الدرس في شرح كتاب التوحيد 232، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بشرح باب من كتاب التوحيد يتعلق بأهمية الرضا بالحلف بالله، ويوضح أن عدم الرضا ينافي كمال التوحيد. يُبين أن تعظيم الله يكون بعدم الحلف بغير الله والحلف بالله صدقًا والرضا به.
يتناول الدرس مسألة الرضا باليمين الكاذبة في القضايا، حيث يختلف العلماء بين التنازل عن الحق في هذه الحالة وتعظيم الله في كل جوانب الحياة. يُظهر أهمية الرضا بالقسم وتجنب التكذيب.
يفسر العلماء الباب على ثلاثة أوجه مختلفة، ويُؤكدون على أهمية الرضا بالقسم وتجنب التكذيب تعظيمًا لله. يُوضح الدرس أن هذه المسألة تهم كل من يحلف بالله.
يختتم الدرس بالدعاء بالتوفيق وأن ينفع الله بما قيل، ويشير إلى أن الدليل سيأتي في دروس لاحقة. يُنهي الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
نستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله. هذا باب من الأبواب الجديدة التي باب عليها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، فقال: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله. ومناسبة أولًا إيراد هذا الحديث في كتاب التوحيد ظاهرة، إذ أن المسلم مما يدلل به على توحيده لربه جل في علاه أنه إن حُلف له بالله يرضى، وعدم رضاه بالحلف بالله ينافي كمال التوحيد الواجب. فلما كانت هذه المسألة مما تخدُش في توحيد العباد، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب. علاقة هذا الباب أيضًا بالباب الذي قبله والذي مضى: ولا تجعل لله أندادًا، وذكرنا أن من التنديد لله أن تحلف بغير الله، فناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب أن يذكر أن مما يتعلق بالحلف بالله ما يكون من تعظيمك لله، ما يكون من تعظيمك لله في باب الحلف. تعظيمك لله في باب الحلف والأيمان والقسم يكون على ثلاث صور. الصور الأولى: أن لا تحلف إلا بالله، فلا تحلف بغيره، هذا منك إعظامًا لله. ثانيًا: إن حلفت بالله فليكن ما تذكره صدقًا لا كذبًا، هذا من تعظيمك لله. ومن باب التعظيم في باب الحلف أن من حلف لك بالله عليك أن ترضى، فهذه مسائل ثلاث وسيأتي معنا في بابها وفي حينها. ولهذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب لبيان ما يكون من تعظيم أهل التوحيد لله في باب الأيمان والقسم، فقال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله. باب ما جاء في من لم يقنع رجل حلف له بالله، والله وبالله وتالله، لكنه لم يقنع بهذا الحلف بهذه الأيمان. فقوله: باب ما جاء من الوعيد الشديد، ومن الترهيب في حق من لم يرضى ولم يقنع بأن حلف له بالله على أمر ما، سيأتي معنا الوعيد والتهديد. لكن هنا نقف عند مسألة وهي: ما المراد من هذه الترجمة؟ ما المراد من حلف ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله؟ هذه مسألة تدور على ماذا؟ القول الأول: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الباب في خصوص مسألة الدعاوى والقضايا فقط، هذا هو محلها في باب الدعاوى والقضايا. تقام خصومات بين طرفين نزاع، فترفع إلى المحاكم، ترفع إلى الجهات المختصة، ترفع إلى القضاة، فيكون الحكم الفصل في هذا الباب الحلف. القاعدة في الحديث النبوي: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. يكون المدعي ليست عنده بينة فيقول: ها يا من أنكرت تحلف، وهو كاذب. فيحلف هذا الكاذب: والله ما أعطاني فلان شيئًا، وقد أعطاه. أعطاه لكن يتجرأ، فيقول: والله فلان محمد هذا، والله ما أعطاني شيئًا. يا حضرة القاضي، أنت يا محمد، يا من سمعت أن خصمك حلف بالله في هذه القضية، هنا ينبغي أن ترضى بأيمانه في الخلاص. يا قاضي، هذا المدعي، ما دام حلف القول قوله، أنا أتنازل عن قضية، فليأخذ حقي. إذا حلف، وصل به الأمر إلى أنه يقسم بالله، ولو كان على افتراء، أنا ما عندي أي كلام ولا زيادة، محضر في هذا المقام. انتهينا هنا. قال العلماء: هذا الذي أراده المؤلف في هذه