الدرس في التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على رسالة فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. شرح مقدمة الرسالة وأهمية خطبة الحاجة وبراعة الاستهلال في الكتابة.
يتناول حكم صيام رمضان وأدلة فرضيته من القرآن والسنة وإجماع المسلمين. يشرح شروط وجوب الصيام على المسلمين البالغين العاقلين، ويبين حكم تارك الصيام وكفر من أنكر فرضيته.
لا يجب الصيام إلا على المسلم العاقل البالغ. يجب تعليم الأطفال الصيام من سن سبع سنين وإلزامهم به عند البلوغ، ويعرف البلوغ بعلامات معينة تختلف بين الذكر والأنثى.
هذا المقطع ينهي التحقيق في مسألة معينة ويؤكد أنها تتبع مذهب العديد من العلماء المشايخ. يختتم بالصلاة على النبي محمد.
درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على رسالة فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. وإليكم المادة المذكورة بين أيدينا: رسالة لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، مختصرة، سماها «فصول في الصيام والتراويح والزكاة»، ومناسبة لقرب رمضان، نقرأ فيها إن شاء الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى آله وأصحابه، واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا. أما بعد، فإنه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، فإننا نقدم إلى إخواننا المسلمين الفصول التالية، سائلين الله تعالى أن يجعل عملنا خالصًا لله، موافقًا لشريعته، نافعًا لخلقه، إنه جواد كريم. الفصول الأول في حكم الصيام، الفصول الثاني في حكمه وفوائده، الفصول الثالث في حكم صيام المريض والمسافر، الفصول الرابع في مفسدات الصوم وهي المفطرات، الفصول الخامس في التراويح، الفصول السادس في الزكاة وفوائدها، الفصول السابع في أهل الزكاة، الفصل الثامن في زكاة الفطر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه مقدمة شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، هذا العلم من أعلام أئمة الإسلام ودعاة السنة، رحمه الله رحمة واسعة. في هذه الرسالة ابتدأها بخطبة الحاجة، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتقدم معنا وتكرر في دروس كثيرة أن أهل العلم مختلفون، بعد اتفاقهم على استحباب افتتاح الكلام بذكر الحاجة، في كلمات، والخطب: هل تفتتح كذلك في الكتابات والمراسلات؟ على قولين مشهورين. والصواب - الله تعالى أعلم - أنه يجوز أحيانًا وأحيانًا، فما جاز في الخطاب جاز في الكتاب على الصحيح من أقوال أهل العلم. وقوله: «أما بعد»، كلمة يؤتى بها للفصل بين مقدمة الموضوع وأصله، ومعناها: مهما يكن من شيء بعد، فهو ما سيأتي. ولذلك فإن الفصيح أن تبدأ الجملة بعدها بالفاء، موذنة بالشروع المباشر والدخول في الموضوع. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابتدأ الجملة بعدها بغير الفاء. ونبه غير واحد من أئمة الإسلام الأعلام على هذه اللفتة اللغوية والسنة النبوية التي تدل على هذا المعنى. وهذا من فصاحة اللغة العربية. وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم الذي نزل القرآن، وبُعث بالإسلام، بلغة العرب، ونبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: «فإنه بمناسبة حلول شهر رمضان»، توطئة وتمهيد وشروع في المقصود، فيه براعة الاستهلال واختصار في المقام منه، رحمه الله تعالى. وهكذا ينبغي أن تكون الكتب المختصرة مقدماتها تليق بمضمونها، فإذا كان الكتاب كبيرًا كانت المقدمة توضح وتبين بقدر حجم الكتاب، وإذا كان الكتاب مختصرًا صغيرًا فإن المقدمة ينبغي أن تكون كذلك بقدر حجم الكتاب. وهذا من الفقه في الدين، ومن حسن التعامل مع العلم ومسائله. وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان في كتاباته وفي كلماته، حتى في صلاته. فلذلك الإسلام دين العدل والحكمة، ووضع الشيء في موضعه بما يكون به كمال وتمامه. فصلاة السفر اختصرت الرباعية إلى ركعتين لحاجة المسافر إلى هذا القصر، وصلاة الحضر جعلت أربعًا، وصلاة المسألة والدعاء والابتهال