الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 601، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يتحدث عن حماد بن سلمة وروايته عن ثابت البناني، ويبين آراء العلماء فيه وتأثير تغير حفظه في آخر عمره على روايته للأحاديث. كما يشير إلى حديث صحيح رواه عن ثابت.
يشرح المقطع حديثا عن بكاء النبي ﷺ في الصلاة، ويوضح كيفية بكائه بصوت منخفض، ويتناول آراء الفقهاء حول حكم البكاء في الصلاة وتأثيره على صحة الصلاة.
يُشير المقطع إلى أهمية البكاء من خشية الله تعالى، ويقدم أمثلة من حياة النبي ﷺ والصحابة، ويبين فضل البكاء وأثره في لين القلب وزيادة الإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى، وسليمان بن الأشعث السجستاني: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، قال: أخبرنا يزيد -يعني ابن هارون، وهو أبو خالد الواسطي-، قال: أخبرنا حماد -يعني ابن سلمة- عن ثابت. محمد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت، حتى ذكر الإمام مسلم الإجماع في هذا على أن أثبت الناس في ثابت هو حماد بن سلمة. وقال أيضا أحمد: حماد في ثابت يمتحن به، حماد في ثابت يمتحن به، معنى ينظر في حديث الناس هل وافقوا حمادا في ثابت أم لم يوافقوا، فإن وافقوا فحديثهم صحيح، وإن لم يوافقوا فحديثهم غير صحيح. وحماد في الأصل أنه ثقة، إلا أنه أخذ عليه بعض الأشياء التي قد يكون أيضا جعلت حديثه فيه ضعف، منها تغيره في آخر عمره، ومنها أيضا كذلك أنه اعتمد على حفظه في نقل الأحاديث، كانت عنده أجزاء فنقلها إلى مصنفات عنده، كتاب التوحيد عنده، كتاب المسند، فالظاهر أنه نقلها من حفظه فأخطأ في أشياء. وأيضا من الأمور التي أخذت على حماد أنه كان يجمع بين المشايخ ولا يفرق بين رواياتهم. وأيضا وجدت أوهام في حديثه، لكن عن بعض المشايخ، لكنه عن ثابت كان متثبتا. قال حماد بن سلمة: عن ابن سلم، عن ثابت -وهو ابن أسلم البناني- من أصحاب أنس، لازم أنسا في البصرة، وكان رجلا عابدا عالما. قال: عن ثابت، عن مطرف -وهو ابن عبد الله بن الشخير العامري-، والله أخ يقال له يزيد بن عبد الله بن الشخير، يكنى بأبي العلاء. وأيضا يروي عن أبيه. وكذلك أيضا له أخ آخر يقال له هاني أو هانئ ابن عبد الله بن الشخير، وأبوهم صحابي كما في هذه الأحاديث. قال: عن نبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء عليه الصلاة والسلام. قال: حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، قد وثقه النسائي والدارقطني، بل قد توبع. قال النسائي: يخبرنا سعيد بن نصر -وهو المروزي-، قال: أنبأنا عبد الله -وهو ابن المبارك- عن حماد بن سلمة. تابعه، هي تابع عبد الرحمن بن محمد بن سلام في حماد بن سلمة، عبد الله بن المبارك أو سويد بن نصر، لأنه مقابلة. تابعه متابعة قاصرة، تابعه متابعة قاصرة. وعبد الله بن المبارك تابع يزيد بن هارون متابعة تامة، لأنه مشترك في الشيخ، وهو حماد بن سلمة، فمتابعة عبد الله بن المبارك ليزيد بن هارون متابعة تامة، لأنه تابعه في شيخه. وسويد بن نصر تابع عبد الرحمن بن محمد بن سلام في شيخ شيخه، فيعتبر متابعة قاصرة. فالحديث صحيح. وقد رواه أكثر من واحد عن ثابت، أو عن حماد بن سلمة. أقصد: قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى. في رواية: وفي بعض الروايات كأزيز المرجل. الرحى هي التي يطحن بها، الحديد التي يطحن بها تسمى رحى، على يطحن بها الطحين كما قديما. والمرجل هو الطشت الذي يوضع فيه ماء ثم يغلى. فقال عبد الله بن الشخير: رأيت النبي ﷺ يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. من البكاء. وفي هذا الحديث عدة فوائد ومسائل، من تلك المسائل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يرفع صوته إذا بكى في الصلاة، كان لا يرفع صوته إذا بكى في الصلاة، وإنما بكاؤه أزيز كأزيز المرجل، مثل المرجل الذي الطشت الذي يغلي فيه الماء، معنى يسمع صوت الطشت الذي يغلي فيه الماء مثله. فما كان يبكي بكاء يسمع فيه الصوت، أي في الصلاة، وإنما كان يبكي بصدره، أنه يجعل البكاء في صدره. وهذا غالبا ما يكون البكاء من الصدر، إلا لأن هذا البكاء حقيقي. وأيضا بهذا فيه مسألة هناك، إذا بكى وأخرج حروفا، مثلا بكى برفع الصوت، مثلا قال: آه، ورفع صوته وأخرج حروفا مع البكاء، هل صلاته صحيحة؟ فعند الشافعية صلاته غير صحيحة، وعند الحنابلة أنها صحيحة، وهو القول الصحيح في مذهب الحنابلة أنها صحيحة، لأنه لم يقصد إخراج الحروف. وهذا أيضا مذهب مالك. وليس البكاء كلمة، وليس البكاء كلمة. وهذه المسألة أيضا في النحنحة، وفي النحنحة وأيضا التثاؤب، أن بعض الناس مثلا إذا تثاؤب تجد يخرج حروفا آخر شيء، مثلا يقول: آه، فهذا خروج حروف في تثاؤبه. فعند الشافعية يعتبر صلاة غير صحيحة. وصحيح أنه هذا لا يعتبر كلاما أصلا حتى يقال أنه يبطل الصلاة. وبعض العلماء يفرق -كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في بعض كتبه- يفرق بين البكاء الذي يكون لأجل الخشوع، خشع في الصلاة، فبكى هذا يقول أنه ولو أخرج حروفا لا يبطل. وهناك بكاء ليس لأجل الصلاة، وإنما تذكر مثلا أمه، تذكر أباه، تذكر مثلا أحد أقاربه وأحبابه في الصلاة، فبكى فأخرج حروفا، وهنا قال أنه يبطل. وهذا التفريق قد يحتاج إلى دليل، لأنه كله بكاء، والمقصود هو إخراج الحروف. فالصحيح أنه لا يبطل الصلاة، لا يبطل الصلاة إذا كان بكاء فقط، وليس فيه كلام. أيضا فيه استحباب البكاء في الصلاة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يبكي، وكان الصحابة رضي الله عنهم. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما قال النبي ﷺ: «مر أبا بكر فليصل بالناس»، قالت: إن أبا بكر رجلا أسيف -أي حزين-، فإذا قام يصلي لا يسمع الناس من البكاء، لا يسمع الناس من البكاء. وجاء أيضا في الصحيحين في حديث عائشة: أن النبي ﷺ لما أخرجه قومه، جاء -دخل في جوار ابن الدغنة- أدخله في جواره، فابتنى مسجدا عند بيته، فكان يقرأ القرآن ويصلي، حتى رأى مشركو قريش أنه قد صرف النساء والأولاد بهذا، فطلبوا من ابن الدغنة أن يلغي جواره لأبي بكر. وهكذا كان السلف رحمه الله، تجد الرجل يبكي طوال الليل. وهذا أيضا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في عدة حوادث وواقعات. وكان السلف رضي الله عنهم أيضا يفعلون هذا. كان عمر له خط من كثرة بكائه في الصلاة، كذلك ابن عباس، كذلك أيضا جماعة من الصحابة، وكذلك جماعة من السلف. فكانوا يقرأون ويتدبرون القرآن ويتذكرون، حتى قالوا: مما ذكر أن أبا حازم سلمة بن دينار المدني مرة كان يصلي، فأخذته العبرة فبكى، وبكى بكاء شديدا حتى خاف عليه أهله، فأرسلوا إلى محمد بن كعب القرظي صاحبه، فأرسلوا إليه أن يأتي ليعزي حازم أن يسأله ما الذي جعله يبكي هذا هكذا. فأرسلوا إلى محمد بن كعب القرظي، فجاءهم، فقال له: ما لك يا أخي تبكي؟ فقال: تذكرت يوم لقاء الله، وذكر له شيئا فبكى معه محمد بن كعب القرظي. فقال أهله: جئنا بمحمد بن كعب القرظي لأجل أن يسكته، فبكى معه. فمن كانت دمعته سريعة كان قلبه رقيقا وارقا. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن خير أوعية الله عز وجل في هذه الأرض أوعية»، معنى تحمل هذا العلم وتحمل الخير. «وإن أفضل أوعية الله عز وجل ألينها»، أو قال: «وأن أوعية الله عز وجل في الأرض قلوب عباده الصالحين، قلوب عباده الصالحين، وأحبها إلى الله ألينها، وأحبها إلى الله ألينها». أن الذي يكون أرق يكون أحب إلى الله، عنده رقة في التعاب، وعنده رقة أيضا كذلك في المشاعر. ومن سكنت عينه ولم تبكي عينه، فهذا يدل على قسوة في القلب، قسوة في القلب. فكلما كانت دمعة العين تخرج لأجل الله عز وجل، فهذا يدل على رقة القلب. وليس المراد التظاهر بهذا، لأن كل إنسان يعامل ربه جل وعلا. والنبي عليه الصلاة والسلام قال -كما جاء في السنن-: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله، هاتان عينان لا تمسهما النار. وهذا فضل عظيم في البكاء من خشية الله جل وعلا. وهذا الباب واسع، وفضل البكاء من خشية الله عظيم، وأجره عظيم، وكذلك أثره عظيم، كذلك أثره على القلب عظيم. فالقلب يتأثر بهذا البكاء ويلين، وأيضا يرجع إلى الله وينيب إلى الله. فلهذا هذا البكاء يستعين به العبد الصالح على مرضاة الله جل وعلا، والإقبال على الله جل وعلا بالطاعة. فهذا إن شاء الله ما يذكر. والله تعالى أعلم.