المسألة، باب ما جاء في من لم يقنع بمن حلف بالله، أي في مسألة القضايا والخصومات. وهذا القول هو الذي ذهب أكثر الشراح، حتى أن الإمام والشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله تعالى في تعليقه على أو في حاشية الدر النضيد، قال رحمه الله تعالى: وقد قدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوى متعلقة بهذا الأمر فقط. هذا الذي نفهمه من المؤلف أنه ألف هذا الباب وأراد هذه المسألة، وأن مسألة أنك ترضى بالأيمان إذا حلف لك في باب القضاء والخصومات. ومعنى هذا الكلام كما سمعت: إذا ابتليت يا عبد الله بخصم في قضية ما، وخصمك لا يتق الله، لا يتق الله، ووصل به الأمر إلى أنه حلف بالله كذبًا، حينها دعاك التعامل مع هذا الكذاب، وليكن تعاملك مع لفظ الجلالة. عندما سمعت قال: والله وبالله وتالله، تعظيمًا لجناب الله، قل: تنازلت، ولو ضاع حقك. قال العلماء: ولو ضاع حقك، فسيعوضك الله عاجلًا أو آجلًا، لماذا؟ سيعوضك الله لأنك عظمت شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. سيأتي كما يأتي يا فلان، ليش تنازلت؟ حاول تفتش عن بينة هنا، وقل: لا، لا، لا. ماذا حلف؟ حلف لي بالله، خلاص، ما هناك أغلى من الله عز وجل، يكفيني هذا منه، يأخذ يأخذه. وما الذي عسى أن يفعل بالبعض؟ لن يدوم، لن يدوم. وهذه مسألة إخواني، في لا تجرني إلى مسألة أخرى، وهي ما ابتلينا به في مسائل القضاء والتحاكم والمحاكم، وما يكون من نزاع الأطراف، أن من الناس من لربما يفعل هذه الفعل المشينة، أن يحلف بالله كذبًا، وهو يعلم أنه كاذب، لا لشيء، فقط لينتصر على خصمه، ليأخذ حقه. وغسل لعابه على الأراضي والعقارات، كما نرى في هذه الأزمان، أصبحت العقارات كالذهب، والواحد منا يستميت يستميت على أن يأخذ أرض أخيه، متى ما سنحت له الفرصة، أصبحنا كالذئاب، حتى وصل بنا الحال إلى هذا الذي سمعتموه، من يحلف بالله كذبًا، والله والله والله هذا حقي، هذا مالي، هذه أرضي، وأنا أفقد، وليس عنده بينة. لكن الأمر آل إليه لأنه يطلب منه القاضي يمين، فيحلف. فليعلم هذا الذي فعل هذه الفعل المشينة أن القاضي لو حكم، يقول حكم القضاء، أن الأرض تكون لفولان، هذا الحال في الكذاب. لا يظن الظان عندما أبرم القاضي الحكم النهائي، وأتى بالسك الذي به ينتهي الملف، على أن هذا الرجل قد أخذ الأرضية باردة مبردة، وأصبحت حلال. لا، ما هي حلال، ما دام نلتها بحرام، تبقى حرام إلى يوم القيامة. ولو فلا تأتي مثلًا بالغد، يقول: والله هذه أرضي. انظر، انظر يا ناس، هذا سك القاضي، وهذا ختم القاضي، وهذا حكم المحكمة، وهذا رقم رقم القضاء، لا تستدل بهذا. قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من أخيه، بعضكم عنده طريقة أسلوب في اللف والدوران، فيأخذ». قال: «ولعل بعضكم ألحن بحجته من أخيه، فمن اقتطعت له والنبي تحدث عن نفسه الآن كأنه قاضي»، قال: «فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع لهم من النار، من النار». فالقاضي إذا قضى، لا تظن يا عبد الله أن حكم القاضي مبرر على تحليل الحرام الذي قد احتلت على نيله بهذه الأيمان الكاذبة. الشاهد إخواني في الله أن العلماء والشراح قالوا: أن قول المؤلف: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله، إنما هو بخصوص القضايا والدعاوى. فإذا وجدت وأنت طرف في القضية أن الطرف الآخر حلف بالله كذبًا، اقنع والخلاص، يكفيني هذا، خذ وتنازل، ويعوضك الله. القول الثاني من أقوال العلماء قالوا: لا، بل هذا الحديث وهذا التبويب عام في القضايا والقصومات، وفي غيرها من باب الأخبار. لأن الأمر يدور على تعظيم الله، عندما ترضى بالذي حلف لك بالله، يقول هذا تعظيم لك لله، ينبغي أن يكون التعظيم في كل حياتك، ليس في المحكمة، بل في خارج المحكمة، في المدرسة، في البيت، في الشارع، في العمل، عند أصحابك. يأتيك صاحب لك، فإذا به يأتي لك بقصة، وأنت تعلم أن هذه قصة غير واقعية، تقول: يا أخي، تأكد. لا، والله والله هذا حق، هذه قصة واقعية، حلف بالله، خلاص، قف، لا تكذب، لا تكذب أخاك، ما دام حلف، قف عند حدك. مدار هذه المسألة يدور حول تعظيم الله، من حلف لك بالله صدقه. والوجه الثاني أن هذا الباب يخرج على مخرج العموم، فكل من حلف لك بالله في قضية أو ما هو خارج القضية، في الأخبار، في الوظائف، في الأمور العامة، في الأمور الخاصة، في كل شيء، عليك يا عبد الله أن تصدق خبره لما حلف به بالله، تعظيمًا لجناب الله جل في علاه. فإذا حلف لك شخص من الأشخاص بخبر، قل: خلاص، ما في شيء. لكن هل تبني على خبره؟ لا تبني عليه، المهم لا تكذب. كما قلنا: يأتيك بخبر كاذب، وأنت تعلم أنه كاذب، لكن لما رأيت أنه إلا وإلا والله حلف، خاص تمام، حلف، حلف. لكن هل تعمل بهذا الكذب؟ أنت ملزم بالرضا، لا تكذب بعدما يقسم، لا تكذب. هذا الوجه الثاني في فهم هذا الباب، أن الأمر بالعموم. الصورة الثالثة في فهم العلماء لهذا الباب الذي بين أيدينا: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله، أي ما جاء من الوعيد الشديد، هذا في حق من حلف بالله وهو من أهل الصدق، من أهل الصدق. هذا الفهم الثالث لهذا التبويب، معنى أنه إن جاءك رجل صادق، صادق، معلوم بالصدق، إن تكلم صدق الحديث، ومع ذلك في بعض الوقائع إذ به يحلف لك بالله، حينها لا تكذبه أبدًا، قل: صادقت، وعد أيمان، أنت مصدق عندي من قبل ومن بعد، صدقه، فلا تتطاول على تكذيبه. إن كان هو من أهل الصدق، وهذه مسألة أخوانا فيها مهمة جدًا. أحيانًا أحيانًا قد يقع بين أهل الصدق ما يكون من التعارض في ثبوت خبر ما، مثلًا تجي تدخل إلى مسألة بين مصليين، بين مستقيمين، بين صالحين من عباد الله، يحلفان على مسألة. هذا يقول: والله والله صار كذا، والثاني يقول: والله ما صار كذا. هذا يحلف، وهذا يحلف، فلا تأتي أنت تقول: آه، ما دام حلفتم، واحد منكم كاذب، لا، لا تكذب، لا تكذبهما أو تكذب أحدهما، ما دام أقسم بر بأقسامهما. قل: يا جماعة، بما أنكم حلفتم، وأنتم صادقين، لكن لعل في المسألة سوء فهم، هذا يقع، وكم وقع هذا. تجد بين أهل الصدق من النزاع ما يصل به التعارض إلى الأقسام المتعارضة، وتجد أن مؤداها كل صادق، كل صادق، لكن تجد المشكلة في سوء فهم المسألة. هذا فهم على فهم، أو صار هناك تصور غير واضح للقضية، فكل حلف على فهمه. فحين إذا رأيت أن أهل الصدق أقسموا، وجاء عندك، وقال: يا فلان، تعال، تعال يا مطوع، تعال يا أخي، يا أخي، والله هذا فلان، والله ما فعله، لا والله، أنا لك فعلت، والله رأيته. فقل يا عبد الله: أنت صادق، أنت صادق، بما حلف عليك أن تقنع بالحلف بالله، ولا تكذبهما، لكن قل: لعل في سوء فهم، ما هناك تصور أو أحد فاته شيء من القضية، فحلف على ما بدى له. فحينها تبدأ بهذا، أما أنك تعارض الأيمان بالرد والتكذيب، لا، لأنه ينبغي أن ترضى إذا حلف لك بالله. أما إذا كان الحالف كاذبًا أو دلت القرينة على كذبه، فأنت لست ملزمًا بأيمانه. وهذا هو القول الثالث كما قلنا: القول الثالث يرى أن هذا الباب إنما يخص بأهل الصدق، إن أقسموا، مع الأيمان عليك التصديق، ولا ترد. وإذا حلف أهل الكذب، ما أنت ملزم، ما أنت ملزم بكلامهم، لأنهم قد عرفوا عندك بالكذب، فلا تقبل حديثهم. فالشاهد إخواني في الله أن هذا الحديث أو هذا التضيب الذي بين أيدينا: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله، العلماء على أوجه ثلاثة في فهمه، إما أن يحمل في باب القضايا والخصومات فقط، وإما أن يحمل على عمومه في أي باب من أبواب كلام الناس، في الخصومات، وفي غير الخصومات. من حلف لك بالله، عليك أن تقنع وترضى بحلفه، أو أنه الوجه الثالث على أن هذا الباب إنما فقط يتعلق بأهل الصدق، فمن كان صادقًا أقسم لك بالله، فعليك عبد الله أن ترضى بقسمه، ولا تكذبه، ولا تشكك فيه، تعظيمًا لله جل في علاه. وسيأتي إن شاء الله في دروس قادمة الدليل الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، وما يتعلق به من مسائل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.