كتاب الطهارة 17

كتاب الطهارة 17

الدرس في كتاب الطهارة 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم استخدام آنية الذهب والفضة

يتناول هذا الفصل شرح حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، مع توضيح معنى الآنية وأهمية هذا الحكم الشرعي. كما يُبرز ترجمة لحذيفة بن اليمان وفضل علمه بأحاديث الفتن.

تفاصيل التحريم وآراء العلماء

يناقش هذا الفصل تحريم استخدام آنية الذهب والفضة استنادًا إلى الإجماع والأحاديث النبوية، مع تفصيل في آراء العلماء حول العلة من هذا التحريم والتفريق بين الأواني المطلية أو المطببة بالذهب والفضة.

اتخاذ آنية الذهب والفضة للزينة وحكم الادخار

يتناول هذا الفصل مسألة اتخاذ آنية الذهب والفضة للزينة وخلاف العلماء حول جوازها، كما يشرح حكم اتخاذ الذهب والفضة كادخار، مشيرًا إلى جواز ذلك إذا كانت مخصصة للبيع عند الحاجة مع وجوب إخراج زكاتها عند بلوغ النصاب وحلول الحول.

  • 19 جمادى الآخرة 1445هـ - 31/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الآنية. والباب، كما تقدم، هو ما يدخل منه ويخرج. وهنا بدأ بباب الآنية بعد باب المياه؛ لأنه، كما تقدم، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر بعد الشهادتين الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بوضوء، والوضوء يكون بالماء، فقدموا الماء باب المياه. والماء يعتبر سائلا يحتاج إلى ما يحفظ فيه، وهو الأوعية والآنية. والآنية هي جمع إناء، وجمع الآنية أيضا أواني. فجمع الإناء آنية، وجمع الآنية أواني. قال: الآنية جمع إناء، وهو معروف. الإناء هو ما يحفظ فيه الماء والطعام، وهو يختلف عند العرب. فعندهم مثلا الصحفة، الصحفة هذه التي تشبع الخمسة، والقصعة التي تشبع العشرة، والأكلة التي تشبع الاثنين والثلاثة وهكذا. والفرق عندهم، الفرق أيضا الذي هو أكبر من هذا، أكبر من القصعة، هذه آنية كانوا يضعون فيها الماء والطعام. قال: وإنما بوب لها لأن الشارع قد نهى عن بعضها، فقد تعلقت بأحكام. أي هذه الآنية، فالآنية هي الأوعية التي يوضع فيها الماء. ولأن الشارع قد نهى عن بعض هذه الآنية، فتعلقت بأحكام. وهذه الأواني تكون من الحديد والنحاس والخزف والخشب والجلود وغيرها. وأيضا قد يكون من الأشياء الثمينة، من الجواهر واللؤلؤ والزمرّد، قد يكون أيضا من الذهب والفضة. قال: عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها»، أو في صحافهما، «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». اتفقوا عليه. قال: عن حذيفة، أي أروي أو أذكر كما سلف. وحذيفة بضم الحاء المهملة، ودال المعجم، ومثناة ساكنة، وفاء. هو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان، بفتح المثناة التحتية، اليمان، معنى بفتح الياء وتخفيف الميم، معنى ليس اليمان، وإنما اليمان. قالوا: حذيفة وأبوه صحابيان، معنى اليمان ابن حسيل، وهما من عبس، أي من قبيلة عبس المعروفة المشهورة في الحجاز، التي ينسب إليها عنترة بن شداد. قال: وحذيفة وأبوه صحابيان جليلان شهدوا أحدا، ومات أبوه في أحد؛ لأنه ظنوه من المشركين فقتلوه؛ لأنه كان معهم، كان في مكة وجاء معهم وأراد أن ينضم للمسلمين، لكن ظنه كثير من الصحابة أنه من المشركين فقتلوه. قال: روى عنه جماعة. قال: وحذيفة صاحب سر الرسول صلى الله عليه وسلم، لما أسَر إليه المنافقين الذين أرادوا أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة، وهو راجع من تبوك. قال: روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، ومات بالمدائن، في العراق، سنة خمس أو ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ليلة. كان مات حذيفة بعد عبد الله بن مسعود. ابن مسعود مات سنة اثنين وثلاثين، ومات حذيفة بعد عثمان بأربعين ليلة، أي حذيفة رضي الله