الدرس في شرح الأصول الستة 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح هذا المحور الأصل الثالث من أصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب الستة المتعلق بوجوب السمع والطاعة لأولي الأمر في غير معصية الله. يستدل المحور بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال العلماء كابن كثير وابن القيم لبيان أن طاعة الأمير من طاعة الله ورسوله.
يؤكد المحور على حصر الطاعة في المعروف فقط مع وجوب عدم طاعة المخلوق في معصية الخالق. ينقل إجماع العلماء على النهي عن الخروج على الحكام لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، مبيناً أن صلاح الأمة مرتبط بصلاح ولاة أمرها.
يستعرض المحور حقوق ولاة الأمر الواجبة على الرعية كالدعاء لهم، والنصيحة السرية، والصلاة خلفهم، وأداء الفرائض معهم، والصبر على جورهم. يؤكد أن هذا المنهج من أصول أهل السنة والجماعة محذراً من منهج الخوارج القعدية المثير للفتن.
يعلن المحاضر الاكتفاء بما تم طرحه في هذا الدرس مع الوعد باستكمال باقي الأصول في الدرس القادم إن شاء الله. يختم بالدعاء بالمغفرة والرضا للجميع والحمد لله رب العالمين مع الإشارة إلى إنجاز الترجمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحبًا بكم في الدرس الماضي، الكلام حول ما يتعلق بالأصل الثالث من الأصول الستة في رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى وغفر له. وما هو خلاصة الأصل الثالث؟ نعم، تمام. فالأصل... أحسنت. الأصل الثالث هو أن من تمام الاجتماع الذي مر معنا في الأصل الثاني: من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، السمع والطاعة لمن تأمر علينا كائنًا من كان، ولو كان عبدًا حبشيًا، ولو كان عبدًا حبشيًا. وماذا؟ وأنه لا جماعة إلا بإمام، وهذا الإمام يجب أن يطاع، وأن يسمع له في المعروف، أي في غير معصية الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «قال: فبيّن الله هذا بيانا شائعا، بيانا شائعا كافيا، بوجوه من أنواع البيان: شرعًا وقدرًا». شرعًا: يعني من الكتاب والسنة، من الشرع: آيات قرآنية وأحاديث نبوية. وقدرًا: أي ماذا؟ بتجارب ووقائع تقع وتتحصل، فيكون ماذا؟ نتيجتها أن الناس إذا سمعوا وأطاعوا ولي أمرهم يحصل الاجتماع، وتتحصل القوة، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فبماذا؟ بعدم السمع والطاعة لا تكون هناك اجتماع ولا جماعة، وإنما يحصل تنازع وفرقة واختلاف، ثم حروب، ثم قتل وقتال، ثم انتهاك للأعراض، ثم نهب للأموال. كل ذلك بسبب ماذا؟ عدم وجود إمام يسمع الناس ويطيعون، ويطيعون له، ويطيعون له. والأدلة يا إخوان من الكتاب والسنة على وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولي الأمر كثيرة جدًا. فمن كتاب الله عز وجل، من كتاب الله عز وجل، قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. واختلفت أقوال العلماء من لدن الصحابة فمن بعدهم في المراد بأولي الأمر في هذه الآية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. فقيل: المراد بأولي الأمر الأمراء، حكام. وقيل: المقصود بأولي الأمر العلماء. وقيل: المقصود بأولي الأمر الصنفان معًا: الأمراء والعلماء، الأمراء والعلماء. وهذا هو الصواب، واختاره جماعة من المحققين من أهل العلم، رجحه الإمام ابن كثير، وقال بعد أن ذكر الخلاف في تفسير الآية: «والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمر والعلماء». قال: «والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي أمر من الأمر والعلماء». انتهى كلامه رحمه الله تعالى، كما تجده في تفسير ابن كثير. أيضًا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في رسالته المشهورة الرسالة التبوكية، قال رحمه الله تعالى: «قال: والصحيح...» ولما تسمع... «والصحيح أو والراجح» هذا يدل على أن هناك خلافًا موجودًا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال: والصحيح أنه متناول للصنفين جميعًا». ما المقصود بالصنفين؟ ما المقصود بالصنفين؟ يا أبي العباس، ما المقصود بالصنفين؟ سالم الكندي... معنى... سالم الكندي... معنى... معنى... أنت ما المقصود بالصنفين؟ أو عادلة جلس... آه، عادلة جلس، لا بأس إن شاء الله. نعم، ما المقصود بالصنفين؟ أحسن: الأمراء والعلماء، الأمراء والعلماء. قال: «والصحيح أنه متناول... أو متناول للصنفين معًا، أو للصنفين جميعًا. قال: فإن العلماء والأمراء هم أولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله. قال: فالعلماء... قال: فالعلماء أولاته حفظًا». لاحظوا يا إخوان: ولاية العلماء أين؟ قال: «فالعلماء أولاته حفظًا وبيانا وبلاغا وذبا وردا على من ألحد فيه وزاغ عنه الملحدون والزائغون. من يتصدى لهم؟ إلا أولي الأمر من العلماء، من العلماء». قال: «وقد وكلهم الله بذلك، فقال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. فقد وكلنا بها، والمقصود بمن وكلهم الله بذلك هم العلماء، هم العلماء». قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال: فيا لها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم، وكون الناس تبعا لهم، وكون الناس تبعا لهم». هذه ولاية العلماء. «قال: والأمراء ولاتهم قياما ورعاية وجهادا وإلزاما للناس به، وإلزاما للناس به. من الذي يلزم؟ العالم ما يلزم العالم معه قال الله قال رسوله معه فتوى بدليلها. لكن من الذي يلزم ولي الأمر من الأمراء السلطان؟ فإن ماذا؟ فإن الله لا يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. قد يلتزم الناس السلطان وكلامه، وقد لا يأخذ بكلام العالم وفتواه». قال: «والأمراء ولاتهم قياما ورعاية وجهادا وإلزاما للناس به، وأخذهم على يد من خرج، وأخذهم على يد من خرج» أي عن ذلك. «قال: وهذان الصنفان هم الناس... هم الناس، وسائر النوع الإنسان تبع لهم ورعية». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. أيضًا يا إخوان، من الأدلة التي تدل على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، لولاة الأمر بالمعروف، أحاديث كثيرة جدًا، أحاديث كثيرة جدًا. ومنها ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، فَقَدْ عَصَانِي». أكد يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فطاعة النبي صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، ومعصية النبي صلى الله عليه وسلم من معصية الله، وطاعة الأمير من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعصية الأمير معصية للنبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا من هذه الأحاديث ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ». ومعنى «عليك»: أي ألزم السمع والطاعة «فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ». وأثرة عليك: ما هي الأثرة؟ هي استئثارهم بالأموال... محمد الله... استئثارهم بالمناصب، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا». قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ». وهكذا جاء في حديث أبي ذر في صحيح مسلم أيضًا، قال أبو ذر: «إِنَّ خَلِيلِي... مِنْ خَلِيلِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». أبو ذر يقول: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدع الأطراف. ولو كان هذا الأمير عبدًا وماذا؟ مجدع الأطراف، يعني مقطع الأطراف: لا أرجل ولا أيدي، لا أرجل ولا أيدي، وإنما رأس وجسد، يعني صدر وبطن إلى آخره. قال: «وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ». وفي رواية: «قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ، مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ». وهكذا يقول عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، سَمْعٌ وَطَاعَةٌ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ». يعني: ما ننازع السلطان في سلطانه، والحاكم في حكمه. «وَأَنْ نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ». يا إخوان، كم نذكر أحاديث كثيرة جدًا فيها يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ ببيعة السمع والطاعة في المعروف. فإن أمر بما فيه معصية، هل نسمع؟ لو أصدر الحاكم قرارًا قانونًا على جميع المواطنين أن يشربوا الخمر، أن يشربوا الخمر، هل يلزمنا أن نطيعه؟ هل يلزمنا أن نطيعه؟ الجواب: لا، بل لا يجوز طاعته في معصية الله. لكن لاحظوا: لا نطيعه في هذا الأمر المحرم، أما في بقية الأمور التي هي غير محرمة يجب علينا طاعته. ليس معنى ذلك أنه إذا أمرنا بشرب الخمر، أو أمرنا بالزنا، أو أمرنا بتناول المخدرات، أننا خلاص لا نطيعه ولا نسمع له في جميع الأمور. لا، في هذا الأمر المحرم ما يجوز أن نسمع له. إنما الطاعة في المعروف. هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ». بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وأمر عليهم رجلًا، وأمرهم بطاعة هذا الأمير. فلما بلغوا موضعًا، الأمير يقول لهم: أليس النبي صلى الله عليه وسلم أمركم بطاعة؟ قالوا: بلى. قال: «اجْمَعُوا حَطَبًا». فجمعوا حطبًا. قال: «أَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا». فأوقدوا فيه نارًا. قال: «يَلَا ادْخُلُوا فِيهَا، وَاحِدٌ وَاحِدٌ، ادْخُلُوا فِي هَذِهِ النَّارِ، أَلَيْسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَكُمْ بِطَاعَةِ؟» قالوا: «ادْخُلُوا فِيهَا». هنا ترددوا: يدخلوا أو لا يدخلوا؟ هم يخافون من معصية النبي صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ... فَقَدْ عَصَانِي. لاحظوا استجابة الصحابة، فترددوا، فما دخلوا. فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك. جاء في بعض الروايات: قال: «لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أَبَدًا». يعني: من نار الدنيا إلى نار الآخرة. ثم قال لهم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». أكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. ونقل يا إخوان إجماع العلماء على ماذا؟ وجوب السمع والطاعة للأمراء، وأن نهي عن الخروج عنهم، وأن نهي عن الخروج عنهم. وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم غير واحد من أهل العلم: منهم الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى. وهكذا أيضًا نقله النووي كما في شرح مسلم، وابن بطال كما في شرح البخاري، وغيرهم من أهل العلم نقلوا إجماع العلماء. وذكر الحافظ... وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ذكر أن الخروج على أمراء الجور كان مذهبًا لبعض المتقدمين من السلف، وهم قليل، لبعض المتقدمين من السلف. ثم استقر أمرهم على عدم الخروج على الحاكم. كيف استقر أمرهم يا جماعة؟ رأوا كوارث، رأوا نكبات تقع بالأمة بسبب الخروج على الحاكم. يخرج مجموعة على الحاكم، ويأتي الحاكم ويقتلهم قتلا، ويقتل من صفي الحاكم من يقتل. فماذا؟ وليس هناك إلا... إلا النكبات والمفاسد، وماذا؟ الأمور تكون أسوأ. حتى في تاريخنا هذا، انظروا إلى نتائج الثورات والانقلابات والخروج على الحكام، تجد أن المفاسد أعظم وأكثر من المصالح، وأكثر من ماذا؟ من المصالح. وقد ذكر العلماء حقوقًا لولي الأمر، للحاكم وولي الأمر على رعيته، على رعيته. فنذكر بعضها إجمالًا واختصارًا. فمن هذه الحقوق: أولاً، كما سبق: السمع والطاعة لهم بالمعروف، السمع والطاعة لهم بالمعروف. وأن طاعتهم تبع لطاعة العلماء، وطاعة العلماء تبع لطاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمعروف والإسلام لا يقوم إلا بهتين الطائفتين: الأمراء والعلماء، كما سبق، والناس تبع لهم، والناس تبع لهم. وماذا؟ إذا صلحوا صلح العالم، وإذا فسدوا فسد العالم، فسد العالم. ولهذا قال الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى، وهكذا قال غيره من السلف: قالوا: «صنفان من الناس إذا صلح صلح الناس، وإذا فسد فسد الناس». قيل: منهم... قيل: منهم... قال: «الملوك والعلماء، الملوك والعلماء». ولهذا قال ابن المبارك أيضًا: قال: «رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ، وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا، هَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا». إذن، إذا صلح الأمراء وصلح العلماء، هذا سبب عظيم لصلاح الناس، لصلاح الناس. ولهذا كان بعض السلف يقول: يقول: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً لَصَرَفْتُهَا لِمَنْ؟ لَصَرَفْتُهَا لِلسلطان». كما جاء عن الفضيل بن عياض رحمه الله، يقول: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً سَأَصْرِفُهَا لِمَنْ؟ لِلسلطان». فقيل له: يا أبا علي، فسر لنا هذا، إيش معنى كلامك هذا؟ قالوا: «يَا أَبَا عَلِيٍّ، فَسِّرْ لَنَا هَذَا». فقال: قال: «إِذَا جَعَلْتُهَا لِنَفْسِي، إِذَا جَعَلْتُهَا فِي نَفْسِي لَمْ تَعُدْنِي، لَمْ تَعُدْنِي» يعني: منفعتها لخاصة أنا. «قَالَ: وَإِذَا جَعَلْتُهَا فِي السُّلْطَانِ صَلَحَ، فَصَلَحَ بِصَلَاحِهِ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، فَصَلَحَ بِصَلَاحِهِ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ». ولهذا يا إخوان، الدعاء لولاة الأمر هذا من الأمور المهمة جدًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ». يعني: يدعون لكم، وتدعون أنتم لهم. وهذا يا إخوان الذي قرره العلماء قديمًا وحديثًا في عقائدهم، في كتب العقيدة. ومن ذلك ما ذكره الإمام البربهاري رحمه الله تعالى كما في كتابه «السنة»: قال: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو عَلَى السُّلْطَانِ»، لاحظوا، يقول: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو عَلَى السُّلْطَانِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ هَوًى، فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ هَوًى». قال: «وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو لِلسلطان بِالصَّلَاحِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى». هذا كلام يا إخوان دقيق جدًا. الثوريون ما يرتضون هذا الكلام، والحماسيون ما يرتضون هذا الكلام، والخوارج ما يحبون هذا الكلام، ويعيبون على أهل السنة إذا دعوا لولي الأمر بالصلاح، أن الله يصلحه. طيب يا أخي، إذا صلح ولي الأمر تصلح البلاد ويصلح العباد، وإذا فسد ولي الأمر يحصل الفساد، تفسد البلاد ويفسد كذلكم أيضًا العباد. أيضًا من هذه الحقوق التي هي لولاة الأمر على الرعية: ماذا؟ النصيحة لهم، أن ننصح لهم. الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». النصيحة لأئمة المسلمين بماذا؟ بالدعاء لهم، والسمع والطاعة لهم، وبيان الحق لهم، بيان الحق لهم. أنت تستطيع أن تصل إلى حاكم، اذهب وانصحوا، لكن سرًا بينك وبينه، مش على المنبر، ما سيسمع ولن يطيع. إذا كان على المنبر وأمام الناس، نحن يا إخوان لو واحد نصحنا في كلمة قال: يا فلان، أنت أخطأت، أنت تتخلف عن الصلوات، أنت فعلت وفعلت، ما سيستجيب، يقول: هذا نصيحة، هذا فضيحة. طيب، هذا في حق واحد من الرعية، كيف في حق ولي الأمر؟ ولهذا من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم: أن من كان عنده نصيحة لدي سلطان، فلينصحه فيما بينه وبينه، ولا ينصحه علانية، ولا ينصحه علانية. فالنصيحة لولاة الأمر من الأمور المطلوبة. وهذا يا إخوان الذي يقوم به العلماء بالاتصال بالمحافظ، الاتصال بالوزير، الاتصال بالرئيس، الاتصال بالرئيس إن أمكن، وبيان الحق لهم. ولا يشترط أن العلماء يشهروا هذه النصيحة، يأتي في خطبة الجمعة ويقول: نصحت رئيس الدولة، وبينت له كذا وكذا. هذا فيما بينه وبينه، فيما بينه وبينه. أيضًا من هذه الحقوق: الجهاد معهم، والصلاة خلفهم، وأداء الصدقات لهم إذا طلبوها، والحج معهم. الجهاد معهم، والصلاة خلفهم، وأداء الصدقات لهم إذا طلبوها، والحج معهم. إلى غير ذلك، سواء كانوا أبرارًا أو كانوا فجارًا. من منهج أهل السنة والجماعة: الصلاة خلف كل بر وفاجر، خلف كل بر وفاجر. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالُوا: صَلُّوا... أَيْ خَلْفَهُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ، فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». أيضًا ماذا؟ من هذه الحقوق: عدم التشهير بعيوبهم على المنابر وفي المجالس، وعدم إيغار صدور الرعية عليهم، عدم إيغار صدور الرعية عليهم. وإنما النصيحة لهم سرًا، النصيحة لهم سرًا. أيضًا من هذه الحقوق: عدم الخروج عليهم، ولزوم الصبر على جورهم، جورهم وظلمهم، وعدم شق عصى المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: «كَانَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ الصَّبْرُ عَلَى ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ وَجَوْرِهِمُ، الصَّبْرُ عَلَى ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ وَجَوْرِهِمُ، كَمَا هُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، كَمَا هُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ». ولهذا يا إخوان، في زمن الحجاج، الحجاج بن يوسف، أمير ظالم، كان يأتي إلى بعض الصحابة، إلى بعض الصحابة فيؤذيهم، فيؤذيهم. يأتي إلى ابن مسعود مثلًا، يعني عالم من علماء الصحابة، فيقول: «عَبْدُ هَذِيلٍ» على ابن مسعود، «عَبْدُ هَذِيلٍ تَقْرَأُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى»، وهذا قراءة مشهورة عن ابن عباس، عن ابن مسعود، يخبر أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾. قراءة ابن مسعود. يأتي الحجاج ويقول: «عَبْدُ هَذِيلٍ تَقْرَأُ بِهَذَا». وكان يؤذي أنس بن مالك، حتى أنه ليضع الخاتم على عنقه، ويأتي ويؤذي غيرهم. ابن عمر كان موجود، وغيرهم من الصحابة. ومع هذا علموا الأمة السمع والطاعة لولي الأمر، لولي الأمر. حتى لما حصلت الفتنة بين ابن الزبير وبين بني أمية، كان ابن عمر ينصح ابن الزبير بعدم فعل ذلك، بعدم فعل ذلك. وماذا؟ وكل هذا سببه الخروج على أولياء الأمور. يعني: القتل والقتال وخراب الديار وغيرها سببه الخروج على أولياء الأمور، إما باللسان وإما بالسيف والسنان. هو أول ما يبدأ باللسان: إغار صدور الناس على ولي الأمر، على ولي الأمر. ثم بعد ذلك الخروج بالسلاح، فينتج الفتن والحروب. وقد ذكر العلماء، لاحظوا يا إخوان، ذكر العلماء فرق الخوارج، وذكروا منها فرقًا يقال لها: «القعدية». وذكروا أنها أخبث فرق الخوارج، وشأنها ماذا؟ ما وظيفتها؟ إيغار صدور الناس على أمرائهم، وذكر معايب ومساوئ الحكام على المنابر وفي المجالس. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وقد عدد فرق الخوارج، فقال: «وَالْقَعْدِيَّةُ الَّذِينَ يُزَيِّنُونَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا يُبَاشِرُونَ ذَلِكَ، يُحَرِّضُونَ النَّاسَ بِسِ... وَلَا يَذْهَبُونَ يُقَاتِلُونَ، يَجْلِسُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ يُحَرِّضُونَ النَّاسَ، كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْخَوَارِجِ الْيَوْمَ فِي عَصْرِنَا هَذَا». فالقعدية هي من أخبث فرق الخوارج. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الأصل، ويبقى معنا نقطة أخيرة نؤخرها مع الأصل الرابع إن شاء الله في الدرس القادم، ألا وهي: الغلط. وهذا مهم جدًا يا إخوان، الغلط الذي حصل في هذا الأصل الثالث. فنكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وغفر الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر