الدرس في كتاب الزكاة 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع خلاف العلماء في زكاة المعدن والركاز، حيث لا يشترط الجمهور الحول بينما يشترطه الشافعي في الذهب والفضة فقط. والصحيح أن الركاز فيه الخمس يصرف في مصارف الزكاة، أما المعادن غير الذهب والفضة فلا زكاة فيها، والذهب والفضة فيهما ربع العشر بعد الحول عند الشافعي.
يؤكد المقطع وجوب زكاة الفطر بدليل حديث ابن عمر، ويرد أقوال من قال بعدم وجوبها أو قصرها على الصائمين. ويبين أن الجمهور يوجبونها على كل مسلم صغيراً كان أو كبيراً حتى المولود قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان.
يفصل المقطع في أحكام زكاة الفطر عن العبد المشترك بين شريكين، موضحاً خلاف أبي حنيفة للجمهور في هذه المسألة. كما يبين أن الصحيح عدم وجوب زكاة على العبد الكافر لأن زكاته غير مقبولة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: طيب، قال المصنف رحمه الله: فصل في زكاة المعدن والركاز. لا يعتبر فيها الحول إلا في قول الشافعي. يقول المؤلف رحمه الله: "زكاة المعدن والركاز لا يعتبر فيها الحول إلا في قول الشافعي". ومعنى "لا يعتبر فيها الحول": متى ما وجدها أخرجها. على الركاز كما ذكرنا قبل: أنه دفين الجاهلية، ما يجده من دفين الجاهلية هذا يسمى ركاز. وعنده أيضًا جمهور أهل العلم - غير الشافعي - أن المعدن فيه زكاة أيضًا مثل الركاز، إلا أن الشافعي رحمه الله يرى أن المعدن الذي يكون فيه الزكاة هو الذهب والفضة فقط، وهذا قول صحيح. ولهذا يرى أيضًا حولان الحول. أنا الآن: المعدن التي في الأرض: الزنك، القصدير، الحديد، وغيرها من هذه المعادن، هذه اختلف العلماء فيها: هل فيها زكاة أو لا؟ فقول جماعة منهم مالك وغيره: أنها فيها زكاة. وقول الشافعي ورواية عن أحمد: أنه ليس فيها زكاة إلا الذهب والفضة، وهذا هو الصحيح؛ لأن هذه المعادن لم يأت فيها دليل على زكاتها. لكن الذهب والفضة جاء ما يدل على زكاتها. فإذا أخرج الذهب والفضة من المعادن الموجودة في الأرض، فإذا وجد الإنسان ذهبًا يقول الشافعي رحمه الله: فيه زكاة، لكن متى؟ بعد الحول، بمعنى: يشترط فيه حولان الحول. طيب، قالوا: اختلفوا، والصحيح أنه لا يشترط فيه حولان الحول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الركاز الخمس". وفي الركاز الخمس: ما إذا وجد الركاز أخرج الخمس. معنى: إذا باع هذا الركاز - دفين الجاهلية - باعه وتحصل على مال، يخرج الخمس. يقسم المال إلى خمس أقسام، يخرج خمس هذا المال، بمعنى: قسم من هذه الأقسام، والأربعة الأقسام تكون ملكه. قالوا: اختلفوا في قدر الواجب في المعدن. قال أبو حنيفة وأحمد: يجب الخمس، بمعنى: في المعدن مثل الركاز. وقال مالك والشافعي: ربع العشر، أي مثل الذهب والفضة. ولأن الشافعي يرى أنه لا زكاة إلا في الذهب والفضة. والصحيح: أن المعدن ليس فيه زكاة أصلًا، وإذا كان ذهبًا وفضة ففيه ربع العشر على قول الشافعي رحمه الله ومالك. واختلفوا في مصرف المعدن. قال أبو حنيفة: مصرفه مصرف الفيء، إن وجده في أرض الخراج أو العشر، وإن وجده في داره فهو له ولا شيء عليه. وقال مالك وأحمد: مصرفه مصرف الفيء، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [الحشر: 7]. يعني: هذا الخمس لمن يخرجه لهؤلاء. مصرف الفيء، مصرف الفيء. وقال