الدرس في كتاب الصلاة 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش المقطع الأول حديثًا نبويًا يحذر من رفع الرأس قبل الإمام في الصلاة ويتوعد من يفعل ذلك. يُشدد على ضرورة متابعة الإمام في الصلاة كما ورد في الأحاديث النبوية.
يشرح المقطع الثاني اختلاف العلماء في تفسير الوعيد الوارد في الحديث، حيث يرى بعضهم أنه تحويل حسي لصورة الحمار، بينما يرى آخرون أنه تحويل معنوي.
يُحذّر من مسابقة الإمام في أفعال الصلاة ويعتبر ذلك من الوعيد الشديد، ويجب على المأموم متابعة الإمام وعدم مخالفته أو مسابقته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج، أبو الحسين، رحمه الله في صحيحه: حدثنا خلف بن هشام، وأبو الربيع الزهراني، وكثير بن مسعود، كلهم عن حماد، قال خلف: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن زياد، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار». قال: وحدثنا عمر الناقد، وزهير المحرر، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام أن يحول الله صورته في صورة حمار». قال: وأحدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، وعبد الله بن الربيع بن مسلم، جميعًا عن الربيع بن مسلم، حدثنا شعبة، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، كلهم عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، غير أن في حديث الربيع بن مسلم: «أن يجعل الله وجهه وجه حمار». هذا الحديث فيه تحريم مسابقة الإمام في الرفع في الركوع والسجود قبل الإمام. الذي يرفع رأسه قبل الإمام -يعني في الركوع والسجود- فيسبق الإمام في الصلاة، وهذا يدل على حرمة هذا الفعل ومسابقة المأموم للإمام، ورفعه لرأسه قبل الإمام، وصاحبه موعود بهذا الوعيد الشديد، وهو المروي أن يمسخ الله عز وجل به، فيجعله على صورة الحمار، أن يجعل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار. اختلف أهل العلم في المراد بهذا الحديث، هل هو على ظاهره، أن المراد به أن يجعل الله عز وجل ذلك -يعني حسيًا- حوّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته على صورة الحمار، أو أن المراد به في المعنى، من حيث البلادة واتصافه بصفة الحمار. في الحمار الحيوان يضرب به المثل في البلادة وعدم الذكاء. فمنهم من قال: المراد به ذلك -يعني أن هذا التحويل تحويل معنوي- ومشابهته بالحمار من حيث البلادة، حيث أنه -يعني- يصلي مع الإمام، فيرفع قبله في الركوع، وهكذا في السجود، ثم في النهاية لا يخرج من الصلاة إلا بعد سلام الإمام، فما الفائدة حينئذٍ من المسابقة إلا من قلة العقل وقصوره، فصار فيه شبه بالحمار في بلادته. والحمار -يعني- يضرب به المثل في البلادة وعدم الذكاء وعدم الفهم. وضرب الله عز وجل مثلاً لمن لا يعمل بعلمه بمثل الحمار: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، فقالوا: هذا المراد. ومنهم من قال: بل المراد به على ظاهره، وأن هذا الوعيد وعيد حقيقي حسي، ليس ببعيد أن يجعل الله عز وجل ذلك لمن فعل ذلك، أن يحوّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار. وإن كان -يعني- هذا رغم قليل، لكن ليس معنى أنه مستحيل، ليس مستحيلاً. وأذكر عن نفسي أني رأيت رجلاً مرة قبل سنوات -يعني- في وجهه صورة الحمار، ترى في وجهه ملامح -يعني- الحمار، فاستغربت من ذلك. فلما أقيمت الصلاة، وإذا به يسابق الإمام، يسابق الإمام، يرفع قبله في السجود وفي الركوع، وفي أفعال الصلاة، فسبحان الله. فليس هذا الأمر ببعيد، ليس هذا الأمر ببعيد. وهذا من الوعيد الشديد والأمر القوي من الله سبحانه وتعالى لمن فعل ذلك، أن يسابق الإمام، المأموم الإمام في أفعال الصلاة. طيب، من فعل ذلك، أن سابق الإمام، ورفع قبله، ما حكم صلاته؟ جمهور أهل العلم على أنه يأثم، والصلاة صحيحة. وذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إلى بطلان صلاته، وبه قال الإمام أحمد رحمه الله. فالإمام أحمد يذهب إلى بطلان الصلاة الذي يرفع رأسه قبل الإمام، فإنه تبطل صلاته. فالأمر في ذلك خطير. وهكذا إذا رفع متعمدًا ثم رجع، فإنها تبطل كذلك، كما ذكر الإمام ابن رجب رحمه الله، من حيث أنه زاد ركنًا. الآن إذا رفع ثم سجد، معناه زاد سجودًا، زاد سجودًا في الصلاة، وبهذا تبطل الصلاة بزيادة ركن ليس منها. أما إذا رفع خطأً، سهوًا، ثم رجع، لا بأس، ليس عليه شيء. إنما الكلام على من فعل ذلك متعمدًا. فعلى كل حال، ينبغي للمسلم أن لا يتعجل، وأن لا يسابق الإمام، وينبغي أن يتابعه. فالحديث -يعني- دل بمنطوقه على تحريم مسابقة الإمام، ودل بمفهومه على وجوب متابعة الإمام. إذا كان المسابق الإمام معرضًا لهذا الوعيد ولهذا الوعيد الشديد، فاعل -يعني- هذا الأمر المحرم، فالذي ينبغي عليه أن يتابعه، ولا يسابقه، كما جاء ذلك في الحديث الآخر: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» إلى آخر هذا. هذا الذي ينبغي أن يكون عليه المأموم، أنه متابع للإمام، لا مسابق له. صلى الله عليه وسلم، ورحمة الله وبركاته على آله وصحبه أجمعين.