الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 73، ألقاها
يناقش هذا الفصل حكم التحاكم إلى غير حكم الله تعالى، ويوضح أن من يعتقد أن حكم غير الله أفضل أو مساوي لحكم الله يكفر كفرًا أكبر. كما يفسر معنى الطاغوت ويبين أن التوحيد يعني البراءة من كل ما يُعبد سوى الله.
يناقش هذا الفصل أهمية تحكيم شرع الله واتباع أوامره ونواهيه، ويحذر من اتباع الهوى والآراء الشخصية دون الاستناد إلى الشريعة. يشير إلى أن أهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان لا يتحقق إلا باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
يشير هذا الفصل إلى قصة قتل عمر بن الخطاب على يد منافق، ويستدل بها على جواز قتل من أظهر الكفر والنفاق. كما يتضمن تسبيحًا لله واعترافًا بوحدانيته وطلبًا للمغفرة والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صله الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عليهم رحمة الله تعالى جميعًا. باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. قوله: "باب قول الله تعالى"، أي: مدخل في معرفة معنى قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وجه إدخال الشيخ رحمه الله تعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب لهذا الباب في كتاب التوحيد هو أنه من جنس الذي قبله، إلا أن هذا الباب أخص من الذي قبله، إذ أنه خاص بالخصومات التي بسببها يرجع من يرجع إلى التحاكم إلى غير حكم الله جل وعلا. والجدير بالذكر والتنبيه في هذا الباب أن يُعلم أمران: الأمر الأول حكم الحاكم بغير حكم الله جل وعلا، والأمر الثاني حكم المتحاكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله جل وعلا. فأما المسألة الأولى، فالحكم كله لله رب العالمين جل وعلا، سواء كان الحكم الكوني أو الحكم الشرعي أو الحكم الجزائي. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وفي آية ثالثة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. إذن يجب الحكم بما حكم به الله جل وعلا وبما حكم به رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فإذا علم هذا، فإنه يجب أن يحكم بحكم الله جل وعلا في جميع الأحكام صغيرها وكبيرها. ومنه يعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله جل وعلا فإنه مخالف لحكم الله جل وعلا ولأمره. والحاكم بغير ما أنزل الله لا يخل من أحوال: إما أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أنه أفضل من حكم الله جل وعلا، أو أنه مساو لحكم الله جل وعلا، أو أنه يجوز الحكم به مع حكم الله جل وعلا، فهذا كله كفر أكبر وتشريك في الحكم. وأما إن حكم الحاكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكم الله جل وعلا فيه الخير كله وأنه هو الحكم العدل، ولكن غلبت عليه شهوته فحكم بغير ما أنزل الله لشهوة أو لهوى أو لعرض من الدنيا، فإن هذا الحاكم يكون وقع في الكفر الأصغر والشرك الأصغر. الأمر الثاني والمسألة الثانية في مسألة المتحاكم إلى غير الله جل وعلا: المتحاكم إلى غير حكم الله جل وعلا إن قام بقلبه أن ذلك الحكم أفضل أو أعدل أو مثل حكم الله جل وعلا، أو أنه يجوزه أن يحكم به مع حكم الله جل وعلا، فإنه يكفر كفرًا أكبر. وإما إن تحاكم إلى غير حكم الله جل وعلا لشهوة ولهوى النفس وانتصارًا لها، مع معرفته بأنه عاص لله جل وعلا بذلك، فإنه لا يكفر، ولكنه يكون واقعًا في الشرك الأصغر والكفر الأصغر. قال رحمه الله تعالى: "باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾". ومعنى الآية: إلى آخر الآية. قال العماد بن كثير رحمه الله: "والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا". قال: "وكل من عبد شيئًا دون الله بأي نوع كان من أنواع العبادة، فإنما عبد الطاغوت". فإن كان المعبود صالحًا، كانت عبادة العابد له واقعة على الشيطان الذي أمره بعبادته وزينها له. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَ تَعْبُدُونَ﴾. والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. قال: "فالتوحيد هو الكفر بكل ما عبد من دون الله". وحقيقة التوحيد البراءة والكفر بكل ما عبد سوى الله جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. قال رحمه الله تعالى: "وكذلك من خالف حكم الله ورسوله بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو مع الجهل بذلك، أو طلب ذلك أن يتبع عليه، أو أطاعه فيما لا يعلم أنه حق، فهو طاغوت بلا ريب". قال: "فإن المنافق يكره الحق وأهله ويهوى ما يخالفه من الباطل". هذه حال أهل النفاق. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين". قال رحمه الله تعالى: "قلت: فما أكثرهم لا كثرهم الله". قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هذا في تأكيد المعنى المذكور أن هذا النوع من المنافقين الخلص. قال رحمه الله تعالى: "فما أكثر من يتصف بهذا الوصف خصوصًا من يدعي العلم". فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله إلى أقوال من يخطئ كثيرًا ممن ينتسب إلى مذهب من مذاهب الأئمة الأربعة. قال رحمه الله تعالى: "وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾". قال ابن كثير: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير والنهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاستصلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله". قال رحمه الله تعالى: "وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾"، استفهام إنكار، أي: لا حكم أحسن من حكمه. قال: "وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك". أي: في قوله: "أحسن"، ليس معناه أن هناك حسن وحكم الله أحسن، بل حكم الله لا أحسن منه. قال رحمه الله تعالى: "قوله: عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»". قال النووي: "حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح". والراجح في الحديث أنه ضعيف لأنه من طريق نعيم بن حماد الخزاعي، والراجح ضعفه. قال رحمه الله تعالى: "وشاهدوا في القرآن: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾". قال رحمه الله تعالى: "وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، ونحو هذه الآيات". الهوى: ما تهواه وتحبه نفسه وتميل إليه. فإن كان الذي يحبه وتميل إليه نفسه ويعمل به تابعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه صفة أهل الإيمان المطلقة. قال رحمه الله تعالى: "وهذا هو الذي يذهب إليه أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة". فإن الخوارج يكفرون بالذنوب والمعتزلة لا يطلقون عليه الإيمان. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فقيد مغفرة ما دون الشرك بالمشيئة. قال رحمه الله تعالى: "وتواترت الأحاديث بما يحقق ما ذهب إليه أهل السنة". فقد أخرج البخاري وغيره عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير». قال رحمه الله تعالى: "قوله: وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة...". وهذا الأثر بهذا السياق ضعيف. قال رحمه الله تعالى: "وقيل: نزلت في رجلين اختصما فيه...". وهذا الأثر ضعيف بل ضعيف جدًا لا يصح لأنه من طريق محمد بن السائب الكلبي وهو كذاب. قال رحمه الله تعالى: "قوله: قال الشعبي: هو عامر بن شراحيل الكوفي...". وتقدم في قصة عمر وقتله المنافق الذي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف دليل على قتل من أظهر الكفر والنفاق. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.