الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 66، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحذر النبي ﷺ من الغلو في الدين مبيناً أنه سبب هلاك الأمم السابقة، ويوضح أن الغلو يشمل مجاوزة الحد في العبادة والعقيدة والعمل والثناء مع أمثلة كإطالة الصلاة وصوم الوصال. ويبين أن الغلو يهلك صاحبه في دينه بالبدعة وفي بدنه بالإجهاد مستشهداً ببكاء عمر رضي الله عنه وحديث هلك المتنطعون.
يفسر المقطع معنى التنطع لغة وشرعاً مشيراً إلى شموله للغلو في القول والعمل لا اللفظ فقط، وأن هلاك المتنطعين خبر ودعاء من النبي ﷺ. ويربط ذلك بغربة الإسلام في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكثرة الغلو في القبور، مبيناً أن أصل الشرك الغلو في الصالحين.
يستعرض المقطع كيف بدأ الشرك في الأرض بسبب الغلو في محبة الصالحين وصنع الأنصاب، ثم وسوسة الشيطان للناس تدريجياً من الشرك إلى البدع فالذنوب. ويوضح تزيين الباطل بخلطه بالحق وتواصي أهل الباطل بالثبات على ضلالهم كما في قصة قوم نوح.
يختتم المتحدث شرحه للسورة مؤكداً وضوح معانيها ومعلناً الاكتفاء بهذا القدر داعياً بالتوفيق للجميع. ثم يشير إلى ترجمة نانسي قنقر للسورة كخاتمة للدرس.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فلا يزال المصنف رحمه الله تعالى يذكر أدلة هذا الباب، وهو ما جاء أن سبب قفر بني آدم وتركهم لدينهم هو الغلو في الصالحين. فذكر آية، وحديث ابن عباس: «وقالوا لا تذرون آلهتكم»، وذكر كذلك حديث عمر: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». ثم قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وهذا الحديث لم يعزه المؤلف، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه. كما ذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومعنى الحديث: يحذر النبي عليه الصلاة والسلام من الغلو، لأن «إياكم» اسم فعل أمر بمعنى احذروا، احذروا الغلو. ثم بين عليه الصلاة والسلام أن الغلو سبب للهلاك، فقد هلكت أمم بسبب الغلو: «فإنما هلك من كان قبلكم»، «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وعرفنا معنى الغلو، وهو مجاوزة الحد في الثناء، في التعبد، وفي العمل. لأن الغلو هنا جاء مطلقاً دون تقييد بشيء من أنواع الغلو، ما قال: إياكم والغلو في العبادة، أو الغلو في العمل، أو الغلو في العقيدة، أو الغلو في إنهاك الجسد، ما ذكر المتعلق. فهذا يدل على أن كل ما يكون فيه الغلو داخل في هذا اللفظ، سواء كان الغلو في التعبد بمعنى أن يزيد العبد في العبادة ما لم يشرعه الله، فهذا من الغلو في العبادة. مثلاً: يصلي في قيام الليل الليل كله، هذا خلاف السنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك الرجل الذي قال: أقوم ولا أرقد، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وقال: «ما إني أتقاكم لله وأخشاكم، ولكنني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فالتعبد، الغلو فيه هو مجاوزة الحد المشروع، مجاوزة الحد المشروع في العبادة. وفي الصيام مثلاً: الوصال، الوصال نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، بمعنى أن يواصل الصائم صيامه لا يفطر من الليل، يواصل اليوم تلو اليوم، هذا جاء فيه النهي، فمن فعل ذلك فقد غلا في العبادة. وكذلك في العمل، في العمل أي الذي يعمله العبد وإن لم يكن عبادة، وإن لم يكن عبادة. مثلاً: إنسان ينهك جسده بأن يجيعه ويحمله ما لا يطيق أو نحو ذلك، هذا من الغلو، من الغلو في العمل. ويشمل العمل كذلك العمل للآخرة كما تقدم، إذا فيه مجاوزة للحد. وقد أيضاً يكون الغلو في العقيدة، أو الغلو في الثناء والمدح باللسان. كل ما تجاوز به العبد الحد فهو يدخل في معنى الغلو. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وبين أنه سبب الهلاك، وما أهلك النصارى إلا بسبب الغلو، بسبب الغلو، سواء كان في العبادة أو في الثناء والمدح. في الثناء والمدح، قال الشيخ ابن عثيمين: في ماذا أهلكهم الغلو؟ قال: «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». في ماذا أهلكهم؟ قال: أهلكهم أولاً في الدين، وثانياً في الأجسام. لأن من تجاوز الحد في الدين فقد ابتدع، والبدع سبب للهلاك لأنها مخالفة لشرع الله عز وجل، فالبدع سبب للضلال في الدنيا، وللعذاب بالنار في الآخرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ضلالة أي في الدنيا، وكل ضلالة في النار أي في الآخرة. فالغلو سبب للوقوع في البدع، والبدع في الدين سبب للهلاك، فيهلك صاحبها في الدنيا بالضلال، وفي الآخرة بالعذاب في النار. وكذلك في الأجسام، قال: أهلكهم في الأجسام لأنهم بغلوهم في العبادة ينهكون أجسامهم، ينهكون أجسامهم. كما هو فعل بعض غلاة المتصوفة اليوم، تجدهم مثلاً على سبيل المثال يعملون بعض البدع التي فيها السهر، كبدع الأذكار والأوراد والزيارات الشركية، فهم يجهدون أنفسهم فيما لا أجر فيه، فيما لا أجر فيه. ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى نصرانياً يتعبد في صومعته، يتعبد يصلي، فبكى عمر رضي الله عنه، فقيل له: ما أبكاك يا عمر؟ قال: تذكرت قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾، في قول الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. عاملة وناصبة، تعمل وتنصب وتتعب جسدها، ثم في الأخير مصيرها والعياذ بالله النار، مصيرها النار. فرحم عمر هذا الرجل، يعني يتعب نفسه وينصب ويجهد جسده، ثم هو من أهل النار لأنه لم يدخل في دين الإسلام، لم يدخل في دين الإسلام، ولم يتعبد ربه سبحانه وتعالى بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر الحديث الآخر، قال: ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثاً، يعني قال: هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون. نعم، والمتنطع هو المتعمق، والمتقعر، والمتشدق في الكلام، والمتشدق في الكلام، فهو المتشدق، المتعالم في الكلام، أو المتكلمون بأقصى حلوقهم. مأخوذون من النطع، المتنطعون مأخوذون من النطع، والنطع هو الغار الأعلى من الفم، يعني داخل الفم الغار الأعلى. فمن أراد أن يتشدق يخرج هذه الكلمات من أعلى الفم تنطعاً وتشدقاً. ثم استعمل في كل متعمق، سوى كان في القول أو في الفعل. فالمراد: هلك المتنطعون، ليس في الكلام فحسب كما يفهمه البعض، بل هو في الكلام وكذلك في العمل. فالمتنطع في العمل هو بمعنى الغالي، وهو المتجاوز الحد في العمل، أو في الكلام، أو في الكلام. لأنه قد يقول قائل: لماذا أورد المؤلف هذا الحديث وهو يتعلق بالتنطع في الكلام؟ يقال: لا، ليس المراد التنطع في الكلام فحسب، وإنما المراد به كل قول أو فعل تجاوز به العبد حده، فيقال لصاحبه: متنطع، يقال لصاحبه: متنطع. وهلك المتنطعون، هذا اللفظ لفظ الخبر، لكن قال العلماء: معناه معنى الدعاء، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بالهلاك. ويحتمل أنه يراد على ظاهره، يعني: هلك المتنطعون، إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم أن التنطع سبب للهلاك، فهو بمعنى الحديث الذي قبله: «إنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، الغلو. فيحتمل هذا وهذا، ويحتمل كلا المعنيين: أنه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بهلاك المتنطعين، وأنه دعاء على المتنطعين، دعاء على المتنطعين، فهو بمعنى الحديث المتقدم. قال المؤلف: المسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب. هو المؤلف رحمه الله يحكي واقعاً يعيشه، يعني أن في عهده ووقته وزمنه كان الغلو منتشراً بين أرباب عباد القبور، بل ممن يدعي العلم، كان يغلو بعضهم في بعض. فمن أنكر عليهم هذا الغلو رموه بالتشدد، أو رموه بالبدعة، أو نحو ذلك. فمن قرأ هذا الباب، وقرأ الذي بعده من البابين الذين بعده، تبين له غربة الإسلام، أن القليل من ينكر هذا الغلو، والقليل من يلتزم بالعدل في الأقوال وفي الأفعال من غير