الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإكثار من ذكر الله سبب في جلب الأرزاق وستر الحال، حيث يعطي الله العبد ما لا يخطر على باله عند تعظيمه وتسبيحه. الاستغفار والتوبة يجلبان الرزق والصحة والقوة.
يوصي بكثرة الاستغفار وذكر "سبحان الله وبحمده" لجلب الرزق وسعة الأرزاق، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. الحسن البصري كان يوصي بالاستغفار لشتى الحاجات.
يُنصح بالإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن بشكل عام لجلب الرزق، دون تخصيص سور أو أعداد معينة. يُشدد على أن القرآن كله بركة ويجب قراءته على قدر الاستطاعة، مع التأكيد على الصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، عباد الله، إن مما يذكر من الأسباب الشرعية في الجالبة للأرزاق، وما يكون من ستر الحال، ما يكون من الإكثار من ذكر الله جل في علاه، الإكثار والإقبال على ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، أن تكون ذاكرًا مهللاً مستغفرًا مكبرًا ومحمدًا مسبحًا لله. فعلى قدر ما يكون من تسبيحك وقربك ودنوك من ربك بلسانك، فالله جل وعلا يعطيك ما لا يخطر على بال، لأن ما كان من ذكرك لله دل على مدى تعظيمك لرب الأرباب، ورب جل وعلا متى ما رأى من عبده أنه قد بلغ منه هذا التعظيم والإجلال، فالله جل وعلا كريم يعطيك ويحبك سبحانه وتعالى. وإن من ذكر الله الذي جاءت في حقه النصوص ما كان، إخواني في الله، من الاستغفار، ما يكون من كثرة الاستغفار، «ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم»، بماذا؟ بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله. استغفروا ربكم، من آثار الاستغفار ما يكون من تغير المناخ، يغيره الله، يرسل السماء عليكم مدرارًا، تباعًا الأمطار والغيث تستجلب بكثرة الاستغفار، بل ما ستجده في نفسك من القوة والعافية والصحة في البدن والجسد، «ويزدكم قوة إلى قوتكم»، فالإنسان لا يستبعد هذا الأمر، إخواني في الله، فلذكر الله جل وعلا أثر عظيم في الأبدان والأجساد. أما ترى، يا عبد الله، أن الله جل وعلا أمر أهل الجهاد ومن كان في صفوف القتال أن يكثروا من ذكره، «إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا»، لماذا؟ لأن كثرة ذكر الله تعطيك القوة، تعطيك الهمة. وقد كان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكر الله جل وعلا من بعد الفجر إلى أن تطلع الشمس وهو في مصلاه، فكان يلتفت إلى من بجانبه يقول: «هذه قوتي، إذا لم آخذ بها لم أستطع طيلة يومي أن أقوم بمهامي»، قوتي تكون هنا في ذكر الله. على قدر ما يكون من ذكره لله يمتعه الله جل وعلا بهذا الرزق، بالرزق، الصحة والعافية، وقوة البدن والجسد. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾، أثير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير هذه الآية قال: «أن يتلطف بكم بالرزق والعيش الرغد»، يمتعكم متاعًا حسنًا. وكلنا نريد هذا المتاع الحسن، وما مقامنا إلا في تتبع الذي يجلب علينا المتاع الحسن من سعة الأرزاق ووفرة المال، وما يكون من ستر الحال. إذًا، أكثر يا عبد الله من استغفار الله، يمتعك الله متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى، كل ذلك، إخواني في الله، من كثرة الاستغفار. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. أثر عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه كان في مجلسه بحضور من حاضر من طلابه، فجاءه رجل شكى إليه الفقر والفاقة والضيق، فقال له الحسن رحمه الله: «استغفر الله»، إن أردت مني وصية، استغفر الله. فقام. فجاءه بعد مدة رجل آخر، فإذا به يشتكي من الجدب والقحط والجفاف الذي قد ابتلي به في أطراف البلاد، فقال له الحسن رحمه الله تعالى: «استغفر الله». فقام. ثم جاءه ثالث، وكان عقيمًا، فطلب منه أن يدعو الله له بالولد والإنجاب، فقال له الحسن رحمه الله: «استغفر الله». فلما ذهب الثالث، حينها من كان في