شرعت: قيام الليل، لأن المقام مقام الابتهال والدعاء والانكسار والانسكاب بين يدي الله عز وجل. وهكذا مقام الالتجاء في الكسوف جعلت الصلاة مطولة، وهكذا افتتحت الصلاة في الفجر بركعتين خفيفتين وقراءة طويلة لشهود القرآن في الفجر، وجعلت صلاة الظهر والعصر بغير قراءة. كل هذا لحكم، لما كان النهار وقت المعاش والضوضاء والأصوات، كانت صلاة النهار ليس فيها صوت؛ لأجل أن يخلو العبد بربه وخالقه، ويتفكر ويهدأ بعد كثرة الأصوات والضوضاء التي خرج بها. كل هذا من حكم أحكام الله وشريعته المحكمة المتقنة المليئة بالأسرار والحكم. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم: ركعتا الفجر ركعتين، لا يجوز أن يصلي الإنسان أكثر من ركعتين. وبخلاف الظهر، قبلها أربعًا وبعدها أربعًا لمن استطاع. وهكذا أيضًا لو تأملت ووقفت وقفات وجدت من الحكم والأسرار ما يدلك على مقاصد الشريعة الحكيمة النبيلة. وهكذا دين الإسلام: النظائر تلحق بعضها ببعض، والحكم يتبع بعضها بعضًا. فلما كانت الرسالة مختصرة كانت المقدمة مختصرة. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في كل مقام مقال، ولكل حال كذلك ما يناسبه. ثم ذكر الشيخ ما سيأتي ذكره على وجه الاختصار. وهذا أيضًا من ترتيب العلم: أن يذكر العلم مجملًا ثم يذكر مفصلًا، وهو مسلك من مسالك العلم المأخوذ من أدلة الشريعة وطريقة القرآن والسنة. فالقرآن أجمل كله بأم الكتاب: ما هي؟ سورة الفاتحة، فسورة الفاتحة هي أم الكتاب، وما بعد الفاتحة شرح وتفصيل لما ذكر في سورة الفاتحة. فالفاتحة أم الكتاب، فابتدئ القرآن - كتاب الله - بماذا؟ بسورة جامعة هي أم الكتاب، فهذا إجمال، وما بعده: تفصيل وتوضيح وبيان. فلذلك جرى طريقة أهل العلم إذا كتبوا يبدأون بشيء من الإجمال، ثم يشرعون بالتفصيل والبيان والتوضيح. وهذا يساعد في فهم العلم: أنك تأخذ الشيء مجملًا ثم تأخذه مفصلًا. فالآن لما ذكر لك هذه الفصول صارت هذه الفصول تعطيك صورة إجمالية مختصرة، تفهم المباحث التي سيأتي ذكرها شيئًا فشيئًا، واحدًا تلو الآخر. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الفصول الآتية. قال الشيخ عليه رحمة الله: الفصول الأول في حكم الصيام، صيام رمضان فريضة ثابتة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 183 - 185]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان»، متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «وصوم رمضان، وحج البيت». وأجمع المسلمون على فريضة صوم رمضان، فمن أنكر فريضة صوم رمضان فهو مرتد كافر، يستتاب، فإن تاب وأقر بفريضته فذاك، وإلا قتل كافرًا. وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات. والصوم فريضة على كل مسلم بالغ عاقل، فلا يجب الصوم على الكافر، ولا يقبل منه حتى يسلم، ولا يجب الصوم على الصغير حتى يبلغ، ويحصل بلوغه بتمام خمس عشرة سنة، أو نبات عانته، أو نزول المني منه بالاحتلام أو غيره، وتزيد الأنثى بالحيض. فمتى حصل للصغير أحد هذه الأشياء فقد بلغ، لكن يؤمر الصغير بالصوم إذا طاق، بأن لا يضره، ليعتاده ويألفه. ولا يجب الصوم على فاقد العقل بجنون أو تغير دماغ أو نحوه. وعلى هذا: فإذا كان الإنسان كبيرًا لا يهتدى ولا يميز، فلا صيام عليه، ولا إطعام. هذا الفصل الأول جعله رحمه الله تعالى في بيان مسائل حكم الصيام، وابتدأه بقوله: «صيام رمضان فريضة ثابتة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين». هذه تسمى: أدلة ومصادر التشريع، فمصدر فرضية صيام رمضان: كتاب الله، دليله الآية التي أوردها. قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وكما يدل على أن رمضان من فرائض الدين. ومن السنة أحاديث كثيرة، أشار إلى حديث ابن عمر في الصحيحين بقوله عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس». ومعناه: أن أركان الإسلام خمسة، فإذا ذهب واحد منها ذهب الإسلام. ولهذا قال شيخنا بعد ذلك: «وأجمع المسلمون على فريضة الصوم». وهذا الإجماع نقله غير واحد من أهل العلم، ودل عليه