مجاوزة. فالمؤلف كان يعيش غربة شديدة، تصور غالب المجتمع حول الأضرحة والقبور، وعلماء السوء. فخرج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من بينهم، وبدأ كما يقال من الصفر في الدعوة إلى الله عز وجل، في الدعوة إلى التوحيد، وكان يعيش غربة شديدة في إنكار دعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، والشرك، ومظاهر الشرك، ومحاربة الغلو، ونحو ذلك. وكان المجتمع مليئاً بهذه المخالفات، مثل يومنا هذا. يشعر المستقيم على دين الله عز وجل، سواء كان في باب التوحيد، أو في باب العبادة، أو المعاملة، أو نحو ذلك، يجد غربة لما يرى من كثرة المخالفين لدين الله عز وجل. غربة في عقيدته، غربة في عبادته، غربة في معاملته. وهكذا كان زمن شيخ الإسلام. فيقول هنا: رأى من قدرة الله وتقليبه القلوب العجب، يعني أناس كثيرون وهم على هذا الضلال وعلى هذا الانحراف، شيء يعني يتعجب منه المرء، كيف كيف خالف النصوص الواضحة الصريحة في النهي عن الغلو وعن غيره. والبابان اللذان بعدك، ما سيأتي: باب ما جاء في التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده، يعني: في من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبد هذا القبر. والباب الثاني الذي أشار إليه: باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله. قال: الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض كان بشبهة الصالحين. إذا هنا الخلل، وهنا سبب وقوع كثير من الناس في الشرك، وهذا هو الواقع. تجد عباد القبور يقولون: نحن نحب هؤلاء الصالحين. انظر، دخلوا باب المحبة. هؤلاء قدموا لأنفسهم، كانوا قدوة لغيرهم. تكون مرة ذهبنا إلى مجمع من مجامع هذه الزيارات، تسمى زيارة باراس، فذهبنا وجلسنا في مكان، وبدأنا نتكلم وننصح الناس، وكان جمع كبير. فيحضر من يحضر، فجاء ناس كثير يسمعون، وكان يحضر في هذه الزيارة بعض هؤلاء الداعين للشركيات والخرافات، ممن يسمى بالسادة. فحضر أحدهم، فاستمع للكلمة، وكانت عن التحذير من الشرك ودعاء الأموات، وكانت كلمة صريحة في التحذير من ذلك. فقام بعدما انتهينا من الكلمة يعقب، فماذا قال؟ قال: أتدرون من هو هذا باراس؟ هذا كان يجوب هذه الفيافي والقفار، كان متفرغاً لعبادة الله، كان زاهداً، كان ورعاً، ترك الدنيا خلف ظهره. كيف لا نفعل له مثل هذا الاحتفاء، ومثل هذا الإكرام، ومثل هذه الزيارة؟ انظر، دخل لهم الشيطان من أي باب؟ من باب محبة الصالحين والغلو فيهم. هذا هو الغلو بعينه. هل محبة هذا الصالح كان حقاً وصدقاً؟ كان زاهداً عابداً ورعاً، أن نقيم له هذه البدع وهذه الخرافات وهذه الشركيات، نكون حقاً نحب ونقتدي به؟ نكون مثله، نزهد في الدنيا ونتفرغ لعبادة الله، ونصلح أنفسنا ونصلح قلوبنا، هذا هو المحبة الحقيقية لهذا الصالح. أما أن نقيم له هذه الزيارات الشركية، وندعو الناس إلى دعائه والاستغاثة به، واتخاذه شفيعاً ونحو ذلك، هذا هو الغلو بعينه. فأول الشرك وقع في هذه الأرض، كما سمعت في حديث ابن عباس، كان بشبهة صالح. نصبوا لهم تلك الأنصاب، وصوروا لهم تلك الصور، حتى ماذا؟ يتذكروا عباداتهم. نفس ما يقوله اليوم نحو: نفعل هذه الزيارات حتى نتذكر مناقبهم، حتى نتذكر مناقبهم. ولذلك في هذه الزيارات يركزون على ذكر مناقب صاحب الزيارة، أي زيارة كانت. مثلاً زيارة هود، تجد أكثر الكلمات والمواعظ حول مناقب هذا النبي، والمعجزات التي وقعت له، أو وقعت لبعض أوليائهم معه، وإن كانت هذه الروايات مختلقة مصطنعة. إذن دخلوا، أو دخل لهم الشيطان من باب ماذا؟ محبة صالح. هذه أعظم شبهة، بسببها وقع هؤلاء في الشرك بالله سبحانه وتعالى. قال: الثالثة: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء وهو الشرك. يعني: ما غير الناس أول ما غير الأخلاق أو العبادات، لا. أول ما تم تغييره في هذه الأرض مما كان عليه الأنبياء قبل نوح هو ماذا؟ الشرك. قاموا بتغيير الشرك. فهذا معنى قوله: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء وهو الشرك. وما سبب ذلك؟ إيش سبب هذا الشرك الذي وقع؟ الغلو في الصالحين. مع معرفة أن الله أرسلهم. قال: الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها، لأن الشيطان يزينها. الشيطان لا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار، إلا أن يوقع الإنسان في إحدى خمسة أشياء: أول وهو الشرك، فإن لم يستطع انتقل إلى ماذا؟ إلى البدع، فإن لم يستطع انتقل إلى كبائر الذنوب، فإن لم يستطع انتقل إلى صغائر الذنوب، فإن لم يستطع انتقل إلى ترك المستحبات والوقوع في المكروهات. كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فهو يأتي حتى الصالحين، الشيطان يأتي حتى الصالحين، يأتي لهم أولاً من جهة التثاقل والتكاسل عن السنن والمستحبات، يثبطهم ويثنيهم عنها. فإن نجح في ذلك انتقل بهم إلى الوقوع في الصغائر، صغائر الذنوب، استسهلها لهم: «إياكم ومحقرات الذنوب». أدخلهم في محقرات الذنوب. فإن نجح في ذلك انتقل بهم إلى الكبائر، كبائر الذنوب، فواحش. وهكذا المعصية تجر أختها، المعصية تجر أختها. فهكذا يتدرج بهم حتى يقعهم في البدع، ثم والعياذ بالله في الشرك بالله سبحانه وتعالى. وهذه خطوات الشيطان. قال: الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل. فالأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره. يعني: الشيطان يزين الباطل، ومن تزيين الشيطان للباطل أن يخلط الحق مع الباطل، حتى يكون له ماذا؟ حتى يكون له قبول. الباطل إذا كان باطلاً خالصاً ترده النفوس، لكن إذا هو باطل فيه شيء من، كما يقال: يدس السم في العسل. لو كان سمّاً خالصاً لا يمكن أحد يشربه، صح؟ قل: هذا سم موت. لكن لو قليل سم فيه عسل، العسل حلو لذيذ، سيشرب السم مع العسل، لكن وحده ما يشرب. وهكذا الباطل، الباطل وحده ما يشرب، لكن يشرب مع شيء من العسل، من الحق. فانظر إلى هؤلاء، سبب قبول هذا الباطل أنه وجد فيه شيء من الحق، وهو ماذا؟ محبة الصالحين. هذا محبة الصالحين حق ولا باطل؟ هذا حق. لكن كما يقال: حق أريد به باطل، أريد به باطل. فدخل من باب محبة الصالحين، ثم جاء الباطل من أناس من أهل العلم والدين. انظر، ليس من أناس جهلة، لا، من أهل العلم ودين. لأن الجيل الأول إنما فعلوا ذلك، لا من أجل أن يعبد، لأنه مهلة العلم، يعني يمنعهم علمهم من الوقوع في الشرك، وإنما أرادوا بذلك فقط تذكر عبادة هؤلاء، تذكر عبادة هؤلاء. ثم لما ذهب هذا الجيل وهلك هذا الجيل، جاء الجيل الآخر الجاهل، أنه نسي العلم، أي قل العلم وذهب العلم، فجاء ذلك الجيل الجاهل فقال: ما فعل هؤلاء هذه الأنصاب إلا لمكانة هؤلاء الصالحين. إذن كله تزيين، تزيين الشيطان. لما أراد من أبينا آدم أن يأكل من الشجرة، هل قال له: كل من هذه الشجرة، ما عليك مما غمرت به كل منها؟ لا، قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. انظر، أتى لهم بشيء من الزينة، بشيء من يعني شبهة، زين لهم هذا الباطل. وهذا من أعظم مهام الشيطان، أنه يزين الباطل: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. هكذا أخذ على نفسه العهد. فهكذا أهل الباطل، ما يأتونك بالباطل المحض، ما يأتونك بالباطل المحض، إنما يخلطون معه شيء من الحق. ولذلك فإن أهل البدع إذا أرادوا ترويج بدعهم، أرادوا ترويج بدعهم، زينوها، وجعلوا فيها شيء من الحق، حتى تقبل، حتى تقبل. قال: السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾. وعرفنا تفسيرها بحديث ابن عباس. وفيها أنهم يتواصون بالباطل، كل واحد يوصي الآخر: لا تذرن آله، لا تتركوا هذا. كما كان كفار قريش يوصي بعضهم بعضاً: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. فهكذا أهل الباطل يوصي بعضهم بعضاً بالثبات على باطلهم، يقول بعضهم لبعض: اصبروا على آلهتكم، يصبر بعضهم بعضاً على الباطل، على الباطل. وهذا واضح في هذه السورة. طيب، نكتفي بهذا، والله الموفق. هنا والله تعالى ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.