الشافعي: مصرف الزكاة، وهذا هو الصحيح: أنه يخرج مصرف الزكاة. وأما مصرف الفيء فهذا قياس. والعاصل أن هذه الأموال تتصدق بها على أهل الزكاة، فيخرج مخرج الزكاة ويعطى للفقراء أو المساكين أو العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، وفي الركاز إلى غيره. فالصحيح عند الشافعي: أنه يخرج في مصرف الزكاة. قالوا: عن أحمد قولان: أحدهما كالفيء، والثاني كالزكاة. وهذا الذي أيضًا انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية: على أنه يخرج مخرج الزكاة، أو يصرف مصرف الزكاة، يصرف مصرف الزكاة كما تقدم معنا للأصناف الثمانية، يخرج للأصناف الثمانية. ولعله سيأتي إن شاء الله الكلام على هذا: على من يعطى الزكاة؟ فتعطى للأصناف الثمانية. وهل لابد أن يعطى للأصناف الثمانية كلها؟ لا، الصحيح أنها لو أعطيها واحدة. وهذا قول جمهور أهل العلم، وخالف الظاهرية، قال ابن حزم: لابد أن يعطى كلهم، وهذا ليس صحيحًا. طيب، فلذلك فالصحيح أنه كالزكاة، يدخل في مصرف الزكاة. أن الخمس هذا الذي يخرج مثلاً من الركاز: الآن إنسان وجد دفين الجاهلية، أشياء من قدم الجاهلية، وجدها مدفونة. إذا كان وجد مثلاً ذهبًا مضروبًا على أشكال: سِكك، أو وجد مثلاً حزامًا، أو وجد كذا، هل هذا يعتبر من دفين الجاهلية؟ لا، ما يعتبر من دفين الجاهلية، هذا يعتبر لقطة: يعرفه سنة، يعرفه في الأماكن العامة، المجامع، مجامع الناس، الأماكن التي تتعلق بهذه الأرض مثلاً التي وجد فيها هذا الدفين، وغير ذلك. فإن لم يجد أحدًا فاستمتع بها، أن يتصرف فيها بعد السنة إذا عَرَّفها. فأما إذا كان ركازًا فإنه يصرفه في مصارف الزكاة. وجد دفين الجاهلية، أو وجد ذهبًا وفضة معدن الذهب أو الفضة، فإنه يخرجه مخرج الزكاة أيضًا. إن كان لا يستطيع أن يخرجه هكذا لأنه خام، معانِصِل، فيحتاج إلى إدخاله في النار وإدخال معه شيء من المعادن حتى يتقوى. فهنا إما أنه يبيعه وهو خام - خام: بمعنى المادة الأصلية التي له، يسمونها خام - وإما أن يصلحه ويدخله الكير، ثم بعد ذلك يبيعه. فله كل ذلك، لكن يخرج الخمس: إذا باعه يخرج الخمس من قيمته، وإذا ضربه يخرج الخمس من ضربه. أنا جعل أشكالًا أو صَفائح، جعل صفائح ذهبية، يقسم هذه الصفائح. مثلاً جاءته مئة صفيحة، مئة صفيحة يقسمها إلى خمس أقسام، كل قسم عشرون صفيحة، صفائح. يخرج العشرين، والثمانون يكون له. يخرج عشرين صفيحة، هذه ربع أو الخمس، فيخرجه في الزكاة ويعطيها الفقراء المساكين إلى آخر الآية. طيب، قال: وقال مالك: هو كالغنيمة والجزية، يصرف الإمام بحسب ما يراه من مصلحة. وهذا قول قوي أيضًا، قول مالك قوي: أنه يصرف الإمام بحسب ما يراه من مصلحة. لأن الشرع لم يعين أين تصرف هذه الأموال، سواء كان الركاز أو المعادن أو غيرها. لكن قلنا: تصرف مصارف الزكاة، لأن الأصل في هذه الأشياء أنه تصرف مصارف الزكاة. وهنا مالك رحمه الله جعلها كالغنيمة والجزية، يصرف الإمام بحيث ما يراه من المصلحة، يعني: يعطى هذا الخمس للإمام. وهذا يوافق الآن، يوافق الآن ما يفعله الحكومات. لكن الحكومات الآن تستولي على مثل هذه الأشياء: إذا وجد مثلاً شيء عام، إذا وجد مثلاً ذهبًا أو معدنًا مثلاً حديدًا أو غيره، فإن الدولة تستولي عليه، ممكن أنها تعوض هذا الشخص بأرضه وتعوضه بالمال وكذا، لكن يكون تحت إشرافهم، وأيضًا الربح يكون لهم. طيب، قال: وزكاة المعدن تختص بالذهب والفضة عند مالك والشافعي دون غيرهما من الجواهر. وزكاة المعدن تختص بالذهب والفضة عند مالك والشافعي دون غيرهما من الجواهر. وقال أبو حنيفة: المعدن كلما يستخرج من الأرض مما ينطبع، كالحديد والرصاص. وقال أحمد: تتعلق الزكاة بالمنطبع وغيره، حتى الكحل. وهذا تعميم من الإمام أحمد. الآن كما ذكرنا: اختلف العلماء في مسألة زكاة المعدن، هل فيه زكاة أو لا؟ المعادن كثيرة: منها ما ينطبع، ما ينطبع: ما يدخل النار فيتقوى، وهذا مثل الحديد والذهب والفضة والزنك والقصدير والرصاص. ومنها ما لا ينطبع كالكحل، الكحل من المعادن، الملح، هذه ما تنطبع، بمعنى: ما تدخل في النار، بل هي بذاتها تستعمل. فيقول: زكاة المعدن تختص بالذهب والفضة عند مالك والشافعي دون غيرهما من الجواهر. أنا مثلاً: الماس، الزمرد، أيضًا جواهر البحر: اللؤلؤ والمرجان، وغيرها من الجواهر، هذه وإن كانت أحيانًا بعضها أثمن أو قيمته أعلى من قيمة الذهب والفضة - أعلى من قيمة الذهب عن بعض هذه الجوهرات، الآن تباع بقيمة أغلى من قيمة الذهب والفضة - لكن ليس فيها زكاة. لماذا؟ لأنه لم يدل على ذلك دليل. وهذا قول الجمهور: أنها ليس فيها زكاة، إلا إذا كانت استخرجت من الأرض. إذا استخرجت من الأرض فإن أكثر أهل العلم يقولون: أنها فيها زكاة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 267]. فقالوا: كل ما خرج من الأرض ففيه الزكاة. لكن الصحيح: أن هذه الأشياء عين الذي يخرج من الأرض، عين ما فيه الزكاة. فلذلك فليس المراد أن كل ما يخرج من الأرض يزكى، لأن هذا لم يقل به أحد. فإدخال أشياء من هذه الأمور يحتاج إلى دليل، ويحتاج إلى تخصص؛ لأن العام الذي لم يخصص بشيء معين لا يخصصه إلا شرع. قالوا: قال أحمد: تعلق الزكاة بالمنطبع وغيره، حتى الكحل. فالآن خلاصة ما يذكر في هذا الباب: أن زكاة المعادن تختص بالذهب والفضة، وهو الصحيح. تختص بالذهب والفضة، ويخرج ربع العشر، ويخرج ربع العشر، لا الخمس. الخمس في الركاز. أما إذا وجد ذهبًا فضة ففيه ربع العشر؛ لأن الذهب والفضة فيها ربع العشر كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. طيب، قال: باب زكاة الفطر. زكاة الفطر: قال: واجبة. قال الأصم ابن كيسان، وابن اللبان من الشافعية: مستحبة. زكاة الفطر واجبة لقول النبي عليه الصلاة والسلام، لقول ابن عمر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين". طيب، قال: وقال الأصم ابن كيسان وابن اللبان... الأصم هو عبد الرحمن بن كيسان الأصم. قال الأصم وابن كيسان، لعله حصل سهو هنا، ما قال: قال الأصم وابن كيسان، لعله وابن عليا؛ لأن الأصم هو نفسه ابن كيسان، أبو بكر بن كيسان الأصم. والظاهر أنه أراد أن يقول: قال الأصم وابن عليا. وابن عليا هو إبراهيم بن إسماعيل. هنا المعلق قال: إسماعيل بن إبراهيم المتوفى سنة 194، وهذا خطأ. ابن عليا هذا ليس هو إسماعيل بن إبراهيم. إسماعيل بن إبراهيم ليس من تلاميذ الأصم. إسماعيل بن إبراهيم هذا والد الإمام البخاري، المحدث المشهور، الذي كان من أشد الناس تثبتًا من أهل البصرة. إسماعيل بن إبراهيم ابن عليا. لكن هنا المقصود بابن عليا: هو إبراهيم بن إسماعيل، صاحب عبد الرحمن بن كيسان الأصم، أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، صاحبه