الدرس في كتاب الطهارة 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي أنس بن مالك قصة أعرابي بال في المسجد، فزجره الناس، لكن النبي نهاهم عن ذلك وأمر بإراقة الماء على البول. يشرح الشارح تفاصيل القصة ودلالاتها.
النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصب الماء على الأرض بعد قضاء حاجة شخص، ويستدل به على نجاسة بول الآدمي وطريقة تطهير الأرض منه. يختلف العلماء في طريقة التطهير حسب نوع الأرض.
الحديث يحتوي على دروس حول احترام المساجد والرفق بالجاهل وحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى قاعدة دفع عظم المضرتين بأخفهما.
يفضل التحكم في البول لتجنب الأضرار الأكبر مثل تنجيس المسجد والبدن والثياب. يبين أن قطع البول قد يسبب ضرراً أكبر، بينما تقويم الشخص وضبط نفسه عند القيام من مكان التبول يقلل من هذه الأضرار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المنفلوطي رحمه الله تعالى: وعلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام. فلما قضى بوله، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فأهريق عليه، متفق عليه. قال الشارح: أنس بن مالك، واسمه أبو حمزة، بالحال مهما لوزاعي الأنصاري النجاري الخزرجي، خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم. وأنس بن مالك من بني النجار، من أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، والذين نزل عندهم نبي صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة، وهم من الخزرج. جاءت به أمه، وهي الرميصاء أم سليم، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقالت: هذا خدمك أنس، فكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفاه الله. قال: وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن عشر سنين أو ثمان أو تسع، أقوال، المشهور عشر. سكن البصرة من خلافة عمر ليفقه الناس، وطال عمره إلى مئة وثلاث سنين، أنه مات في إحدى وتسعين، وهو المشهور. قال: جاء أعرابي، بفتح العين، نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية، سواء كانوا عربا أو عجما. قالوا: قد وردت تسميته أنه ذو الخويصراء اليماني، وكان رجلا جافيا. فبال في طائفة المسجد، لكن لم يثبت هذا أنه هو. وقد ألف جماعة في هذه المبهمات، واهتم بها جماعة من الشراح، مثلا من يهتم بها البلقيني في شرحه لعمدة الأحكام. قال: فبال في طائفة المسجد، طائفة، أي ناحية. فزجره الناس، بإزاء فجيم فراء، أي نهروه. وفي لفظ: فقام إليه الناس ليقعوا به. قالوا: في أخرى، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، كلمة يقال في الزجر. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لهم: دعوه. وفي لفظ: لا تزرموه، أي لا تعجلوه أو تستعجلوه حتى قد يحصل له شيء من هذا الفعل. فلما قضى بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء، فأهريق عليه. والذنوب، بفتح الدال، وهي الدلو الملآن ماء. وقيل: العظيمة. قال: من ماء، تأكيد، وإلا فقد أفاده لفظ الذنوب. قال: فأهريق عليه، أصله فأريق عليه، ثم أبدلت الهاء من الهمزة، فصار فهريق عليه. قال: متفق عليه، عند شيخيه، كما عرفت عن البخاري ومسلم. والمتفق عليه لا يكون متفقا عليه إلا إذا كان الصحابي واحدا، وهذا الحديث قد جاء بالصحيحين من حديث أنس، اتفق عليه. وجاء أيضا من حديث أبي هريرة في البخاري. قالوا: الحديث فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع، وهذا لا خلاف فيه. أن الآدمي عذرته وبوله نجس، لا خلاف في ذلك. وذكر بعض الخلاف في بول الصبي الرضيع، لكن لم يقل به أحد من الأئمة المعروفين. نسب إلى مالك ونسب إلى الشافعي، لكنه خطأ. قال: على أن الأرض إذا تنجست، تطهر بالماء كسائر المتنجسات. وهل يجزئ في طهارتها غير الماء؟ قيل: تطهرها الشمس والريح. فإن تأثيرهما في إزالة النجاسة أعظم من إزالة الماء. وهذا عند الحنفية، واختاره الشيخ الإسلام ابن تيمية. قال: والحديث ظاهر في أن صب الماء يطهر الأرض، رخوة كانت أو صلبة. وقيل: لا بد من غسل الصلبة كغيرها من المتنجسات. وأرض مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانت رخوة، فكفى فيها الصب. والذي عليه جمهور أهل العلم: أنه في التطهير تختلف الأرض. إن كانت الأرض رخوة، سواء كانت طين أو حصباء أو غيره، فهذه تطهر بصب الماء. وإذا كانت صلبة، مثلا بلاط أو سمنت، فهنا يدفع عليها الماء حتى يتكاثر الماء على النجاسة وتذهب أثر النجاسة. يدفع عليها الماء، ولا يمسح أولا النجاسة إذا كان بولا، ثم يصب بالماء ويمسح بالماء حتى تذهب أثر النجاسة. قال: وكذلك الحديث ظهر في أنه لا تتوقف الطهارة على مقدار الماء. لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئا. وهو الذي اختاره المهدي في البحر. ومعنى أثر النجاسة أو غسلها: هل هو نجس أو طاهر؟ وظهور النجاسة في مكان الصب، هذا يعتبر نجسا حتى يذهب أثر النجاسة. قال: وفيه أنه لا يشترط حفرها وإلقاء التراب، كما قلنا هذا عند الحنفية، ولم يثبت شيء في ذلك. قال: وقيل: إذا كانت صلبة، فلا بد من حفرها وإلقاء التراب. لأن الماء لم يعم عليها وأسفلها. ولأنه ورد في بعض طرق الحديث: أنه قال صلى الله عليه وسلم: خذوا ما بال عليه من التراب وألقوه، وأهرقوا على مكانه ماء. قال المصنف في التلخيص: له إسنادان موصولان، أحدهما عن ابن مسعود، والآخر عن وائل بن الأسقع. فيهما ما قال. ولو ثبتت هذه الزيادة لبطل قول من قال: إن أرض مسجده صلى الله عليه وسلم رخوة. فإنه يقول: لا يحفر ويلقى التراب إلا من الأرض الصلبة. قالوا: في الحديث فوائد، منها احترام المساجد. فإنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ الأعرابي من بوله دعاه، ثم قال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل وقراءة القرآن». قالوا: لأن الصحابة لما تبادروا إلى الإنكار، أقرهم صلى الله عليه وسلم، وإنما أمرهم بالرفق. كما في رواية الجماعة الحديث، إلا مسلما: أنه قال: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين»، أمرهم باليسر والرفق في الإنكار. قالوا: ومنها الرفق بالجاهل وعدم التعنيف. ومنها حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ولطفه بالمتعلم. ومنها أن الإبعاد عند قضاء الحاجة إنما هو لمن يريد الغائط. فإنه كان عرف العرب عدم ذلك، وأقره الشارع على أنه لا بأس أن يبول قريبا إذا استتر قريبا من الناس. قالوا: ومنها دفع عظم المضرتين بأخفهما. وهذه قاعدة أخذت من هذا الحديث، وهي داخلة في قاعدة: الضرر يزال. وإذا اجتمعت مضرتين، فيرتكب أخفهما. ومنها دفع عظم المضرتين بأخفهما، لأنه لو قطع عليه بوله لأضر به، وكان يحصل من تقويمه من محله عندما يقوم من محله الذي بال فيه، مع ما قد حصل من تنجيس المسجد، تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي قد وقع فيه البول أولا.