الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 3

الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 3

الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أسباب الرزق

يُناقش أهمية معرفة أسباب الرزق والتوازن بين الأسباب المادية والشرعية. يُشدد على ضرورة الجمع بينهما في مختلف مجالات الحياة.

أفضلية الأسباب الشرعية في تحقيق الرزق

يُبين أن الأسباب الشرعية أولى بالاعتماد من الأسباب المادية لأنها عبادة وذات دلالة شرعية. تجعل حياة المسلم كلها عبادة.

الدعاء والختام بالصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المباحث المهمة التي سنتحدث عنها في هذا المقام، وما سيأتي من المقامات، إذ إنها من أطول المباحث المتعلقة بمسألة الأرزاق، ألا وهي مسألة أسباب الرزق. أسباب الرزق، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أن الطريقة والكيفية في حصول والوصول إلى الأرزاق إنما تكمن في مسألة السعي والبذل والعطاء في سبيل أن تتحصل على هذه الأرزاق، فلا تظن أن الرزق يأتي بنفسه. وكما قيل: «إن السماء لا تمطر ذهبًا»، بل إن الأمر يحتاج إلى بذل، وكما قال ربنا جل في علاه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فالرزق يحتاج إلى مشي، فيحتاج إلى مشي وإلى بذل. لكن مما يؤسف له، إخواني في الله، ونحن نتحدث عن أسباب كيفية الحصول على الأرزاق، أننا نجد أن الكثير من الناس إنما عوّلوا واعتمدوا في مسألة تحصيل الأرزاق على المسائل والأسباب المادية المشاهدة الملموسة المحسوسة. ربما تجد أن الكثير من خلق الله ذهب يمنى ويسرى في اتخاذ مهن وأعمال وأشغال، ذاك يضارب في التجارات، وذاك في بيع وشراء، وذاك باتخاذ موارد من الإيجارات، وذاك عن طريق نيل الشهادات، وذاك يكون بالترقي في الوظائف حتى يصل إلى المناصب المرموقة، فيتحصل على الرزق الزائد. ناهيك عما يكون من اعتماده على ذكائه، على مهارته، على حذلقته، على قوته، على شدة مشيه وسعيه وصبره وجلده. هذه المسائل، إخواني في الله، في الحقيقة الشرع لا يمنعها، والشرع لا يحرمها، لكن تكون البلية، وأن تكون هذه من المؤاخذات على أهل الإسلام عندما يجعلون هذه الأسباب تطغى على الأسباب الشرعية. تطغى على الأسباب الشرعية التي جاءت في شرعنا، إذ إن الشرع ذكر لنا كذلك من الأسباب التي بها التنمية والتكثير للأموال والأرزاق. ذكروا، ذكت الشريعة الشيء الكثير. لكننا نجد أن الكثير من الناس ما عول على هذا، وهذا والله مما يؤسف له. وليست هذه البلية تكمن في مسألة الأرزاق التي بين أيدينا، بل في الحقيقة نجد أن هذا الإبعاد والإقصاء للأسباب الشرعية يسير معنا في كثير من شؤون حياتنا. مثلًا في باب التداوي، في باب العلاج، نعم هناك أسباب مادية: الإبر، التحاليل، العقارات، العمليات، تداوي، لكن بالمقابل جاءت الشريعة بأسباب شرعية: التحصينات، الرقى، ماء زمزم. فمن هذا الذي يعول على هذه الأشياء الشرعية؟ القليل منا، القليل، والكثير عول على الأول. وهكذا قس، مثلًا في باب الأمن والأمان للأفراد والمجتمعات، نعم هناك أسباب مادية قد علمت بالتجربة، لكن بالمقابل هناك من الأسباب الشرعية ما دلت عليها الشريعة أنها سبب من أعظم أسباب أمن الناس وأمانهم، به يكون الثبات والازدهار، ومع ذلك ما أحد عول عليها إلا القلة. وهكذا إن تحدثنا عن أسباب السعادة وانشراح الصدر والفرح، تجد أن الكثير من الناس يعول على الأسباب المادية، على أسباب أن يتناسى الأسباب الشرعية. وهكذا قل، يا عبد الله، في مسائل القوة والتمكين والنصر والعزة والظهور، تجد أن الناس ما رفعوا رأسًا بالأسباب الشرعية، مع أن الشرع قد ذكرها في كتاب الله وفي سنة رسوله، ومن ظفر بها ظفر بالحظ الأعظم، مع ذلك تجد أن الناس من آه. وهكذا قس، وهكذا قس، تجد أن حال الناس وحديث عن أهل الإسلام أنهم إنما يراهنون في الوصول إلى مبتغاهم في هذه الحياة الدنيا على الأسباب المادية المحسوسة الملموسة المشاهدة، لكن على حساب أن يتناسوا الأسباب الشرعية. وينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أنه جدير بكل مسلم ومسلمة أن يحرص كل الحرص إذا أراد أن ينال مبتغاه فيما ذكرنا من أمور، أو في هذا الباب الذي نحن بصدده في كيفية الحصول على الرزق، ينبغي أن يعول أولًا على الأسباب الشرعية، يضمنها، يكتسبها، يجعلها معه، ثم بعد ذلك ينظر في الأسباب المادية. ولماذا يعول أولًا على الأسباب الشرعية؟ نقول: إنها أعظم، أعظم، ففيها من العظم والخيرية والبركة ما لا توجد في الأسباب المادية. وأشير هنا إلى مسائل ثلاث، حتى نعلم، إخواني في الله، بشكل عام وبشكل خاص، أن الأسباب الشرعية أفضل بكثير من الأسباب المادية، مع القول بالجواز، بجواز الأسباب المادية، ما منعناها ولا حرمناها، لكن لا تنسى وتغض الطرف وتلتهي عن الأسباب الشرعية. فالأسباب الشرعية أفضل وأعظم وأكبر من الأسباب المادية، أولًا لأن الشرع دل عليها، ويكفيك هذا. ما ندعيه من الأسباب الشرعية في مثل هذه الأمور، عندما نقول: شرعية، من أين اكتسبت الشرعية؟ اكتسبت الشرعية لدلالة الشرع عليها، فالله جل في علاه، إما في كتابه أو بما أنزله على رسوله، أمر بها ودل عليها ورغب فيها وحث عليها. فهل بعد ذلك يأتي الإنسان وتناسى هذا كله، وكأن هذا الشيء ليس بذات أهمية؟ هذه الأسباب الشرعية، هناك اكتسابها، هنا تكمن الأفضلية والقوة والخيرية في أن الشرع هو الذي دل عليها ودلل بها، بخلاف الأسباب المادية، إنما جئن بها مما تعارف عليه الناس، مما علمت بالتجربة، فهي من واقع الناس، والأسباب الشرعية هي من أمر الله ورسوله، فكان ينبغي الحرص عليها أكثر من غيرها، هذا أولًا. ثانيًا: أن الأسباب الشرعية أعظم درجة وفضل ومرتبة، وفيها من الخيرية ما فيها، لأنها معدودة من العبادات، معدودة من العبادات، لأن كل ما أمر الله به ورغب الله فيه فهو عبادة. فأنت عندما تزاول الأسباب الشرعية، فاعلم، يا عبد الله، أنك في عبادة، فإن لم يتحقق المراد، على تقدير ما قدر الله عليك رزقًا، ونتحدث عن الأرزاق، وأنت قد اتخذت هذه الطريقة الشرعية، وما حصلت رزقًا، فيكفيك أنك حصلت على أجر، لأنك تتعبد الله بالسبب الشرعي، عبادة من العبادات، كما سيأتي معنا، هي عبادة من العبادات. فإذا تحقق المراد، فذلك فضل الله، وإن لم يتحقق المراد، فيكفيك أنك في عبادة. وهكذا يبقى المسلم، إن أدى الطاعة، فهو في عبادة، وإن التفت إلى دنيا