هذا إبراهيم بن إسماعيل بن عليا. وكلاهما جهمي، كلاهما جهمي. فعن الأصم: جهمي معتزل، وكذلك إبراهيم بن إسماعيل. ترك أباه وذهب إلى عند هذا الرجل، كذلك ابن اللبان من الشافعية. ابن اللبان هو محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، وكان من فقهاء الشافعية. هؤلاء قالوا بأن زكاة الفطر ليست بواجبة. والصحيح أن زكاة الفطر واجبة. زكاة الفطر واجبة لقول ابن عمر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر". فهي فرض. لو قال قال مثلاً: هذا حكاية عن ابن عمر أنه فرض، نقول: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون الألفاظ وما تحتمله الألفاظ من المعاني. فقوله: "فرض رسول الله"، أي أنه فرضها، أمر، فرض أمر فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرض أمر. فلذلك فزكاة الفطر واجبة. زكاة الفطر فرض، وعين على كل مسلم. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس على المرء المسلم في عبده ولا فرسه زكاة إلا زكاة الفطر". أي: في العبد يخرج عنه زكاة الفطر. فلذلك فزكاة الفطر لا تسقط إلا عن من؟ من كان فقيرًا معدومًا. وإلا من كان معه قوته وقوت عياله يوم العيد وليلتهما، وعنده فاضل، فتجب فيه زكاة الفطر كما سيأتي. قال أبو حنيفة: واجبة وليست فرض. معنى زكاة الفطر عند أبي حنيفة: واجبة وليست فرض. والتفريق عند الحنفية بين الواجب والفرض: يقولون أن الفرض يأتي متواترًا، إما بالقرآن أو بالأحاديث المتواترة، والواجب لا يكون متواترًا. وهذا كلام باطل، والتفريق غير صحيح، والتفريق غير صحيح. بل هنا لا فرق بين الواجب والفرض. قال: وهي واجبة على الصغير والكبير. قال: وعن علي رضي الله عنه أنها واجبة على من أطاق الصوم والصلاة. وقال الحسن البصري: لا تجب إلا على من صام وصلى. والذي دلت عليه الدلالة أنها واجبة على الصغير والكبير، على الصغير والكبير، سواء أطاق الصوم أو لم يطق، أطاق الصوم أو لم يطق. لهذا جمهور أهل العلم يوجبونها حتى على الصبي، يوجبونها حتى على الصبي. إذا ولد قبل العيد، فأنا ولد في رمضان، فتجب عليه الزكاة، تجب، يخرج عنه، يجب الإخراج عنه. حتى لو كما قلنا: معنى ولدت المرأة في آخر رمضان، ولدت العصر، لو ولدت بلحظة قبل أن يؤذن المغرب، يعتبر فيه الزكاة، معنى يخرج عنه زكاة. وأما إذا أذن المغرب ثم ولدت، هذه ليس فيها زكاة. أنا في آخر يوم من رمضان: إذا كانت ولدت بعد غروب الشمس ليلة العيد، لا زكاة، أو لا تخرج عنه زكاة. وإذا ولد قبل انتهاء رمضان، قبل ليلة العيد، فإنه يخرج عنه زكاة. فلذلك فهي واجبة على الصغير والكبير، واجبة على الصغير والكبير. وهذا قول جمهور العلماء. قال: وقال الحسن البصري: لا تجب إلا على من صام وصلى. قال: وتجب على الشريكين في العبد المشترك عند الثلاثة. قال أبو حنيفة: لا زكاة عليهما. تجب على الشريكين في العبد المشترك عند الثلاثة، معنا: تجب عليهما معًا الزكاة. إذا كان مثلاً اثنان مشتركان في عبد، فيخرجان الزكاة عنه، يخرجان زكاة الفطرة: هذا نصف صاع، وهذا نصف صاع. قال: وقال أبو حنيفة: لا زكاة عليهما. ومن له عبد كافر، قال أبو حنيفة: تلزم السيد زكاة، خلافًا للثلاثة. الصحيح أنه لا زكاة عليه؛ لأنه كافر، والعبد الكافر لا زكاة عليه؛ لأنه لا تقبل زكاته. طيب، إن شاء الله نكمل هذا، ونكمل في الدرس اللاحق.