض. مسألة فقهية دقيقة، مثلًا: اختلف العلماء. على سبيل المثال، نأخذ مسألة فقهية: اختلف العلماء في حكم غسل يوم الجمعة، هل هو واجب أو مستحب؟ يقول: والله، أنا نظرت في الأدلة، وما ترجح لي شيء، أنا متوقف في هذه المسألة. من حقه، إذا كان هو ضعيف العلم، من حقه؛ لأن الأدلة فعلا فيها أحاديث، بعضهم ضعفها. يعني: حق للجمعة واجب على كل محتلم، وفي حديث آخر: من اغتسل ففيه كذا وكذا. أحاديث عارض هذا، فهو يعني استشكل عليه هذا الشيء. هذا يمكن نعفيه؛ لأن المسألة غير واضحة، فيها أخذ وعطاء، وفيها تصحيح وتضعيف، وفيها فهم لعالم، وفهم لعالم آخر. لكن المسائل الواضحة البينة، ما هي موضع توقفات. ما يجوز يقول: أنا في العلو متوقف، ما أدري أين الله، أو في السماء، أو تحت، أو فوق، الله أعلم. ما يجوز الواحد يقول هذا؛ لأن الأدلة فيها واضحة. فهمتم هذا الآن؟ ووقت المشاورات: قال لك: جادلته، أو نصحته في العلو، قال لك: والله، أنت أذكرت أدلة، لكن عندنا نشاور، سأذهب عند فلان وفلان، وأسألهم: إيش رأيكم في المسألة؟ ما يجوز لك هذا، طالما أن المسألة قد وضحت. ما يجوز المشاورة، إنما تكون في ماذا؟ في الأمور التي فيها إشكال، أو فيها عدم معرفة صواب الشيء. الشيء الذي واضح وبين، ما يجوز فيه المشاورة. ما يجوز فيه المشاورة. فهمتم هذا الآن؟ حتى في أمور الدنيا: المشاورات في أمور الدنيا، مثلًا على سبيل المثال: أنت عندك مال، طيب، عندك مال وما حججت بيت الله الحرام. فهل تأتي عندي تقول لي: أيش رأيك؟ يعني: نحج، والله نترك الحج؟ ما يحتاج مشاورة؛ لأنه واجب، هذه فريضة، وأنت قادر مستطيع. إذن: لا تشاور أحد، خلاص تذهب إلى الحج. صح. هذا في أمور الدنيا حتى. طيب، فكيف بالأمور، المسائل العلمية الشرعية؟ المشاورة إنما تكون في الأمور التي فيها تردد، فيها تردد. طيب. لذلك قال العلماء في أحكام التشاور: أن التشاور إنما يكون في الأمور التي تردد فيها العبد، وما يعلم وجه الصواب فيها. لكن الشيء اللي هو واضح وبين، ما يحتاج إلى مشاورة. واضح هذا الآن. قال: إذا كان الشيء فيه اشتباه أو احتمالات، فترد عليه هذه الأمور -أو: فترد عليه هذه الأمور-. هذا: متى المعارضات، والاشتكالات، والتوقفات، والمشاورات؟ متى هذا؟ إذا كان هذا الشيء فيه اشتباه، عدم تكافؤ أدلة، أو اختلاف قوي بين العلماء، أو احتمالات، ليس الأمر واضح. فترد عليه هذه الأمور؛ لأنها الطريق إلى البيان والتوضيح. ما ستصل إلى الحق إلا بعد المشاورات، وبعض المعارضات والمناقشات، حتى تصل إلى وجه الحق والصواب. قال: فأما إذا كان الشيء لا يحتمل إلا معنى واضحًا، وقد تعينت المصلحة -يعني: المصلحة في فعله- فالمجادلة والمعارضة من باب العبث. الآن: أين الله؟ قال: أنا متوقف. هذا من العبث؛ لأن الأدلة واضحة بينة في ذلك. من العبث. والمعارض هنا لا يلتفت إلى اعتراضاته، لا يؤبه باعتراضاته، ولا يلتفت إلى اعتراضاته؛ لأنه يشبه المكابر المنكر للمحسوسات. هذا من الكبر أن يرد الحق الواضح. الحق إذا وضح للمسلم، ما يرده، وإنما يسارع ويبادر لقبوله. ثم ذكر أدلة كثيرة على هذه القاعدة. قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾، يعني: وإذا تبين هذا من هذا، لم يبقَ للكره محل؛ لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية. فأما أمر قد اتضح أن مصالح الدارين مربوطة به ومتعلقة به، فأي داعٍ للكره، وأي موجبة له؟ مثل الإيمان: دعوت كافرًا إلى الإيمان، وضحت له، بينت له بالأدلة من الكتاب والسنة. طيب، من الكتاب والسنة. ففي هذه الحال لا تكرهه على الإيمان، لا تكرهه على الإيمان. لماذا؟ لأنه معاند. لأنه معاند. وإذا دخل في الإيمان، سيدخل وهو غير راضٍ ومقتنع بهذا الدين، بهذا الدين. ولذلك جاء في غزو المسلمين للكفّار: أولًا يدعونهم إلى الله، إقامة الحجة. فإذا أبوا، يدفعون الجزية. لا يكرهونهم على الإسلام؛ لأنه قد يكون منافقًا، يظهر الإسلام، ثم يبطن ماذا؟ الكفر. ثم يبطن الكفر. فقال هنا: إذا تبين هذا من هذا، يعني: تبين الرشد من الغي، الرشد: الإسلام، والغي: الكفر. لم يبقَ للإكراه محل. إما أن يؤمن ويتبع الرشد، وإما أن يبقى على غيه. ما في هناك يعني طريق وسط. كما قال الله عز وجل في الآية التي أشار إليها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾، يعني: إما حق وإما ضلال، إما رشد وإما غي، إما إيمان وإما كفر. ما في هناك شيء ثالث. واضح هذا الآن. هذا متى؟ إذا تبين الحق، والحق بين واضح: الإسلام والإيمان. فهذه الآية في الحقيقة هي مثل قوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾. فهنا بين أن ماذا بعد الرشد إلا الغي، فلا محل للإكراه. قالوا: نظير هذا قوله: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾. هذه الآية خرجت مخرج التهديد والوعيد. ليس معناها أن الله عز وجل خير بني آدم: من شاء يكفر، ومن شاء يؤمن. لا. وإنما المراد التهديد. وهذا حتى يقع في كلام الناس: الأب مثلًا يقول لولده، بعد ما يأمره: ها، ستجيب أو لا؟ اذهب، اذهب، إن شئت فعلت، وإن شئت لا تفعل. هذا من باب التهديد، يهدده. وإن كان في الحقيقة يريده ماذا؟ أن يفعل. وهكذا هذه الآية خرجت مخرج التهديد. فالحق واضح بين. فهدد الله عز وجل من أبى إلا الإصرار على الكفر: إنه من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. قال: أي: هذا الحق الذي قامت البراهين واضحة على حقيقته، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾، يعني: إقامة الحجة، وإقامة الحجة إنما يكون بوضوح الحق. فمن عارض هذا الأمر الواضح، فهو هلك. ومن قبل هذا الحق، فهو يحيى بحياة هذا الإيمان. كما قال الله عز وجل: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. متى هذه المشاورة؟ قال: أي: في الأمور التي تحتاج إلى مشاورة، ويطلب فيها وجه المصلحة. أمر أنت متردد فيه، ما ظهر لك أيهم الأصلح، وما تبينت لك الأدلة الواضحة فيه، فلك أن تستعين برأي غيرك، ويكون ذلك بالمشاورة. وشاورهم في الأمر. وماذا شاور النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا؟ في حفر الخندق، في الغزو: هل يغزو أو لا يغزو؟ لأن هذه أمور غير واضحة، تحتاج إلى خبرة عسكرية، تحتاج إلى معرفة معنويات العسكر والجنود ونحو ذلك. فهذا تحتاج إلى مشاورة. أما الأمور الشرعية التي فيها الأدلة واضحة، قال الله عز وجل له: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. إذا وضح الحق وتبين، ما عليك إلا أن تتوكل على الله. وأيضًا ذكر هذه: ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﴾. هذا إنكار: إن الله عز وجل لهؤلاء أنهم يجادلون بعد بيان الحق. فلا مجادلة بعد بيان الحق؛ لأن من جادل بعد بيان الحق، هذه مجادلة مذمومة تؤدي إلى الضلال. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». إذا أمر واضح، وبينه، جاء واحد يريد أن يجادل، كان السلف يمتنعون عن جداله؛ لأن ما أراد إلا الغلبة، ما أراد قبول الحق. والغرض من المجادلة إنما هي قبول الحق. قال: فكل من جادل في الحق بعدما تبين، علمه أو طريق عمله، فأنه غالط شرعًا وعقلًا. ثم ذكر مثالًا آخر: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾. يعني: الله عز وجل جعل الأصل في المأكولات الحل. صح. هذه قاعدة عند الفقهاء: الأصل في المأكولات الحل. فلا يحرم من المأكولات إلا ما جاء التنصيص على تحريمه. ولذلك قال العلماء: من التنطع أن تسأل عن أكل لم يأتِ النص بتحريمه. هذا من التنطع. بعض مثلًا يرى أكلًا غريبًا ما يعرفه، يقول: هل هذا حلال وحرام؟ هذا خطأ. هل هو مما نص على تحريمه؟ الخنزير والخمر ونحو ذلك. إذن: هذا يدل على أنه كما ذكر، فلومهم على عدم التزام الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذكر السبب لهذا اللوم: أنه تعالى فصل لعباده ما حرم عليهم، فما لم يذكر تحريمه فإنه حلال واضح. الذي لا يذكر تحريمه، معناه: حلال واضح. لأن الأصل في المأكولات والمشروبات: الحل. فلتم هذا الآن. فمن جاء ويجاد، مثلًا يقول لك مثلًا: الحمام ما يجوز أكله. ليش؟ قل له: بس ما يجوز أكله. طيب، الله عز وجل ما ذكر لنا في القرآن أن الحمام ما يجوز أكله. هذا شيء واضح بين. هل عادي يعني يحتاج إلى أن يجادل في هذا الشيء؟ ما يحتاج هذا إلى مجادلة. قال: ولما ذكر تعالى الآيات الدالة على وجوب الإيمان، وبخ ولام المتوقفين عنه بعد البيان: ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾. هذا لون من الله، وتوبيخ، وزجر، لمن لم يؤمن. أيش المانع لهم من الإيمان، وقد وضح وبان؟ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾. وكذلك لما بيّن جلالة القرآن، وأنه أعلى الكلام وأصدقه وأنفعه، قال تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾. الآن وضح وبان الإيمان. فإذا لم يؤمنوا بهذا الإيمان الواضح، فبأي شيء يؤمنون؟ هذا أيضًا من باب الزجر لهؤلاء. وكذلك قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴾. يعني: نعم الله واضحة علينا، فلماذا ننكرها ونجادل في ذلك؟ هذا أيضًا من هذا الباب. ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾: أيضًا، كلما ذكر نعمة في سورة الرحمن، ذكر هذا: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾. وقد وضحت هذه النعم، وأنها من الله. ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾، وقد تقدم بيان ذلك. وكذلك في آيات كثيرة: يأمر بمجادلة المكذبين، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى إذا وصل معهم إلى حالة وضوح الحق التام، وإزالة الشبه كلها، انتقل من مجادلتهم إلى الوعيد لهم. فإن لم يستجيبوا لك، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. شف، انظر: قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، حتى ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾. إلا الذين ظلموا منهم. استثنى هؤلاء؛ لأنهم يجادلون بالباطل بعد وضوح الحق. وهكذا آيات كثيرة بهذا المعنى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.