فعل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين. فمن أنكر فريضة الصوم فقد أنكر الركن من أركان الإسلام، وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. ومن أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفر، ويستتاب؛ لأجل أن يستفصل، إذا كان عنده شبهة، ربما كان حديث عهد بإسلام، أو كان عنده مانع وشبهة. فينبغي أن يستفصل، فإن بين ما عنده من عذر، يبين له. فمثلًا: قد يكون حديث عهد بإسلام، لا يدري بحكم الصيام، أو يكون كذلك عنده فهم خاطئ بسبب جهله، وعدم وجود من يعلمه، يظن أن الإسلام: الصيام على التخيير، أو يظن - بسبب مرض عنده - أنه من أهل الأعذار، ولا يفهم أن هذا المرض: فعلًا يجيز له الفطر أو لا يجيز له الفطر؟ وغير ذلك من الشبهة التي قد تكون. فإن بين له، وعلم أنه يجب عليه، فهنا يجب عليه أن يتوب، فإن تاب ترك، وإن أصر وآثر الإصرار على ترك هذه الفريضة فإنه يقتل. وكما قال العلماء بإجماع: أن من رضي بالقتل عن فعل الصيام فهو كافر؛ لأن المسلم لن يستنكف عن عبادة ربه بالصيام، ويُفضل القتل. ولهذا قال: «وقتل كافرًا». وذكر أن الصيام فرض في السنة الثانية، كما جاء عن عدد من الصحابة والتابعين. وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات؛ لأنه فرض في السنة الثانية، ومات النبي صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع في العاشرة، فأدرك تسع رمضانات عليه الصلاة والسلام. وقوله: «ولا يجب الصوم على الكافر، ولا يقبل منه حتى يسلم»؛ لأن الكافر يفتقر أن يدخل في الدين أولًا، فإذا دخل فيه بالشهادتين، أمر ببقية أركان الإسلام، كما في حديث ابن عباس - ومعناه - عن معاذ في الصحيحين: «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». وفي رواية: «أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن أقر بذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم»، الحديث. فعلم أن أركان الإسلام العملية تأتي بعد الشهادتين، ومن لم يأتِ بالشهادتين فلا يؤمر بها. وإن كان يعاقب عليها. فالصحيح من أقوال أهل العلم: أن الكافر يعاقب على أصل الكفر وترك الإسلام، وعلى سائر فروض الإسلام وشرائعه، فإنه يعاقب على ذلك جميعًا. كما قال الله عز وجل عن هؤلاء المشركين المجرمين، وهم يتحسرون: ﴿لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: 43 - 46]، فالله عز وجل يؤاخذهم على هذه كلها: تكذيبهم ليوم الدين، وعدم الصلاة، وعدم الصدقة، وغير ذلك من شرائع الدين وواجباته. ولا يقبل منه حتى يسلم؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من الكافر صرفًا ولا عدلًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]، فالكفر بالله ورسوله سبب في عدم قبول هذه الصدقة والنفقة. ولا يجب الصوم على الصغير حتى يبلغ، كذلك فريضة الصيام كغيرها من شرائع الدين، يؤمر الصبي بتعلمها، وهو ابن سبع سنين، ويلزم بها ابن عشر سنين على وجه التعليم، وتكون واجبة ببلوغه. فهناك وجوب تعليم، وهناك وجوب مؤاخذة، وجوب التعليم لأجل هذا على وليه، ليس على الصبي، الولي عليها: أن يعلمه من سن عشر؛ حتى لا يصل سن البلوغ إلا وقد تهيأ وتعود فعل هذه الواجبات، لا تكون عليه ثقيلة، ويخطئ بعض الآباء: يأمر الأبناء عند البلوغ، فعند ذلك يحصل التكاسل واستثقال هذه الواجبات. لماذا؟ لأنه ما تعود عليها. لكن إذا عود على هذه العبادات والطاعات من الصغر، جرت في قلبه وسرت في جوارحه ودمه، حتى صار حبها متعلقًا، فعند ذلك لن تكون ثقيلة عليه. وهذه الحكمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»؛ لأجل أن يتدرج في فعل الواجبات وحبها. هذا على الآباء. وأما الأبناء: متى يجب عليهم؟ يجب عليهم من سن البلوغ، ويعرف البلوغ كما ذكر الشيخ بأربع علامات للأنثى، وثلاث علامات للذكر. أما العلامات التي للذكر فهي: الإنزال، والثانية: بلوغ سن خمس عشرة، والثالثة: إن نبتت العانة. وتزيد الأنثى بصفة رابعة، وهو نزول دم الحيض الذي تعرفه النساء. فهذه أربع علامات للأنثى، وما ذكر أولًا: ثلاث علامات للذكر وللأنثى معًا، فيعلم بهذا: أن من بلغ هذا السن فإنه يؤاخذ ويأثم إذا ترك هذا الواجب. ويخطئ الكثير من الآباء والأمهات، خصوصًا في التساهل في عدم تعليم الأبناء والبنات، خصوصًا وجوب الصيام عند البلوغ. فبعضهم يظن أن الصيام يجب عند بلوغ خمس عشرة؛ حتى ولو بلغت البنت أو بلغ الولد قبل سن خمس عشرة، وربما في بلادنا - البلاد الحارة - يكون البلوغ قبل سن خمس عشرة، فالواجب إذن: إذا ظهرت أحد علامات البلوغ أن يؤمر الابن أو الابنة بالصيام، بل ينبغي أن يعلم من سن عشر سنوات كما تقدم معنا. فإذا بلغ سن اثنتي عشرة سنة أو أقل أو أكثر، وجب إلزامه، ولو لم يبلغ سن خمس عشرة. فننتبه لهذا. وأعظم من هذا: من يظن بعض الناس أنه يكون من سن ثماني عشرة، وهذا خطأ آخر، خلاف ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. كذلك لا يجب الصوم على فاقد العقل، وفاقد العقل هو: من عنده مانع من فهم وإدراك هذه الواجبات، سواء كان بجنون أو بغيبوبة أو بعته أو بغيره من المعاني الأخرى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وضع - وفي رواية: رفع - القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم»، وهذه علامة من علامات البلوغ، ومر معنا: أن علامات البلوغ ثلاث للذكر، وأربع للأنثى. «وعن المجنون حتى يفيق»، وفي رواية: «عن المعتوه حتى يفيق». والفرق بين المجنون والمعتوه: أن المجنون الذي ليس عنده إدراك أبدًا، والمعتوه الذي عنده شيء من الإدراك، لكنه لا يفهم الخطاب، ولا يحسن تطبيق العمل. فالمجنون قد يمشي عريانًا، لكن المعتوه ما يمشي عريانًا، يعرف العيب ويعرف الحياء، يعرف بعض الأوامر، لكنه لا يحسن أن يميز: اليوم رمضان، وأمس شعبان، ولا يستطيع أن يميز: أن الصيام من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس، هذه الدقائق ثقيلة عليه، عقله لا يتحمل، له حد معين، فهمه بطيء وثقيل. فمثل هذا يعلم قدر المستطاع. ولهذا قال: «حتى يفيق». وهل يفيق المعتوه أو المجنون؟ الجواب: نعم قد يحصل، وهذا قليل، قد يكون الجنون بسبب السحر، أو بسبب كذلك العين، أو مرض حسي أو عضوي. فبعضهم يبلغ إلى سن البلوغ أو يقارب، فيرجع له عقله، أو يموت الساحر فيرجع له عقله، أو يكون عنده عته يعالج ويعالج ويعالج حتى يتحسن إدراكه وفهمه. فمن أفاق وجب عليه، وقبل ذلك لا يجب عليه. وهكذا صاحب الغيبوبة من الناس: من تحصل له حوادث سير أو غير ذلك، فيدخل في غيبوبة كلية أو جزئية. وبعض هذه الغيبوبة تكون سببًا في عدم الإدراك، فعند ذلك يرفع عنه القلم كذلك. ونظائر هذا كثير، فالمقصود: من لم يدرك الخطاب فإنه يرفع عنه القلم. والنائم حتى يستيقظ، أدخل العلماء في النائم: صاحب الغيبوبة العميقة. فبعض الناس يصير له حوادث سير، فيدخل في نوم ستة أشهر، سنة، سنتين، أكثر، أقل، ثم يفيق يستيقظ. فإذا استيقظ: هل يؤمر بقضاء ما مضى؟ من أهل العلم من قال: يؤمر بقضاء ما مضى، ومن أهل العلم من قال: لا يؤمر بقضاء ما مضى. والصحيح: أننا نفصل بينهما، فإذا كانت هذه الغيبوبة في اليوم الواحد فإنه يؤمر بقضاء ما مضى، وإن كانت الغيبوبة أكثر من يوم فإنه لا يؤمر بقضاء ما مضى. والدليل: حديث أبي هريرة في المسيح في صلاته، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصلاة الحاضرة، ولم يأمره بقضاء ما فات من صلوات. وما فات من صلوات. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، هذا هو النوم المعتاد، والنوم المعتاد إنما يكون في يوم أو أكثر من يوم، في يوم، ليس أكثر من يوم. ولذلك: من نام يومًا أو دخل بغيبوبة يوم، ونحوه، فهذا يلحق بالنائم، يقضي ما فاته. ومن كانت غيبوبته أكثر من يوم، فالصحيح: أنه يلحق بفقدان العقل والجنون، فلا يجب عليه قضاء ما فاته. هذا هو التحقيق والتفصيل في هذه المسألة، وهو مذهب كثير من مشايخنا وعلمائنا، ومنهم شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، وشيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله، وغيرهما من أهل العلم. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.