بسبب شرعي، فهو عبادة، فحول المسلم حياة كلها إلى عبادة. لكن انظر إلى الأسباب المادية الذي يتعامل بها الناس في مسألة الارتزاق، فمنها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم، وحتى العمل الجائز، كما أشرنا في درس أمس، نعم تنال به الأجر، لكن على حسب النية الصالحة، على حسب المقصد الحسن، على ما الذي تنوي به، فيترتب عليه الثواب. أما الأسباب الشرعية، فلا تحتاج إلى هذه المقدمات، فقط دخولك في السبب الشرعي لكي تنال رزقًا من الأرزاق، أنت في عبادة. ولهذا كان الاحتفاء والحرص على اكتساب الأسباب الشرعية في مسألة الرزق خاصة، وبقية الأبواب، تعتبر أعظم وخير. ثالثًا وأخيرًا، إخواني في الله، إن المسلم ينبغي أن يحرص على أن يكتسب وينال الرزق عن طريق الأسباب الشرعية، كحرصه على الأسباب المادية، لأن في اتخاذك للأسباب الشرعية زيادة في إيمانك، زيادة في إيمانك، يزداد العبد إيمانًا وعقيدة ويقينًا. سيأتينا من الأسباب الشرعية: أذكار، أوراد، طاعات، عبادات. من هذا الذي، بالله عليكم، من هذا الذي يدور في خلده أنه إذا فعل مثل هذه الأشياء يزداد رزقه؟ ليس كل واحد، ليس كل واحد منا، بعض الناس إذا ذكر بهذا يقول: «طيب، طيب، طيب، إن شاء الله خير». الذكر طيب، طيب، ثم إذا خرج من عندك، إذا استحى منك، ما واجهك ولا جابهك، إذا استحى منك، بعد انفصال المجلس، لربما رمى بموعظتك ومحاضرتك خلفه ظهرية. قل: «أذكار هاي رجال، ليس من أذكار». إذا شغل عمل، فلا يؤمن أحد للأسباب الشرعية إلا من آتاه الله إيمانًا صادقًا. وهذه من أعظم صفات أهل الإيمان، وهو الإيمان بالغيب. أول صفة، أعظم صفة، أفضل صفة تميز بها المسلم عن الكافر، الإيمان بالغيب، كما أشار إلى ذلك الإمام السعدي رحمه الله وغيره، على أن الإيمان بالغيب هو أن تصدق بخبر الله ورسوله، سواء شاهدت أو لم تشاهد، خبر أخبرك الله، مثلًا بذكر من الأذكار، تأتي به يزداد رزقه، قل: «سمحًا وطاعةً يا رب، اعمل بهذا الذكر، اعمل به والتزم به». يأتيك ناس من الناس، يا عبد الله، يقول: «لاحظ تأتي»، يقول: «هذا باب فيه رزق»، يقول: «أنت صاحي»، ذكر تأتي به صباحًا، لا ساء، يأتي لك برزقه. قل: «هذا خبر الله ورسوله»، أنا ما عندي أدنى شك، أنا ما عندي أدنى شك. فالذي يتخذ الأسباب الشرعية، سواء فيما نحن بصدده في باب الأرزاق، أو ما كان في باب التداوي والعلاج، أو في باب قوة العزة والتمكين والظهور، أو في باب انشراح الصدر والسعادة، أو في باب الأمن والأمان، وقس في كل أبواب التي بها تعامل في هذه الدنيا، من عرج على الأسباب الشرعية، لا لشيء إلا لأن الله ورسوله أخبر به، دل هذا على قوة إيمانه، هذا هو الإيمان بالغيب. من خلال هذه المسائل الثلاثة، إخواني في الله، كان ينبغي على المسلمين كما يحرصون على أنهم يكتسبوا الأرزاق والأموال والدنانير والريالات، بما يكون من الأسباب المادية، وهي مباحة، وهي متاحة، عليهم كذلكم أن يجعلوا مع ذلكم الأسباب الشرعية التي أخبر الله ورسوله على أن فيها من ثمرتها من زيادة الرزق، وإطالة الأعمار، وكثرة الخيرية، وعمارة البيوت، ما سيأتي معنا في هذه الأبواب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.