الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع خصال الرجولة التي ينبغي لطالب العلم التحلي بها كالشجاعة ومكارم الأخلاق والبذل في المعروف، مع التحذير من نواقضها كضعف الجأش وقلة الصبر. ويؤكد على هجر الترفه والتوسع في المباحات لأن ذلك لا يليق بطالبي العلم.
يستعرض المقطع مظاهر الزهد الشديد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من جوع وتقشف مستدلاً بالآيات والأحاديث على حقارة الدنيا. ويخلص إلى أن طالب العلم أحوج الناس لترك التوسع في الملذات لأنها تشغله عن طلب العلم.
يحث المقطع طالب العلم على الصبر على الفقر وقلة الرفاهية مستشهداً بقول شعبة بن الحجاج وسير السلف مثل أبي هريرة. ويؤكد أن البذاذة من الإيمان وأن مع العسر يسراً.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله. ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مع الشكر لها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالب العلم، ومع خصال وصفات وآداب ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. ذكر رحمه الله تعالى التمتع بخصال الرجولة. التمتع بخصال الرجولة. قال رحمه الله تعالى: "تمتع أو تمتع بخصال الرجولة". وخصال الرجولة هي أمور تميز الرجل عن غيره، تميز الرجل عن غيره من الإناث ومن النساء، ومن من لربما عليه سمات الضعف والجبن وغيرها من الصفات التي يتحاشى الرجال أن يتصفوا بها. قال: "من الشجاعة وشدة البأس في الحق، ومكارم الأخلاق، والبدل في سبيل المعروف". وهذه كلها تعتبر من الصفات الحميدة التي يتسابق إلى التحلي بها الكمل من الرجال، الكمل من الرجال. وجاء في ديننا الحث عليها والترغيب فيها، كالشجاعة. والشجاعة يا إخوان، كما عرفها بعضهم، أنها الإقدام على المكاره، الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، مع ثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت. لا يخاف الموت؛ سبب الشجاعة التي في قلبه، التي في قلبه. والشجاعة يا إخوان هي من الأمور التي كان العرب قديماً ماذا يستحبونها ويفتخرون بها، وجاء الإسلام وأقر ذلك. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس. وربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ولهذا الفرار من الزحف عده النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر، من أكبر الكبائر. قال: "وشدة البأس في الحق". وهذا كذلكم أيضاً نتيجة الشجاعة، يكون بأسه شديد، بأسه شديد. لكن ليس في ظلم الآخرين والاعتداء على الآخرين، وإنما هو في الحق، الدفاع عن حق، كالدفاع عن النفس، أو الدفاع عن العرض، أو الدفاع عن المال. وهكذا أيضاً قبل ذلك الدفاع عن العقيدة، الدفاع عن العقيدة، ماذا؟ نصرة مظلوم، إغاثة ملهوف، إلى غيرها من الأمور التي يحتاج فيها إلى ذلك. قال: "ومكارم الأخلاق، والبدل في سبيل المعروف". قال: "حتى تنقطع دونك آمال الرجال". قال: "وعليه فاحذر نواقضها من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم". قال: "فإنها تهضم العلم، وتقطع اللسان عن قولة الحق". لربما يجب أن يقول كلمة الحق بسبب ماذا؟ بسبب عدم الشجاعة وضعف كذلكم أيضاً الجأش، فتجده لربما لربما لا يقول كلمة الحق. قال: "وتأخذ بناصيته إلى خصومه في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده". وهذا كما هو ملاحظ يا إخوان هو مرتبط بما قبله، ويعتبر كالمكمل لما قبله مما ذكره رحمه الله تعالى في بيان تحلي المسلم بخصال المروءة، وأيضاً مكارم الأخلاق، والبعد عما ينافي ذلك ويناقضه ويناقضه. قال رحمه الله تعالى: "قال عاشرا: هجروا الترفه". هجروا الترفه. والترفه يا إخوان هو التوسع في المباحات، التوسع في المباحات، والتوسع في المباحات لا يليق بطالبي العلم. قال: "لا تسترسل في التنعم والرفاهية". قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: "قال وهذه النصيحة قالوا لطالبي العلم ولغير طالبي العلم". لماذا؟ قال: "لأن الاسترسال في ذلك مخالف لإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان ينهى عن كثرة الإرفاه، ويأمر بالاحتفاء أحياناً، ويأمر بالاحتفاء أحياناً". ولهذا يا إخوان، من نظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها ملأى بمظاهر التقشف. كان ينام على حصير لربما يؤثر على جنبه، وهكذا كان فراشه من أدم، أي من جلد حشوه ليف. وكان عليه الصلاة والسلام لربما يمر عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما يوقد في أبياته نار. قال عروة بن الزبير لخالته عائشة: "يا خالة، ماذا كان يعيشكم؟" قالت: "الأسودان: التمر والماء". إلا أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار لهم منائح، ومنائح جمع منيحة، والمنيحة هي البهيمة التي تحلب فيها لبن. قالت: "فكانوا يرسلون من ألبانها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسقينا". وهكذا