الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدعاء هو أحد الأسباب الشرعية لجلب الرزق والعافية، وقد وعد الله تعالى بالاستجابة لمن يدعونه. ينبغي على المسلم أن يلجأ إلى الله بالدعاء في كل حاجاته.
يُنصح من ابتلي بالعقم أو المصائب أو ضيق الرزق بالتوجه إلى الله بالدعاء، حيث يُذكر في المقطع أمثلة لأنبياء الله الذين دعوا الله فاستجاب لهم. الله بيده كل شيء وهو القادر على تفريج الكروب وتحقيق الأماني.
الدعاء هو وسيلة فعالة لطلب الرزق من الله، حيث علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله بطلب الرزق مع المغفرة والرحمة والعافية. يجب على العبد أن يلح في الدعاء ويصبر حتى يستجيب الله له.
يؤكد على أهمية الدعاء وضرورته، ويطلب من الله أن يلطف بهم ويرشدنا إلى ما قاله، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. الدعاء هو مفتاح كل خير للمسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من الأسباب الشرعية، إخواني في الله، التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة في سبيل أن يتحصل على رزق من الأرزاق، ما يكون من الإقبال على الله بكثرة الدعاء. الدعاء، إخواني في الله، مع أنه من الأمور السهلة، بل والميسرة، ولا يحتاج بالناء إلى جهد وعناء، ومع ذلك نجد أن الكثير من الناس في صد وإعراض، وما ذاك إلا من غفلتهم لعظيم هذا السبب الذي جعله الله جل وعلا بين أيدينا. إخواني في الله، إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر في محكم التنزيل أنه قد وعد عباده الصالحين أنه متى ما أقبل عليه بالدعاء فإنه سيستجيب لهم ولو بعد حين، كما قال جل في علاه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فالله عز وجل قد تكفل بالإجابة، فما الذي يدور في خلدك أو في ذهنك أو في صدرك من حاجة ومن أمر ومسألة، اعرضه يا عبد الله على الله، فالله جل وعلا سيحقق لك المراد. بل أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم مدى كرم الله، فهو جل في علاه ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة، فيقول لعباده: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل يوجد من أحد عنده سؤال، عنده حاجة، عنده طلب، فليتقدم به فأستجيب له أو أعطيه؟». وإن كان من دعاء، فالله جل وعلا قد تكفل بإجابته. إخواني في الله، ليس الأمر فقط يتعلق بما نحن فيه في مسألة أن الله جل وعلا يغدق علينا بالأرزاق متى ما أقبلنا عليه بالدعاء، بل كل حاجة وكل نوع من أنواع الرزق. إخواني في الله، لربما الواحد منا يبتلى بمرض في نفسه أو في أهله أو في عياله، فها هو يطلب العافية، يطلب الصحة، صحة الأبدان، صحة الأجساد. فها هو ينتقل من محل إلى محل، ما ترك وحدة صحية ولا عيادة ولا مستشفى، بل ربما اضطر إلى السفر، علّ وعسى أن يجد العافية هنا أو هنا. يا عبد الله، مع أخذك بالأسباب، لا تنسى الله، لح على الله جل وعلا بالدعاء، لأن الله عز وجل هو الشافي، وإذا مرضت فهو يشفين، الله هو الشافي، وفي الدعاء: «واشفي أنت الشافي». فالله هو الشافي. وتأمل في عبد الله وتأمل في نبي الله أيوب عليه السلام، كيف أن الله عز وجل ابتلاه بالمرض لسنوات عديدة ولفترة مديدة، فأقبل على الله، ولا يزال يلح على الله بالدعاء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. فاستجاب الله، فأرجعه الله صحيحًا سليمًا معافى، ويكأنه ليس به بأس، حتى أن أهله وزوجه ما عرفوا بين لحظة وطرفة عين غير الله حاله إلى أحسن حال، من مرض وعلة إلى قوة وصحة. الله قادر، متى غير الله حال أيوب؟ عندما ألح على ربه بالدعاء. إذا كنت في مرض، إذا كنت في آفة، إذا كنت في سقم، إذا كنت في علة، وأردت نعمة الصحة والعافية، أدع الله عز وجل. وهكذا يا من ابتلاك الله عز وجل بالعقم، تأخر عنك الإنجاب، ما رزقت بذرية، وها أنت يا عبد الله تحرص على أنك تكون من عداد الآباء، وذلك بأن تبحث عن من يعينك في الإنجاب. فلازلت تنتقل من مراكز إلى مراكز، من المراكز التخصصية في مسألة العقم والإنجاب، لكن ما قدر لك الذرية من قبل هذه الأسباب الظاهرة. لكن لا تنسى الله، الله قادر، الله عز وجل هو الذي بيده، كما قال سبحانه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. الله هو الواهب، الله هو المعطي. وتأمل في عبد الله وفي نبي الله زكريا، وزكريا إذ نادى ربه، قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب: «أن الله يبشرك بيحيى». من أين جاءت البشارة؟ من الله. متى جاءت البشارة؟ عندما ألح على الله بالدعاء: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. لا تيأس، مع أنه قد دعا ربه جل وعلا في فترة قد كبر سنه، ورق عظمه، واشتعل الرأس شيبًا، لكن ما يأس من عطاء الله ولا من رحمة الله، ألح على الله في الدعاء، والله لا يحجزه شيء عن العطاء جل في علاه، فهو يعطي سبحانه، وهو الواهب المعطي. وهكذا قس يا عبد الله، يا من ابتلاك الله بالهموم والغموم، تراكمت عليك المصائب والضراء والشدة والفتن والمحن، حتى ضاقت عليك الأرض بما رحبت، ضاقت عليك الأرض، ما وجدت من يمد لك يد العون، فلا زلت في ضيق وحرج، يا عبد الله، لا تنسى الله، وأنت في هذه المضائق، فالله سبحانه وتعالى هو فقط الذي يجعل لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا سبحانه وتعالى. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾. جل في علاه هو الكاشف، مهما كانت المصيبة، مهما عظمت البلية، فالله يزيحها عنك، لكن أقبل على الله، أقبل على الله بالدعاء. تأمل في عبد الله ونبي الله يونس عليه السلام، كيف ابتلي بهذا البلاء العظيم، فكان في ظلمات بعضها فوق بعض، في ظلمة بطن الحوت، في ظلمة المحيط، في ظلمة الليل، لا أحد يدري به، ومن هذا الذي سيدري بهذا المخلوق وهو في أعماق المحيطات، في أعماق بطن الحيتان؟ فنادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ربنا: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. نجاه الله، نجاه، فجعل الله له من كل ضيق مخرجًا وفرجًا. هذا هو الله جل في علاه. وإذا جئنا إلى ما نحن فيه، وإلى ما نحن بصدده، ما يتعلق بالأرزاق، ما يتعلق بالأموال، فاسمع يا عبد الله، لربما ضاقت عليك الأرض بالفقر والضيق، وشد في المؤونة، وقل في المعيشة، وقلة ذات اليد. فها أنت في أعمالك، وفي كدك، وفي برك وبحرك، وتجد أن الأرزاق أغلقت عليك، أخذت بالأسباب، فما وجدت سبيلًا لأن تغير حالك. لا تأسف على الله عز وجل، لح على الله بالدعاء، لأن الله سبحانه وتعالى بيده خزائن السماوات والأرض، السماء والأرض بيده، فالكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء. قل: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير». وهذا نبي الله سليمان عليه السلام أراد ملكًا، فقال في دعائه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد. ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. سبحانك يا الله، عطاء الله عظيم، إذا أعطاك الله أبشر، أبشر. وما هذه الدنيا وما حوت، لا تزن عند الله جناح بعوضة حقيرة، ولهذا فالله يعطيها للكفار، يأخذ منها ما شاء، وأنت كذلك يعطيك الله إذا أراد. ومن أعظم ما يعطاه العبد من عطاء الدنيا إذا لح على الله بالدعاء: «رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي». فأعطاه الله، أعطاه الله ما لا يدور في خلد أحد من خلقه، الرياح وتسخير الشياطين والكائنات والحيوانات، هذا عطاؤنا، هذا عطاء الله. فلا تيأسن من عطاء ربك سبحانه وتعالى. ولهذا إخواني في الله، فالإنسان إذا أراد الله جل وعلا أن يرزقه الأموال والتجارات، فلا تعقد الأمر أكثر من اللازم، أقبل على الله في دعائك، في سجودك، في قيامك، واجعله هذا من أركان الدعاء. ثبت في صحيح مسلم، وعند الإمام أحمد، أن رجلًا قال: «يا رسول الله، ماذا أقول إذا دعوت ربي؟». رجل أراد جوامع الكلم، أراد أن النبي يعلمه كلمات يأتي بها في دعائه، فيها الخير وفيها البركة، فجاء مسترشدًا سائلًا: «يا رسول الله، ماذا أقول إذا دعوت ربي؟». قال عليه الصلاة والسلام: «قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني». وجاء في رواية: «أنه جمع الأصابع كلها إلا الإبهام»، أي يعدد هذا: «اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني». قال: «فإنهن جمعن لك خير الدنيا والآخرة». فأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن تجعل من دعائك الرزق. فبعض الناس، إخواني في الله، ربما يستبعد موضوع الرزق أن يطرق في باب الدعاء. صحيح بعضنا يسأل ربه، لكن إن سأل الله سأل الله في مسائل الآخرة: المغفرة، الرحمة، التوبة، الإنابة، الهداية، الجنة، البعد عن النار. كذلك يا عبد الله، سأل ربك من حظ الدنيا، سأل ربك، وهذا الذي علمه نبينا لهذا الرجل: «وعافني وارزقني»، ترزق في الدنيا، فإنهن جمعن للعبد خير الدنيا والآخرة. فالله الله يا عبد الله، وأنت في هذه الدنيا تسعى فيها الليل والنهار، وقد مر معنا مع توكلك على الله، ويكون هذا في مقام القلب، مع ما يكون من الدعاء، وهذا في مقام اللسان. فالله عز وجل سيستجيب لك، وأنت في سجودك، وأنت في قيامك، وأنت في صلاتك تطلب الله. فإن كنت مريضة، سأله العافية، إن كنت مهمومة، سأله سبحانه وتعالى انشراح الصدر وراحة البال، وإن كنت عقيمة وأردت الإنجاب، سأله الذرية، وإن كنت فقيرًا معدما محتاجًا، سأل ربك الغنى، وأن يرزقك الله. فالله عز وجل في متى ما أراد أجاب. ولكن عليك بالصبر والإلحاح، فقد جاء في الآثار: «فإن الله يحب الملحين في الدعاء». وقد جاء في البخاري: «يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل». لا تستعجل، مو تسمع هذه الكلمة مثلًا أو هذه الخاطرة، ثم بعد ذلك أتتخذ يومًا أو يومين، ثم ترى ما هناك رزق، ما شيء منها الدعاء؟ لا يا عبد الله، الله سينظر إلى مصداقك وإلى قوة يقينك ومدى إقبالك عليه. أذكر أحد إخواننا لم يرزق بولد، وأخبرني بنفسه، وقد أراني ولدًا من أولاده، قال: «هذا والله أتاني بعد عشرين سنة»، بعد عشرين سنة جاءه ولد، صبر واحتسب مع الدعاء، يدعو ويدعو ويدعو ويدعو، حتى فتح الله في آخر عمره، عشرين سنة صبر. وهكذا الأرزاق، فالله عز وجل ربما يؤخر عنك الطلب لأنه يحب أن يسمع منك الإلحاح، وأنت في سجودك، وأنت تلهج: «يا الله، يا الله، اللهم ارزقني، اللهم ارزقني». فلا زلت تلح على الله بالدعاء، مع ما يكون من زيادة درجاتك، وقوة يقينك، وتعظيم توحيدك، لأنك تعلم بأن الله هو المعطي وهو الواهب، مع هذا كله فيعطيك الله ما سألت. فهذا إخواني في الله من الأمور العظيمة التي يغفل عنها الكثير من الناس، وهو الدعاء. أسأل المولى جل وعلا أن يلطفنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.