الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام حول قطع البهيمة الحية واعتبارها ميتة ونجسة، مع بيان سند الحديث ومعانيه اللغوية والفقهية. يوضح الحكم الفقهي لما قطع من الحيوان الحي وكونه يعتبر ميتا.
يتناول حكم قطع أجزاء من الحيوان سواء كان حيا أو ميتا، حيث يعتبر الجزء المقطوع من الحيوان الحي ميتا ونجسا إذا كانت ميتته نجسة. كما يوضح حكم قطع أجزاء من الحيوان الميت ونجاسة أو طهارة الجزء المقطوع بناء على نوعه.
يتناول حكم قتل الكلب عمدا واعتباره مذكاة له، وجواز قطع أجزاء منه. كما يشير إلى بعض المسائل ذات الصلة ويختتم الحديث في باب المياه والآنية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن نبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت». أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه، واللفظ له. قال: وعن نبي واقد -مقاف مكسورة ودال مهملة- اسمه الحارث بن عوف، من أقوال قيل: من أقوال معنى في اسمه. أقوال قيل: إنه شهد بدرا، وقيل: إنه من مسلمة الفتح، والأول أصح. مات سنة ثمان أو خمس وستين بمكة. الليثي -بمثنى تحتية فمثلثة- نسبة إلى ليث، لأنهم بني عامر بن ليث، فهو من الحجاز، من أهل الحجاز. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قطع من البهيمة...». قال: في القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم، ولو في الماء، وكل حي لا يميز. والبهيمة أولاد الضأن والمعز. ولعل المراد هنا الأخير أو الأول، لما يأتي بيانه إن شاء الله. ويطلق أيضا على البهيمة بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. قال: وهي حية، فهو -أي المقطوع- ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت، فهو -أي هذا المقطوع- ميت. أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه، وهو اللفظ له -أي قال إنه حسن-. وقد عرف معنى الحسن في تعريف الصحيح فيما سلف. اللفظ للترمذي. وهذا الحديث فيه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فيه ضعف، واختلف أيضا في وصل الحديث وإرساله. والصحيح فيه الإرسال، إلا أن له شواهد تدل عليه، ذكرها الإمام البلقيني، وكذلك الحافظ بن حجر في التلخيص، فهو -إن شاء الله تعالى- حديث حسن. قد صححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. أنا أعلّه بعضهم بالإرسال، كأبي حاتم، لكن له شواهد تدل على صحته. قال: الحديث قد روي من أربع طرق عن أربع من الصحابة: عن أبي سعيد، وبواقد، وابن عمر، وتميم من الداري. وحديث بواقد هذا رواه أيضا أحمد، والحاكم. قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسلمة الإبل، فقال: «ما قطع من البهيمة وهي حي فهو ميت». قال: الحديث دليل على أن ما قطع من البهيمة وهي حي فهو ميت، على الذي قطع -أي جزء قطع من حي- يعتبر ميتا نجسا. قال: سبب الحديث دليل على أنه أريد بالبهيمة ذات الأربع، وهو المعنى الأول لذكره الإبل فيه للمعنى الأخير الذي ذكره في القاموس، لكنه مخصوص بما أبين من السمك، ولو كان ذات أربع من السمك. من السمك العلم، أو يراد به المعنى الأوسط: وهو كل حي لا يميز، فيخص منه الجراد والسمك، وما أبين مما لا دم له، لأن ميتته -كل ما كان ميتته حلالا- فأيضا ما قطع منه فهو حلال. وإنما هذا عام يخص بما كان ميتته حلالا وطاهرة. قال: وقد أفاد قوله: «فهو ميت» أنه لا بد أن يحل المقطوع الحياة، لأن الميت هو ما من شأنه أن يكون حيا. فهذا الحديث فيه عدة مسائل. فأولا: ما أبين من البهيمة الحية، وما قطع فهو يعتبر ميتا، معنى مثل طهارتها أو نجاستها، إن كانت ميتته نجسة فيعتبر نجسا. هذا الذي قطع منها يعتبر نجسا من ناحية الأكل، حرام لا يجوز أكله، إذا كان قطع من بهيمة الأنعام لا يجوز أكله. وأيضا إذا وقع في الماء وغيره يعتبر نجسا، يعتبر الماء نجسا. فما قطع من الحيوان فبحسب ميتته، إن كان ميتته نجسة فهو نجس، وإن كانت ميتته طاهرة فهو طاهرة. مثل إذا قطع من السمك، هل تأكل؟ نعم تأكل. فعنى أحيانا بعض الصيادين مثلا يصطاد سمك، يجد نصف سمك، فعنى يصطاد سمك ما يجد إلا نصفه، يأتي مثلا شيء أكله، فهذا حلال أيضا. «من قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت»، هذا فيمن كان ميتته نجسة. أيضا هذا الحديث دليل على أن الميتة نجسة أم لا؟ دلة التي تبين أن ميتة الحيوان نجسة. وهل الميتة كلها نجسة؟ أولا ذكر الإجماع على أن جملة الميتة نجسة، لكن هل كلها نجسة؟ فيه خلاف. فالذي اتفق عليه العلماء: كل ما كان رطب في الميتة فهو نجس: لحمها، شحمها، داخل جلدها. ودليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دبغ اليهاب فقد طهر». دبغ اليهاب فقد طهر. واليهاب هو جلد الميتة، فإذا دبغ صار طاهرا. دبغ معنى دبغ بشب أو بقشر رمان أو بقرض. واختلفوا في شعر الميتة وقرونها، أو شعرها. وأيضا ما كان فيها صلب مثل القرون، الظفر، الأسنان، العظام، فهل هي ميت أيضا نجسة؟ فأيضا هذا فيه خلاف بين العلماء. والصحيح أنه ليست بنجسة لعدم وجود الدليل على نجاستها، سواء كان الأمور صلبة أو شعر الميتة، أيضا ليس فيه دليل على نجاستها، وأسنانها أيضا، والقرون والعظام. طيب إذا قطع شيء منها، إذا قطع شيء من هذه الأمور، هل يكون نجسا؟ لا، لا يكون نجسا. مثلا إذا جز شيء من شعر الخروف، هل يكون نجسا؟ لا، لأن شعره ليس بنجس أصلا، يعني إذا مات لا يتنجس شعره. كذلك إذا قطع الظفر، قطع الظفر، فهل هذا الظفر نجس ميتا؟ لا، نقول لا، لأنه على أساس أنه أصله ليس بنجس. وإنما هذا الحديث يحمل على ما قطع من اللحم، على ما قطع من اللحم. طيب قال: فالآن ما قطع من الميت وهي حية فهو ميت، وما قطع من معنى: إذا كان هو نجس يعتبر نجس قطعه، وإذا كان طاهرا يعتبر طاهرا. يعتبر طاهرا مثلا العظم أو السن، إذا سن الميت وعظمها، ما يكون نجس، حتى ولو قطع، لأن أصله طاهر، لأن أصله طاهر أيضا. كذلك الآن عندنا المسألة الأولى: أنها ما قطع من الميت من حيوان الذي ميتته نجس يكون نجس، لكن أيش هذا الذي يقطع؟ إن قطع اللحم والشحم وكذا، فهذا نجس. وأما غيره من العظام والشعر، فهذا لا ينجس، لأن أصله ليس بنجس. أيضا من المسائل التي تأخذ من هذا الحديث: أنه يستثنى مما قطع من البهيمة، استثنى بعضها العلماء، بعض الأشياء من ذلك: فأرة المسك. فأرة المسك التي تقطع من غزال المسك، هي وصلة دم تنزل، معنى عندما تنزل من هذه الغزالة ثم تركض هذه الغزالة تركض تركض، فيخرج منها هذه الوصلة التي يسمونها فأرة المسك، بداخلها المسك، بداخلها المسك، فهذه طاهرة بالإجماع، وجاءت بالسنة بذلك، على أن المسك يعتبر طاهرا ومطهرا، بل مطهرا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك المرأة فودي فرصة من مسك وتطهري بها». فالمسك يطهر به ويتطهر به. وأيضا استثنى من هذا الطريدة -الطريدة وهو الصيد الذي يهرب أو الحيوان الذي يهرب- فهذا يقتل بحد، ولو كان بعيدا، على مثلا لو هرب مثلا بعير، هرب أرادوا أن يأتوا به، فجروا خلفه، فهذا يضربه بسيفه ويقطع منه شيء وهكذا، فهذا قال بعض العلماء أنه جائز، أنه جائز، ولا يجعل من الميتة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ضرب المطرود وصيادته كالصيد، ضربه كما جاء في الصحيح: أن بعيرا هرب، فأمسكه رجل بسهم وقع فيه، أنا رماه بسهم فأثبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لهذه البهائم أوابد، فإذا فعل هكذا ففعلوا به هكذا». على رموه بأي شيء، فإن قتله يعتبر مذكاه، وإن لم يقتله وإنما أصابه، فيأتي صاحبه ويقتله ويذبحه، يجهز عليه. وإن لم يقدروا عليه فلا بأس لو قطعوا أشياء منه، فإنها حلال. فهذه بعض المسائل في هذا الباب. وهذا آخر حديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب المياه. وما دخل باب الآنية.