يقول النعمان بن بشير: "سمعت عمر بن الخطاب يقول: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل يومه يلتوي من الجوع، ما يجد من الدقل"، أي التمر الرديء، "ما يملأ به بطنه، ما يملأ به بطنه". وهكذا كم نعدد يا إخوان، كم مرة ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه الحجر والحجرين، كما في غزوة الخندق، يحفر الخندق هو وأصحابه، وقد اجتمع جوع شديد، ومن شدة الجوع ربط حجراً أو حجرين على بطنه، واجتمع خوف شديد وبرد شديد. قال الله عز وجل في وصف ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾. إذن، إذا يا إخوان، الدنيا هذه سجن المؤمن وجنة الكافر، وجنة الكافر. وفي حديث سهل بن سعد وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِندَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً شَرْبَةَ مَاءٍ». ينبغي أن ندقق النظر في البعوض، ثم ندقق النظر في جناحه، لنرى مقدار الدنيا عند الله عز وجل. قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِندَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَّا سَقَى مِنْهَا كَافِراً شَرْبَةَ مَاءٍ». لكنها لا تساوي شيئاً، إخوان. ولهذا ربنا عز وجل قد يعطيها الكافر والمسلم، قد يعطيها البر والفاجر، البر والفاجر. أما الآخرة فلأنها عظيمة، فربنا عز وجل لا يعطيها إلا من يحب، من أهل الإيمان والإسلام. وصدق ربنا عز وجل إذ يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾، أي من الدنيا، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. فطالب العلم يا إخوان هو أحوج إلى هذا، أحوج إلى عدم التوسع في الملذات وفي الرفاهية وغير ذلك. فهذا مما يشغله عن طلب العلم. ولهذا سبق معنا قول القائل: "لا ينال طلب العلم براحة الجسد". لا ينال طلب العلم براحة الجسد. من القائل؟ نعم، يحيى بن أبي كثير. ومن القائل يا إخوان: "من طلب الحديث أفلَس"؟ من طلب الحديث أفلَس؟ نعم، شعبة بن الحجاج. قيل رأى شعبة طالب علم يحمل أوراقاً ومحبرة، فقال له: "بشر أهلك بالإفلاس"، بشر أهلك بالإفلاس. وليس هذا تزهيداً في العلم، وإنما تنبيه أن طالب العلم ينبغي يا إخوان ألا يهتم بالرفاهية والتوسع في أمور الدنيا. "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً"، أي الذي يكفيه، "وقنعه الله بما آتاه، بما آتاه". فطالب العلم يا إخوان يحتاج أن يصبر. قد تتسخ الثياب فما يجد وقتاً لتغسيلها، وقد تخلق الثياب وتكون قديمة وليس عنده مال يشتري ثياباً، يرى الناس تلبس وتظهر، يصبر على طلب العلم. يصبر على الطعام، قد يكون رز ناشف، اصبر، غيرنا ما وجده. اقرأ في سير وتراجم المتقدمين، أيام يا إخوان ما يجد أحدهم ما يأكل، ما يجد أحدهم ما يأكل. لربما يأكل خبزاً قد قامت العنكبوت وبنت عليه بيتاً، يزيل بيت العنكبوت ويأكله مع الماء، مع الماء. قد يقول قائل: "إلى متى صبراً؟ دوام الحال من المحال، وسيجعل الله بعد عسر يسراً". هذا سيأتي الخير، أنت في البداية حاول تصبر. ومن لم يصبر يا إخوان لا يصل إلى المقصود. البعض يقول: "إلى متى نحن في فقر؟ ما في مال، ما في أكل جيد، ما في لباس فاخر". اصبر وسيأتيك الله عز وجل بالخير، وسيأتيك الله عز وجل بالخير. أبو هريرة نموذج يا إخوان لطالب العلم المجتهد، كم صبر؟ كم صبر؟ كان يغشى عليه من شدة ماذا يا جماعة؟ يغشى عليه، يغمى عليه من شدة الجوع، من شدة الجوع، حتى يأتي أعرابي ويضع قدمه على على رأس أبي هريرة، يظن أن به ماذا؟ أن به جنون. قال: "وما بي جنون، ما بي إلا الجوع". هل استمر الحال؟ تزوج أبو هريرة، وأنجب أبو هريرة، وظهر أثر النعمة على أبي هريرة. إذن يا إخوان، لا يستعجل طالب العلم. أحياناً يا إخوان، الطعام الناشف هذا هو الذي يصلح لطالب العلم. لو كان كل يوم كبسات وأشياء دسمة، ومع الفطور العسل والزبدة وغيرها، ما سيكون طلب علم، وإنما سيكون نوم وكسل. لكن هذا الطعام صحي لطالب العلم، صحي لطالب العلم، يجعله يجتهد ويجعله يستغل الأوقات وينظم كذلك أيضاً الأوقات، ويكون خفيفاً في طلب العلم، في قيام الليل، يعينه على الصيام، إلى غير ذلك. إذن، لا تسترسل في التنعم والرفاهية، فإن البذاذة من الإيمان. وهذا كما في الصحيح للعلامة الألباني رحمه الله تعالى، جاء عند أصحاب السنن. قال: "وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه المشهور، وفيه: وإياكم والتنعم، وزي العجم، وتمعدد، واخشوشن". وهذا فيه ماذا؟ فيه أن ماذا؟ طالب العلم والمسلم عموماً ينبغي أن يتنبه لمثل هذا، ويصبر على الفقر، ويصبر على قلة ذات اليد. وكما قال ربنا عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾. سيجعل الله بعد عسر يسراً. يأتي معنا التعليق والقراءة لما تبقى من هذه الآداب في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر شكراً