تعالى عنه. وكان من أعرف الناس بأحاديث الفتن، كان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما». قال: صحافهما جمع صحفة، صحاف جمع صحفة. قال الكشاف والكسائي: الصحفة هي ما تشبع الخمسة. أو ما تشبع الخمسة. فإن هي آنية الذهب والفضة، وصحافهما لهم، أي للمشركين، إن لم يذكروا، فهم معلومون في الدنيا، إخبار عما هم عليه، لا إخبار بحلها لهم، أي أنهم يستخدمون هذه الأواني في الدنيا، وليس أنها حلال لهم. قالوا: لكم في الآخرة. ومتفق عليه بين الشيخين. فالعقل في الآنية أنها مباحة، إلا ما جاء الدليل على تحريمه من كلام المولف. قال: الدليل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وصحافهما، سواء كان الإناء خالصا ذهبا أو مخلوطا بالفضة، إذ هو مما يشمله أنه إناء ذهب وفضة. يعني أنه كله يحرم، سواء كان شيئا كثيرا أو قليلا. لكن سيأتي أن الشرع جاء بالتساهل في الشيء اليسير، خاصة من الفضة. وأما الذهب، فغالبا لم يرخص في شيء منه. معنى الإناء الذي يؤكل فيه ويشرب، محرم، سواء كان كله ذهب أو مطليا بالذهب. ومعنى مطليا، أي أنه يؤتى بالذهب من خارج، فقط، أو يسمونه مكتوما أو كذا. أن الورق الذي يوضع فيه الذهب فيصير إناء. وكذلك المموّه الذي يصبغ بالذهب. وأيضا كذلك ما كان فيه سلسلة أو فيه شيء من الذهب، فعند العلماء أنه داخل. قال: قال النووي: إنه انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيه. واختلف في العلة، فقيل: الخيلاء. وقيل: بل لكونه ذهبا. وفي الطحاوي: اختلفوا في العلة التي من أجلها حرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. فمنهم من قال: لأجل الخيلاء وتكبر، وأن هذا ليس من فعل أهل التواضع وأهل الإيمان، وإنما من فعل المتكبرين المستطيلين على الناس، أن يأتي ويشرب في ذهب. قالوا: واختلفوا في الإناء المطلّى بهما، هل يلحق بهما في التحريم أم لا؟ فقيل: إن كان يمكن فصلهما، حرم إجماعا؛ لأنه مستعمل للذهب والفضة. وإن كان لا يمكن فصلهما، لا يحرم. عن الذي طلي بذهب، وفي الطحاوي: إن كان يستطاع مثلا أن يفصل، يقول: أن استعماله لا يجوز. وإن كان لا يمكن فصلهما، فلا يحرم. ولم يذكر هذا التفصيل عن أحد بعينه. قالوا: أما الإناء المطبب بهما، فإنه يجوز الأكل والشرب فيه، جماعا، إذا كانت الضبة يسيرة. وهذا في الأكل والشرب، فيما ذكر، لا خلاف فيه. فأما غيرهما، مثال استعمالات أخرى، فيه خلاف. معنى الإناء المطبب: الظاهر أيضا أن قوله جماعا ليس صحيحا. بل إن كثيرا من العلماء يقولون: حتى الإناء المطبب لا يجوز أن يستعمل، إلا إذا كانت الضبة يسيرة. قال: والحق ما ذهب إليه القول بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيه؛ ما إذ هو الثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة. وأيضا ذهب إلى هذا الشوكاني. الشوكاني أيضا يقول بهذا القول، على أنه لا يحرم إلا في الأكل والشرب؛ لأن هذا الذي جاءت به الأدلة. وقياس الوضوء على الأكل والشرب غير صحيح. لماذا؟ قالوا: لأن الأكل والشرب يحتاج إليه الإنسان أكثر من الوضوء. قال: عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». متفق عليه. وعن أم سلمة، هي أم المؤمنين، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، اسمها هند بنت أبي أمية، معنى مخزومية، من بني مخزوم. أبو أمية، أبوها مخزومي، أخوها عبد الله بن أبي أمية، الذي كان مع أبي جهل في وفاة أبي طالب. قال: كانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، هو أسدي. أبو سلمة أسدي. لهذا لما أرادت تهاجر، لما هاجر أبو سلمة، أخذ بنو مخزوم أم سلمة وولدها. فلما أرادت تهاجر، حصل نزاع بينها وبين بني أسد، فكانت تجر ولدها، وهم يجرونه، حتى كادت أن تخلع يده. ثم إن بعض بني أسد قالوا لهم: اتركوا هذه المرأة وولدها. لماذا تأخذون ولدها عليها؟ فتركوها وهاجرت رضي الله تعالى عنها بعد زوجها. قال: وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، سنة أربع من الهجرة. وتوفيت سنة تسع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين. وهذا ليس صحيحا أنها توفيت سنة تسع وخمسين، هذا كلام الواقدي، وهو خطأ. وأيضا ليس اثنتين وستين؛ لأنها حضرت الحرة، والحرة كانت في أربع وستين. فماتت بعد أربع وستين. حضرت الحرة، والحرة كانت في أربع وستين. فلهذا فهذا السنة التي ذكروها غير صحيحة. بل إنها، كما قلنا، توفيت بعد أربع وستين. وكلام الواقدي غير صحيح. قال: ودفنت بالبقيع، وعمرها أربع وثمانون سنة. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضة»، هكذا عند الشيخين. وانفرد مسلم في رواية أخرى بقوله: «في إناء الفضة والذهب». والصحيح أن لفظة الذهب معلّة، لا تثبت في هذا الحديث. وكذلك أيضا «الذي يشرب في إناء الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وأيضا في مسلم جاء أيضا لفظة الأكل: «الذي يشرب ويأكل في إناء الذهب والفضة». ومع لفظة الأكل، والذهب أيضا معلّة، لا تثبت في الحديث. قال: «إنما يجرجر» بضم المثناة التحتية، وجيم، وراء، وجيم مكسورة. والجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف، وصوت البعير عند الجرة. جعل الشرب الجرع جرجرة. في بطنه نار جهنم، متفق عليه بين الشيخين. قال الزمخشري: يروى برفع النار: «في بطنه نار»، أي على أنها فاعل مجاز. وإلا فنار جهنم على الحقيقة لا تجرجر في بطنه. إنما جعل جرع الإنسان للماء في هذه الأواني المنهي عنها، واستحقاق العقاب على استعمالها كجرجرة نار جهنم في جوفه، مجازا. قال: استحقاق العقاب على استعمالها كجرجرة نار جهنم في جوفه. ومثله المجاز هذا صحيح. فالله عز وجل قادر على كل شيء. فممكن يجعل هذه النار كصوت الماء عندما يكون في الجوف، فيجرجر بنار جهنم. في بطنه نار جهنم. قال: وذكر الفعل، يعني يجرجر، وإن كان فاعله النار، وهي مؤنثة، للفصل بينها وبين فعلها، ولأن تأنيثها غير حقيقي. والأكثر على نصب نار جهنم: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وبعضهم، كما قال هنا، عربها على أنها فاعل: «في بطنه نار جهنم». قال: فاعل الجرجر هو الشارب، والنار مفعول. والمعنى كأنما يجرع نار جهنم، من باب «إنما يأكلون في بطنهم نارا». قال النووي: والنصب هو الصحيح المشهور، الذي عليه الشارحون وأهل العرف واللغة. وجزم به الأزهري. وجهنم عجمية لا تنصرف؛ للتأنيث والعالمية، «جهنم» علم للطبقة من طبقات النار. عياذ الله منها. سميت بذلك؛ لبعد قعرها. وقيل: لغلظ أمرها في العذاب. قالوا: الحديث يدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. وهناك مسألة اتخاذ أيضا. مسألة اتخاذ: هل يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة؟ الإنسان مثل ما يفعل الآن بعض الناس، عندهم أشياء يضعونها في البيوت، مثل الزينة، يضعونها مثلا في أثاث، أو في شيء يعرضونه في بعض غرفهم، خاصة غرفة الاستقبال، يجعلون مثلا صورا، يجعلون مثلا شيئا آثارا. بعضهم يجعل آنية، بعضهم يجعل آنية من الذهب والفضة. بعضهم كان يأتي بها من الخليج وكذا. فهل يجوز اتخاذها؟ معنى ما يستعملها، لكن اتخاذها فقط، هل يجوز أيضا؟ في خلاف. الجمهور على أنه لا يجوز. لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة. والصحيح أنه يجوز؛ لأنه لا دليل على عدم الجواز. فهي ذهب، فضة، يتركها، هو ما يستعملها، يتركها مثلا لأجل أنها ثمن، ما أراد يبيعها، يبيعها. فثمنها موجود فيها. مثل من يشتري أيضا ذهبا ويتركه مثلا مالا له، لا يستعمله. بعض الرجال مثلا يشتري ذهبا حتى يحفظ ماله فيه. فمتى ما أراد المال، يذهب ويبيعه. فلهذا فيجوز الاتخاذ، لكن معنى يؤدي زكاة إذا وجبت الززكاة فيه، يؤدي زكاة. والله أعلم.