الخطبة بعنوان من تعلق شيئاً وكل إليه، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 8 ذو القعدة 1442هـ الموافق 18 يونيو 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الخطاب بالتركيز على أهمية التوحيد والتحذير من الشرك، مشيرًا إلى أن الدعوة إلى التوحيد كانت أول ما دعا إليه الرسل. يُبين أن الشرك بالله يسبب الفساد والخسار في الدنيا والآخرة.
يُنبه الخطيب إلى خطورة الشرك ووسائله، ويحذر من الوقوع فيه، مستشهدًا بدعاء إبراهيم عليه السلام وبتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من التطير والكهنة والسحر. كما يحذر من الذهاب إلى الكهنة والعرافين والخرافيين والسحرة.
يتضمن المقطع دعاء للمسلمين في عدة بلدان بالصلاح، وطلب من الله أن يولي عليهم خيارهم، وأن يجعل ولايته في من يخافه ويتقيه. كما يتضمن حمد الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليدعون إلى عبادته سبحانه وتعالى وحده، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فإن الدعوة إلى التوحيد هي من أوائل ما دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام: اعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا. فما أرسل الله من نبي ولا رسول إلا كان من أول ما دعا إليه الدعوة إلى توحيد الله عز وجل والتحذير من الشرك، لما في ذلك من الخسار العظيم والوبال الكبير على هذا الإنسان في الدنيا والآخرة. إن الشرك بالله، عباد الله، سبب لانقلاب هذه الحياة رأسًا على عقب. فإن القلوب إذا تعلقت بغير الله جل وعلا صارت الفوضى العظيمة في هذه الحياة الدنيا. إذا تعلقت القلوب بالأحجار أو تعلقت القلوب بالأشجار أو تعلقت القلوب بالقبور أو تعلقت القلوب بالصالحين أو حتى الأنبياء أو الملائكة أو غير ذلك، فعند ذلك لا تسأل عن الشر المستطير والفساد الكبير الذي يعم في هذه الدنيا. عباد الله، إن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فإذا كان هذا الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، وهو إمام الموحدين عليه أفضل الصلاة والتسليم، فكيف بمن دونه من سائر الناس؟ وهذا الخطاب له عليه الصلاة والسلام ولأمته وللناس أجمعين. فالحذر الحذر، عباد الله، من الشرك ووسائله وحبائله وأسبابه. وقد كان السلف مع حرصهم على التوحيد وحرصهم على الإيمان والطاعة والحذر من الشرك والكفر والنفاق وغير ذلك، كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق والشرك، وهم أئمة التوحيد رحمهم الله ورضي الله عنهم. هذا ابن أبي مليكة رحمه الله يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه من النفاق. فإن الخوف من الشيء سبب للوقاية منه. ولهذا انظروا إلى إمام الأنبياء عليه أفضل الصلاة والسلام، إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. فإن دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يجنبه الله ويجنب بنيه من أن يعبد الأصنام كان سببًا في حمايته وحماية بنيه. فإن من خاف شيئًا وقِيَ منه. فأنت يا أيها المسلم لا تأمن على نفسك من الشرك ووسائله وحبائله وأسبابه، فإنه ربما دخل عليك الشرك من حيث لا تشعر. ولذلك كان أسعد الناس من وقي من الشرك وحمي بحمى التوحيد، وكان من المؤمنين بالله حقًا، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. فالناس يتفاوتون في هذا الأمن، عباد الله، يتفاوتون في هذا الأمن. فإنهم مع الإيمان درجات، كما أنهم مع الشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعصية دركات. فالناس درجات أو دركات بحسب إيمانهم بالله جل وعلا وارتقائهم بهذا الإيمان وتحقيقهم لهذا التوحيد. فلذلك أيها المؤمن، أنت تحتاج أن تتق الله عز وجل بأخذ أسباب التوحيد وأسباب الإيمان وأسباب التمسك بالسنة والطاعة، بما يرفعك إلى أعلى الدرجات، والحذر من وسائل الشرك والنفاق وكذلك البدعة والمعصية والخرافة وغير ذلك مما يوقعك في الدركات. وكما كان السلف الصالح يخافون على أنفسهم ويفتشون في أنفسهم وفي أهاليهم، فكذلك نحن أولى أن نفتش في أنفسنا وفي أهالينا. فبت في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح أن عبد الله بن مسعود دخل على بعض نسائه فوجد في عنقها خيطًا، فقال: ما هذا؟ قالت: خيط جعل لي من الحمى. فقال: إن آل عبد الله لا أغنياء عن الشرك. ثم قطع الخيط، وقال: إن مما حفظنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك». فإذا كان هذا في امرأة صحابي دخل عليها بصيص من الشرك وهي لا تشعر، فكيف بنا بهذا الزمان الذي كثرت فيه الخرافات وكثر فيه دعاة الشرك والكفر والنفاق والعلمنة وغير ذلك من أنواع الفساد والشر؟ كيف نحن بهذا الزمان وقد تلاطمت بحار الخرافات وكثرت فيه أنواع الضلالات وتراكمت أنواع السيئات والموبقات؟ كيف نحن بهذا الزمان وصار دعاة السوء والشر والضلال يدعون بكل فخر، بعد أن كانوا يخافون أهل الحق وصولة أهل الحق؟ فاليوم صاروا يجاهرون بالباطل ويجاهرون بالشر الذي يدعون إليه. فإذا كان كذلك، فالحذر الحذر، عباد الله، من أن يقع بعضنا أو بعض من تحت أيدينا في هذه الشرور الكثيرة والسيئات العديدة التي اهتلت بها المجتمعات. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له». فتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن هذا حاله، ممن وقع في هذه الأمور الثلاث. فليس من أهل الإسلام من تطير أي وقع في التطير، أو تطير له أي دعا من يتطير له بأن يذهب إلى أحد أهل التطير كالكهنة والعرافين والخرافيين والمنجمين. ومثل هذا ما يعرض بالصحف والمجلات من أن يقال: انظر أي نجم أنت، من أي نجم ومن أي برج ومن أي تاريخ ميلاد حتى تعرف ما يكون حالك بذاك اليوم أو ذاك الشهر أو ذاك العام. فكل هذا يدخل في التطير الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. والتكهن كذلك ليس من أهل الإسلام من تكهن أو تكهن له، أي تكهن بفعل الكهانة بأن يستشرف معرفة الغيب وأن يدعي علم الغيب وكشفه للناس. فكل ذلك ليس من الإسلام بشيء، أو تكهن له أي ذهب ليتكهن له عند قارئ الودع أو عند كذلك ضارب الرمل أو الصدف أو غير ذلك من أنواع الكهنة والعرافين والخرافيين. وهكذا كذلك ليس منا من سحر أو سحر له. فلا يجوز يا أيها المسلم أن تذهب في جهة السحر وأهله، ولا أن يسحر لك، حتى إذا لم تذهب أنت فرضيت بذلك، فإنك مشارك لهذا السحر. وهو كفر بالله سبحانه وتعالى. السحر كفر بالله سبحانه وتعالى. حذر الله منه وحذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ففعل السحر كفرٌ بالله سبحانه وتعالى بنص الكتاب والسنة. وثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند النسائي بإسنادٍ حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وُكِل إليه». ومعناه: يا أيها المسلم، إذا تعلقت بالكهنة والعرافين والخرافيين وكلك الله لهؤلاء، فعند ذلك تزداد ضعفًا وتزداد كذلك اختناقًا وتزداد كذلك خسارة. لأنك تعلقت بمن لا يصح ولا يتم التعلق به إلا بالخسارة. ولهذا حذر الإسلام من الدخول على هؤلاء أو الذهاب إلى هؤلاء. ففي صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». وثبت في مسند الإمام أحمد وبعض السنن من حديث أبي هريرة ومعناه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». فاحذر أيها المسلم أن تأتي كاهنًا أو عرافًا أو أن تتواصل بكاهن أو عراف. فإذا فعلت ذلك لم تقبل لك صلاة أربعين ليلة. وإذا صدقتهم وإن لم تذهب إليهم، فإنك تكفر بالله عز وجل لأنك آمنت بما يكون به الكفر. فالحذر الحذر، عباد الله، من الشرك ووسائله وحبائله وأسبابه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه وأن يتم علينا ديننا وتوحيدنا وإسلامنا وتمسكنا بسنتنا وطاعتنا لربنا. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما يناسب ذكره في هذا المقام الحذر كذلك من رقاة السوء الذين يدعون أنهم يرقون بالكتاب والسنة، وهم في الحقيقة من الخرافيين ومن الكهنة والعرافين والمشعوذين. فإنهم يلبسون على الناس بإظهارهم السنة والقرآن، وهم في الحقيقة أعداء القرآن والسنة. وإن من علاماتهم أنهم يخلطون آيات القرآن بالكلام والقراءة غير المفهومة، ومن علاماتهم أن يطلبوا الطلبات الغريبة، ومن علاماتهم أنهم يتجيرون بهذه المهنة فيجعلونها سببًا للتجارة. فاحذر أيها المسلم من الذهاب لأمثال هؤلاء والاستماع لأمثال هؤلاء والتصديق لأمثال هؤلاء. وربما بعض هؤلاء يصدقون في واحدة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم مما يسترقه الشيطان من الغيب. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا والمسلمين ومجتمعاتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين بكل مكان. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في اليمن وفي العراق وفي سوريا وليبيا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا، واجعل ولايتك علينا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.