الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المفهوم العام للميزان يوم القيامة وأهميته في وزن الأعمال، حيث يتم التفريق بين من ثقلت موازينهم وهم المفلحون ومن خفت موازينهم وهم الخاسرون. الميزان يستخدم لإحصاء الأعمال ووزن الحسنات والسيئات.
يتم شرح تفاصيل الميزان يوم القيامة، حيث له كفتان ويستخدم لوزن الأعمال والحسنات والسيئات، وتثقل موازين أهل الإيمان بالحسنات، بينما تخف موازين من ليس له حسنات. هناك أدلة من الأحاديث النبوية على وجود الميزان يوم القيامة.
يتم مناقشة وزن العامل وأعماله يوم القيامة، وتقديم أدلة من القرآن والسنة على ذلك، مثل وزن الكافر الذي لا يزن جناح بعوضة، ووزن الأعمال الصالحة التي تثقل في الميزان.
تمت مناقشة مسائل الميزان وقد تم الاكتفاء بما تم شرحه على أن يستكمل الدرس في اللقاء القادم، مما يدل على أن الموضوع لم ينته بعد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: كل ميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدين. والميزان قد جاءت به الأدلة وأثبته أهل السنة على أنه ميزان ربنا جل وعلا، من كمال عدله سبحانه وتعالى، أراد أن يري كل أحد عمله، فجعل هذا الميزان. وهذا الميزان كما ذكرنا قبل، جاء في النصوص له مهمتان، ماذا يزن؟ وعلى ماذا؟ الميزان كما قلنا لإحصاء الأعمال، وهذا لكل أحد، الكافر والمسلم، وهذا الذي جاءت به أدلة القرآن. والميزان أيضًا يكون لوزن الحسنات والسيئات، وهذا لا يكون إلا لأهل الإسلام، وأما الكافر فليس له حسنات، لكن قد يفعل هذا، ومعه يوبخ بهذا الميزان، فتوضع سيئاته، أما حسناته فليس له حسنات. وقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۖ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، فهنا فسرت بمعنى موازينه، أي أعماله، أعماله صارت لا شيء في الميزان. وأنا أقصد أعماله الحسنة لا شيء، خفيفة جدًا، وإنما الذي ثقل هو الأعمال السيئة؛ لأنها كثيرة، ولأنها موجودة أصلًا، وأما الحسنات فلا يجد شيئًا. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. وخفت موازينه قد يكون لشيء، وقد يكون ليس لشيء؛ فقد يكون هناك شيئًا يوزن، وقد يكون لا شيء يوزن. فأما كان كما قلنا من الحسنات، فإذا حملنا هذه الآية على حسنات وعلى الأعمال، فإنها المراد بها أنه ليس له شيء أصلًا؛ فلهذا فميزانه خفيف. وأما أهل الإيمان فتثقل موازينهم بالحسنات. وهناك أيضًا أناس خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، عسى الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور رحيم. فأيضًا هذا الميزان له كفتان، جاء هذا في حديث عبد الله بن عمر، في الرجل الذي من هذه الأمة، الذي توزن سيئاته، ثم يقول الله عز وجل له: هل لك عندنا حسنة؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، فتخرج له بطاقة مكتوب فيها «لا إله إلا الله»، فيقول هذا الرجل: وما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع البطاقة في كفة، وتوضع السجلات في كفة، 99 سجلة، فتطيش هذه السجلات؛ لأن اسم الله عز وجل قد أثقلها. قال: «ولا يوزن باسم الله عز وجل شيئًا». وهذا الحديث دل على أن الميزان له كفتان. وعما أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، أنكروا الميزان، حتى تبجح المعتزلة وقالوا: «الميزان لا يحتاج له إلا البقال»، هكذا بهذا اللفظ. وهذه جرأة على النصوص؛ فلهذا في الميزان ثابت. وسواء كان قلنا الميزان الذي يزن فيه الأعمال، أو هذه الموزونات، فالميزان يزن فيه عدة أشياء: تزن الأعمال، وتزن الحسنات والسيئات، وتزن كذلك الصحائف، الصحائف التي تكون للعباد. وتزن أيضًا حتى العامل يوجد، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة. من ذلك ما جاء في الصحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالرجل الكافر يوم القيامة، فلا يزن عند الله جناح بَعوضة»، وقرأ قول الله جل وعلا في آخر سورة الكهف: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وأيضًا جاء عند أحمد، عن عبد الله بن مسعود -وليس سعود- لما قلع شجرة الأراك، وأراد أن يقتني أراكًا؛ لأن بعض الشجرة الأراك يكون فوق، فطلع الشجرة ويريد أن يقتني أراكًا، فضحك بعض الصحابة من دقة ساقه؛ كانت ساقه دقيقة جدًا، نحيفة، فضحكوا من دقة ساقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهما لفي ميزان الله عز وجل مثل جبل أحد»، أنا عظيمة تثقل في الميزان. فهذه الأدلة وغيرها أيضًا من الأدلة تدل على أن العامل أيضًا يوزن، يعني يوزن العامل والأعمال من الحسنات والسيئات، وكذلك الصحائف، وكل ذلك يوزن عند الله جل وعلا. فقوله: «فمن ثقلت موازينه» تحتمل كل هذه الأشياء، كل هذه الأشياء تدخل. ولهذا يدخل في قوله: «من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدًا»، فالكافر قد يوزن هو نفسه، قد يوزن نفسه بدون أعماله؛ لأنه ما عنده حسنات، فيوزن فيخف جدًا، حتى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يزن جناح بعوضة»، يؤتى بالرجل الكافر يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. فهذا ما يتعلق بمسائل الميزان، إن شاء الله وتعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق. الحمد لله رب العالمين.