مجلسه قال: «يرحمك الله، يرحمك الله، جاءوك أناس شتى يسألونك بمواضع أمور عدة، ولا زدت عن قولك: استغفر الله، استغفر الله»، يعني كان المطلوب أنك تغير، تعطي هذا وتعطي هذا وتعطي هذا ما يناسبه. فقال أمام الله: «ما قلت هذا عن نفسي، هذا ليس مني، ليس اجتهادًا محضًا»، قالوا: «إنما تذكرت قول الله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾»، فدل هذا، إخواني في الله، على أن كثرة الاستغفار من أعظم الأسباب التي تجلب على العباد ما يكون من بسط الأرزاق وكثرة الرغد والمتاع الحسن. وأيضًا، إخواني في الله، مما يضاف إلى كثرة الاستغفار من ذكر الله جل وعلا، ما يكون من قولك: «سبحان الله وبحمده»، هذا الذكر، نعم، له خصوصية. أورد شيخنا، شيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن نوحًا حين حضرته الوفاة دعا ابنه، فقال: أوصيك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، أمرك بلا إله إلا الله، فلو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأراضين السبع كن حلقة المبهمة لقصمتهم لا إله إلا الله، وآمرك بسبحان الله وبحمده، فهي صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق»، هذا الشاهد. أعظم ما يجلب على الناس كثرة الأرزاق من الله أنك تتقرب إلى الله بهذا الذكر، «سبحان الله وبحمده»، تجعلها وردًا، تجعلها ذكرًا في ليلك ونهارك، مدخلك ومخرجك. فألزم يا عبد الله وأنت في هذا الذكر تنعم بما ينعمه الله عليك من سعة الأرزاق. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، جل وعلا. وهكذا من ذكر الله جل وعلا ما يكون من كثرة قراءة القرآن، فهو أعظم الذكر، القرآن، ما هناك ذكر يعلو على كتاب الله جل وعلا، فهو الأسوة والأساس في ذكر الله. أكثر يا عبد الله من ذكر الله، سماه ربنا جل وعلا كتابًا مباركًا، له بركة، بركة القرآن في كل شيء، في دينك، في دنياك، في آخراك، في نفسك، في أهلك، في وقتك، في عيالك، وفي أرزاقك. حتى كان من كان من السلف لربما يذكر عن نفسه أنه يزيد في ورده من القرآن فيجد كثرة الخير والنماء. لأن ذكر الله، أن القرآن من أعظم ذكر الله الذي يتقرب به العبادة. وهنا أنبه إخواني في الله على تنبيه مهم، خاصة ونحن مع هذا الانفتاح على ما يسمى بالتواصل الاجتماعي، إذ تأتي ما يسمى بهذه الأخبار وتأتي بهذه الوصايا من بعض المجاهيل، أن من قرأ سورة الواقعة جاءه الرزق، أو من حرص على سورة يس جاءه كذا، أو يؤتى بغيرها من الأذكار، من قال مئة مرة كذا وكذا. لا يا عبد الله، لا تفتح المجال لمثل هذا الكلام، هذا دين، وهذا دين، وإنما ما كان من تشريع رب العباد يؤخذ من الكتاب والسنة. فالأذكار قد جاء بهذا التنصيص على أنها مورد من موارد الرزق، أكثر من ذكر الله عمومًا، أما أنك تخصص وتحدد تقرأ سبعين، ستين، مئة، من أين هذا؟ أو تحدد سورة بعينها، سورة الواقعة أو سورة يس، أن يكثر منها، تجد بعض الناس يتعمد في الإكثار من هذه السورة بعينها اعتقادًا منه أنها تجلب له الرزق. من قال بهذا؟ نتحدث عن القرآن، اقرأ القرآن على قدر ما تستطيع، من أوله، من وسطه، من آخره، كله بركة، كله بركة. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا الباب من الأبواب السهلة الميسرة، لكنها من الأمور الخفية التي خفيت على كثير من الناس، جعلها الله جل وعلا بين أيدينا، تكثر من ذكر الله جل وعلا، قائمة، قاعدة، وأنت على جنب، وأنت مضجع، وأنت تمشي، وأنت تجلس، وأنت في بيتك، وأنت في سيارتك، وأنت في مركوبك، وأنت في برك، وأنت في بحرك، ما الذي يمنعك؟ ما الذي يحجزك؟ ما يمنعك إلا الغفلة، هذه الحقيقة، الغفلة تمر عليك الساعات الطوال ولا تنتبه بانتشفة، ذاكرًا الله عز وجل. فأكثر يا عبد الله من ذكر الله تسبيحًا وتحميدًا وتهليلاً واستغفارًا، وخاصة ما مر معنا بسبحان الله وبحمده، فلها الأثر العظيم العجيب في جلب الأرزاق. وهكذا ما يكون من قراءة القرآن. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.