من مقاصد الصيام

المحاضرة بعنوان من مقاصد الصيام، والتي كانت ضمن دورة زاد الصائم بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة يوم الأربعاء 25 شعبان 1445هـ الموافق 6 مارس 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في مقاصد التشريع الإسلامي

يتناول هذا الفصل أهمية فهم مقاصد التشريع الإسلامي وعلله وأسراره، ويبين أن معرفة هذه المقاصد تعتبر من الإعجاز العظيم في الدين وتزيد من فقه الإنسان في الدين. كما يشير إلى أن هذه المعرفة تساعد في الرد على الطاعنين في الدين وتبرهن على صلاحيته لكل زمان ومكان.

غايات الصيام ومقاصده في الإسلام

يركز هذا الفصل على أهمية فهم غايات العبادات، خاصة الصيام كوسيلة لتحقيق التقوى، ويبين كيف أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل هو وسيلة للتقرب من الله وتحقيق الرقي في درجات الإيمان. كما يشير إلى أن الصيام يهدف إلى تحقيق التقوى في قلوب العباد ويعتني بأركان الإسلام.

وحدة الأمة الإسلامية من خلال الصيام

يتناول هذا الفصل كيف أن الصيام يجمع الكلمة ويوحد الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم، حيث يصوم المسلمون في نفس الوقت، مما يظهر وحدة الأمة وتضامنها. هذا الجمع للكلمة هو أحد أهداف دين الإسلام من خلال فرضية الصيام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا ولكم المشاركة والمساهمة، ذاك بقوله وذاك بحضوره ومكثه في عمارة بيوت الله جل في علاه بمجالس العلم ومجالس الذكر. وها نحن نشارك في هذه الدورة، والتي قد علمتم عنها باسم زاد الصائم، وهي اسم على مسمى، يتزود فيه أهل الصيام في معرفة أحكام رمضان. وإن مما قرر في مثل هذا المجلس، وهو المجلس الثالث من مجالس هذه الدورة المباركة، أن يكون حديثي معكم حول مقاصد الصيام. وإن هذا الموضوع، رعاكم الله، لهو من المواضيع المهمة التي لها تعلق عظيم بمسألة الصيام. لأن الكلام في رمضان قد يكون الكلام حول فضائله ومآثره وخصائصه ومحاسنه، وما أعده الله لأهله من خير الدنيا والآخرة، من تكفير الدرجات ومن زيادة في الخيرات والبركات. أو أن الحديث عن رمضان، إخواني في الله، قد يكون في ذكر مسائله وأحكامه وتشريعاته وفروعه، في معرفة ما ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون بها عن دراية ومعرفة. أو أن الكلام في رمضان، إخواني في الله، يكون من خلال الكلام حول مسائل الآداب التي يهدف لها رمضان، من إيجاد مسلم ليس له نظير طيلة العام، لعظيم تأثره بأخلاق وآداب الصيام. فكل ذلك من المواضيع المهمة التي تنبثق وتنفى وتتفرع عن أحكام رمضان. وما أنا بصدده هو بذكر مقاصد الصيام، ببيان أسراره وعلله وأحكامه وغاياته، التي لربما أدهشت القلوب وانبهرت لها الصدور، وهي دالة على أنها من وضع الغفور الشكور جل في علاه. وقبل الخوض، إخواني في الله، في ذكر بيان مقاصد الصيام، أحب أولا أن أشير إلى هذه المسألة بعمومها، وهو التعرف على مقاصد التشريع بشكل عام. لا أتحدث الآن عن الصيام، سآتي الكلام عليه، لكن عموم التشريع، هذه الشرائع، هذا الدين القويم، له مقاصد وأسرار وعلل وغايات. كونك يا عبد الله تتعرف عليها، هذا مما له فائدة عظيمة. ومن أعظم فوائد ذلكم، يا عبد الله، أنك تتعرف على إعجاز من الإعجاز العظيم الذي جعله الله جل وعلا في دينه. هذا الإعجاز لا يتعرف عليه كل واحد منا، لا أحيانا الناس في دين الإسلام، خلال هذه الشرائع التي فرضها الله علينا وأوجبنا الله بها، بعض الناس لا يعرف منها إلا أنها عبودية لله، وهي كذلك، هي عبودية لله عز وجل، وهي كذلك. لكن تجد أن الله عز وجل أراد من هذه العبودية أشياء أخرى، ما يتفطن لها إلا أهل العلم والفقه. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "قال ومن فهم حكمة الشارع كان فقيها". على قدر معرفتك لحكمة التشريع، زاد فقهك في الدين. مثاله، تعلم يا إخواني، أسمع أن الله جل وعلا على لسان رسوله شرع لنا أن النوافل تصلى في البيوت. فهي سنة، بعض الناس يرى أنها سنة، وإن صلاها صلاها على أنها من سنة الرسول، أن يصلي النوافل في البيوت، يقف عند هذا الحد. لكن تأمل يا عبد الله، ما المغزى، ما الحكمة، ما المراد من هذا التشريع؟ إذا أشغلت ذهنك وفكرك، ستلوح لك في الأفق أشياء عظيمة، ما تنفتح على غيرك. ستعلم أن هذه الفعلة، وهذه السنة، كونك تصلي في البيت، أن من فضائلها أن هذا البيت يعمر بذكر الله، ولا يهجر، كما جاء في بعض الآثار والأحاديث: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا". وأن صلاتك في البيت، إحياء لهذه الظلمة التي في بيتك، كذلك. أنك في لما تصلي في بيتك، أنك في الحقيقة ستكسر البقاع التي ستحدث لك يوم القيامة، يوم أن يأذن الله جل وعلا للأرض أن تحدث أخبارها، فتحدث الأرض خيرا وشرا. فمن خيرية الأرض أنها تشهد لك بأماكن التي أنت تعبدت الله فيها، في سهلك، في برك، في جبلك، في واديك، وفي بيتك. ستنطق هذه المنطقة، وحين يكثر لك الشهود، تنتفع بشهادة هذه الأشياء لك يوم القيامة. من حكمة الصلاة في البيت، يا عبد الله، أن غيرك يأتي بك مثل الأسرة، الزوجة، الأهل، الأولاد، العيال، دخلت من المسجد، استويت، الله أكبر، وصلت لوحتك نافلة، فيرون، يتعلمون، لربما ملأوا من العلم، فيرون العلم أمامهم، تصلي قائما، قاعدا، جالسا، ذاكرا. هذه الحكم، إخواني في الله، لا تنحل في حق من كثير منا، على هذا الحال. لربما يؤدي الكثير من الطاعات والعبادات، ولا يتنبه للحكم الكثيرة، فهو وجه من أوجه الإعجاز الذي جعله الله جل وعلا في هذا التشريع. كذلك، إخواني في الله، من خلال معرفة التشريع الإسلامي لطاعات الله وعباداته، أن يكون فيه الرد على أهل الكفر والزندقة، على أهل الإلحاد، ممن أخذوا يطعنون في دين الله، بأن هذا دين ينفع للماضي القديم، ينفع للماضي القديم، هو نعم دين على العين والرأي، لكن ينفع في تلكم القرون المظلمة. كما عبر بعض الاشتراكيين، ولا زالوا يعبرون، لكن نحن الآن في القرن العشرين، تأتي لنا بهذا الدين، ما ينفع دينكم الآن، ما ينفع الناس، تغيروا الأفهام، تغيرت، والناس تحررت، فلا تأتي لي بما يسمى بأحكام الجهاد، هذا الجهاد أولا، أو بأحكام المرأة، بما يسمى بالجلباب والحجاب والخلوة والمحرمية، لا، ما ينفع. يا عبد الله، لأن هذه المسائل، كثير، لو عرفت حكم التشريع منها، لعلمت أن هذه المسائل، وغيرها كثير، نافعة وماضية في كل زمان ومكان، حتى في هذه الأزمان، بل بتصريح الكفار منها، من أذعن، نعم، ما كنا نقول به من أن هذا الدين لا، والله، بل هو دين جديد، حديث، ما يصرح به هذه الأزمان، إلا ذلكم الدين، دين الإسلام. من أين يأتي إصلاحها؟ من خلال الحكم والأسرار والغايات التي جعلها الله جل وعلا فيه. والأمثلة كثيرة، ولولا ضيق الوقت، لعددت لكم مسائل عظيمة، التي بهر منها الكفار، لما وجدوه في هذا الدين الذي أوجده الله منذ ذاك الزمان، وهو لا يزال غضا طريا، نافعا لكل زمان ومكان. من فوائد التشريع، يا عبد الله، أن نعلم صحة العبادة التي أمرنا بها. وانتبه لهذا الارتباط بين معرفة المقصد والسر والغاية، والعل والتشريع، من العبادة، يوصلك أحيانا إلى أن تحكم على العبادة صحة وبطلانا. لأن العبادة إذا كانت لها حكمة ولها غاية، فننظر في هذا المقصد، تحقق أو ما تحقق. إذا ما تحقق، علمنا أن في العبادة خلل. مثاله، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. الصلاة يراها بعض الناس أنها عبودية بحتة لله جل في علاه، هي كذلك، كذلك، من أسرار الصلاة أنها تنهى وتمنع من ارتكاب الفواحش والحرام والمحرمات والحرمات. فعلى هذا، إذا وجدنا مصليا ما، ونجد من هو لازال في الحرام، مصلي، ويذني، مصلي، ويرابي، مصلي، ويفعل الكبائر، مصلي، وهو قاطع للرحم، مصلي، وهو عاق لوالديه، يقع، ولا ما يقع، يقع، فكيف نقول هذا الرجل ما حقق الغاية؟ الغاية من الصلاة، إن الصلاة تنهى، من أسرارها تنهى عن الفحشاء والمنكر. نقول حينها، يا عبد الله، يا أيها المصلي، ما رأينا، ما رأينا هذا المقصد يظهر في حياتك. إذا ما معنى؟ راجع صلاتك، راجع الصلاة هذه، التي تصلها، لم تنتفع منها، عدلها، انظر كيف أنت فيها، ستجد أن فيها خلل، ستجد أن فيها زلل، ستجد أن صاحبها لربما صلاها، صلاها خبطا، صلاها من غير استحضار خشوعها، ولا خضوعها، لربما صلاها وهو لا يأتي بأركانها وفرائضها أحسن بها. لأنه لو أداها على وجهها، على وجهها، لظهر أثر ذلك في حياته. هذا مما نستفيده جميعا من معرفة مقاصد الطاعات والتشريع الإسلامي. كذلك، من خلال معرفة التشريع الإسلامي، يظهر لنا اسم الله جل في علاه الحكيم، الحكيم، وهذا من أكثر الأسماء ذكرا في القرآن، وهو العليم الحكيم، وهو الحكيم الخبير، الحكيم ذو الحكمة. من معاني الحكيم، ذو الحكمة، والحكيم على هذا المعنى، هو الذي يضع الأمور في مواضعها، لغايات حميدة. وهذا الفرق بين العدل والحكمة، وضع الشيء في موضعه عدل، وضع الشيء في موضعه، لكن وضع الشيء في موضعه، وتأمل الآن الغاية، لغايات حميدة، هذا ماذا يسمى؟ يسمى حكمة. فالله جل وعلا حكيم، ولا يكون تلكم الحكمة إلا فيما شرعه الله من طاعات وعبادات. فربنا جل وعلا جعل حكمته في شرعه، فجعل لنا هذه الشرع، لماذا؟ لحكم، لغايات، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. ولهذا يقول الإمام البيضاوي رحمه الله تعالى: "قال إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه وتعالى شرع أحكامه لمصالح العباد". هذا هو المقصد، هذه المقاصد، لا تظن أن الله شرع الدين لأجله سبحانه، أراد منا جل فعلا أننا ننطاع وننقاد لأوامره، ونفعل ما أمرنا الله به، فقط، هو إملاء أن الله هو الذي أراد ذلك، هو نعم، أراد ذلك، لكن زد على مقام العبودية، مقام المصالح، في الحقيقة أن الله ما أراد من هذا التشريع إلا لما يعود علينا من مصالح. وهذا هو، يا عبد الله، مقاصد التشريع الإسلامي. إخواني في الله، وهكذا مسائل كثيرة يذكرها العلماء في هذا الباب، تدل على أن الإنسان من خلال التشريع الإسلامي، تنفتح له آفاق، ما لا تنفتح على غيره، بل حتى الأقدام على العمل الصالح، لربما تقدم على العمل الصالح، من أعظم ما يقدمك عليه، معرفة مقصد والسر والغاية من هذه العبادة. مثاله، قال عليه الصلاة والسلام: "مثل رجل صل أرحامه". الواحد منا يحسبها حسابا، كما قال في باب التعبد: "يا الله، إن شاء الله أصلهم، أحاول أصلهم، أحاول أتواصل معهم، لكن الأمور شديدة علي". لكن قل له: "يا عبد الله، تبحث عن دنيا". اسمعها مني، قال عليه الصلاة والسلام: "من سره أن يمد له في عمره، وأن يبسط له في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه". الآن هذا الذي من أمس يتكلمون من صلة الأرحام، سيسابق، هكذا أقول، نعم، هكذا وعد نبينا، وحي يوحى، وما ينطق عن الهوى، بأنك بصلة الرحم، يمد الله لك في العمر، ويزيد لك في الرزق. هذه من أهداف صلة الأرحام، أن تنال يا عبد الله شيئا من حظ الدنيا. لماذا الشرع أشار إلى هذه المصالح الدنيوية؟ حتى تكون دافعا لنا، فدل ذلكم على أن من مقاصد التشريع، أن تكون دافعة لنا للاستمرار إلى العمل الصالح. إخواني في الله، هذه المقدمة لمعرفة أهمية طرق هذا الموضوع، وهو معرفة مقاصد التشريع في سائر أبواب الدين. فما من شريعة، أو فريضة، أو خلق، أو أدب، أو قول، أو عمل، إلا ومن ورائه، بعد التعبد لله، مصلحة تعود علينا، لكن علمها من علمها، وجهلها من جهلها. نأتي الآن، إخواني في الله، إلى ما نحن بصدده، الصيام، صيام رمضان، رمضان، وما يقتنفه من الصيام. طبعا باب عظيم من باب العبادات، ما سيأتي معنا، لكن له أسرار، له غايات، خفية على كثير من الناس، حتى ظن بعض الجهلة، بل بعض الزنادقة: "قل: إيش هذا رمضان؟ هذا رمضان، ما من ورائه إلا التعذيب للأجساد، والتنحيف للأبدان". هذه غلظة، هذه شدة على المسلمين، أن شريعتهم تأمرهم بالصيام، بمثل هذه الساعات الطوال، ليش هذا؟ فأصبحوا ينغزون على أهل الإسلام، أن دينهم قائم على الكبت. لكن الأمر ليس كذلك، المسلم إذا غاص في شريعة الصيام، وفي أحكام رمضان، علم أن الإسلام يهدف إلى أشياء بعيدة جدا. حتى أصبحت هذه الأهداف بادية، كما عبر عن ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال إن مطالي الصوم مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة". أصحاب العقول، وأصحاب الفطر، يشهدون على أن للصيام فوائد عظيمة، يجنيها المسلم في دينه ودنيا، قبل أخرى. وها نحن، إخواني في الله، سنذكر بعض أهداف ومقاصد التشريع. وأنبه، كلامي في هذا المقام، سيحدث حول السر والغاية والمقصد من فرضية الصيام، بأنه فريضة فرضها الله على أهل الإسلام. وأيضا من خلال النظر إلى التشريع والأحكام الذي جعله الله لأهل الصيام. فتارة أنظر إلى المقاصد من حيث أن الصيام فريضة، والنظر إلى الشرائع التي جعلها الله لأهل الصيام. هذه وهذه، كل لها أهداف عظيمة. من أهم الأهداف، إخواني في الله، والتي أبدأ بها، وهي التي جاء بها التنصيص: أن الله عز وجل ما شرع لنا الصيام إلا للتقوى، إلا للتقوى، كما قال سبحانه: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". فما شرع الله لنا الصيام أصالة إلا لهذا المقام السامي، أن نرتقي في درجات الإيمان، وأن نصل إلى أعظم مقامات أهل الإسلام، ألا وهو مقام التقوى. يصل المسلم إلى مقام التقوى في شهر الصيام، حينما يدع لله، لا يملك لنفسه ردا ولا اعتراضا، وإنما يقول: "سمعنا، يا رب، سمعنا، يا رب"، فيلتزم الصيام بالإمساك عن الطعام والشراب، وهو مما أحل الله له، لكن يمتنع، لماذا؟ تقربا لله جل في علاه، تجردا من هواه، إلى ما يريده الله عز وجل. كذلك ما يكون من أيام الصيام، من تضييق مجاري الشيطان، فيجد المسلم من الراحة والطمأنينة والقرب من ربه، ما لا يجده في غيره، فيزداد رقي في تقوى. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "الصيام جنة". جنة كجنة المحارب، المحارب له جنة، وهي الترس، يتترس به، يحتمي به. فصيام جنة، يحميك من ماذا؟ من الشهوات، يحميك من ماذا؟ من الملذات، يحميك من ماذا؟ من غضب الله، من نار الله. فهي أعظم وقاية، أعظم وقاية لك، يا عبد الله، تتخذها في الصيام. ولهذا شرع ربنا الصيام لهذه الغاية: "لعلكم تتقون". مسألة، حتى نربط المسألة، بعضها ببعض، قد يقول قائل: "لعلكم تتقون، إذن الصيام يهدف إلى التقوى، لكن ما بالنا نجد أن الكثير من الصائمين لا تقوى لهم". صحيح، ما أقول الكثير، نراجع، نقول: إن صح التعبير، بعض من الصائمين، ما يتحصل على التقوى، لا زال، لأقول: في ليالي رمضان، بل في نهار رمضان، ومع قوة صيامه، وإنساكه، وهو يسب، وهو يشتم، وهو يلعن، يوجد، أولا، ما يوجد هذا؟ هذا يوجد، من يخض في الغيبة والنميمة، بل ربما من يفعل محرمات في نهار رمضان. قد يقول: "قال ألم يقل ربنا: لعلكم تتقون؟ أين التقوى هنا؟ يا عبد الله، كما أبرقنا، إذا رأيت أن طائما ما حقق مقام التقوى، إذن أين العلة؟ العلة في صيامه، العلة في صيامه، كما مر في مسألة الصلاة". فإذا كان الصيام يهدف إلى التقوى، ووجدنا أن طائما ما حقق التقوى، إذن في صيامه خلل، في صيامه زلل، انظر إلى صيامه كيف هو؟ كيف في صيامه؟ لربما متقن الله جل وعلا حق التقوى، لربما أيام رمضان، وساعات الصيام، تمر عليه مرور الكرام، لا نوافل، لا طاعات، لا ذكر لله، لربما ينام حتى يمر جل النهار، ثم يقوم على الإفطار، لا صلى، ولا صام، ولا قرأ القرآن، أين التقوى؟ أين تأتيك التقوى؟ لو أن هذا الإنسان أدى رمضان كما أمره الله، كما أمره الله، لظهر ذاك. لأن الإنسان صام رمضان كما أمره الله، لظهرت عليه معالم التقوى، لظهرت عليه معالم التقوى. إذن من أهداف الصيام، إخواني في الله، أنه يهدف إلى إيجاد التقوى في قلوب العباد. كذلك مما يهدف إليه، ومن أهداف الصيام، وأحكام رمضان، أن الإسلام يعتني عناية تامة بأركان الإسلام. أن الدين من خلال تشريع الصيام، وما كان من أحكامه، يهدف إلى العناية التامة بأركان الإسلام، الأركان الأربعة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، كلمة الطاعات، الدعائم العظام، وأركان الإسلام العملية، هي الأساس في قوام دين الإسلام، فلا إسلام إلا بها. فلهذا الإسلام اعتنى بالرمضان عناية عظيمة، اعتنى برمضان عناية عظيمة، لا تجدها، وهكذا بقية الأركان، لا تجد هذه العناية في غيرها من الطاعات والعبادات، بدءا بالوعيد الشديد في حق من تركها، وأهملها، وفرط فيها. ولا يخفى عليكم، إخواني، لا تراكموا الآثار الواردة في هذا المقام. ما جاء عند ابن خزيمة، عندما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم صفا من أهل النار، قوم معلقين بعراقيبهم، قد قلبوا العرقوب، آخر القدم، قد علقوا بأرجلهم في السماء، علقوا بعراقيبهم، مشققة أجفانهم، تثيل أجفانهم دم، فقال نبينا: "من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم". هؤلاء صاموا، هؤلاء صاموا، لكن ما البلية؟ أنهم أفطروا قبل الإفطار، أفطروا قبل تحلة صومهم، قبل أن يأتي الوقت الذي به يكون فيه حل الإفطار، تعجلوا. من الذي يفعل بهم؟ نُكِّل بهم يوم القيامة. قال العلماء: "إذا كان هذا في حق صائم، صائم، لكن تعجل في فطره، يُنكَّل به يوم القيامة، فما ظنك بالذي ما صام؟ فما ظنك بعذاب الله وعقابه؟ الأمر أشد، الأمر أعظم". بناية، دلالة على أن الإسلام يعتني عناية تامة برمضان. فجاءت الآن فضائل كثيرة، فضيلة بعد فضيلة، فضيلة بعد فضيلة، وربما مرت معكم في بعض المجالس، شيء حتى أُلِّفت كتب في بيان فضيلة الصيام في صيام رمضان. فتجد أن الإسلام من خلال يرى الصيام، رمضان، من خلال تشريعاته، وتفريعاته، ومسائله، يهدف إلى تعظيم مسائل ما كان مبني من أركان الإسلام. ويكفيك، يا عبد الله، من فضائل أركان الإسلام، أنها لوحدها كافية لأن تدخل الجنة، لو لم يكن في دنياك إلا الحرص على أركان الإسلام، كفاك، كما جاء في حديث معاذ: "يا رسول الله، دلني على عمل، إن عملته، أدخلني الله الجنة، وأبعدني عن النار". قال عليه الصلاة والسلام: "يا معاذ، لقد سألت عن عظيم، لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه". "تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، إذا فعلت ذلك، فهذا حسبك، وبعدك عن النار، ومفتاحك للجنة". كذلك مما نستفيده جميعا من التشريع الذي جعله الله جل وعلا في رمضان، وفي شهر الصيام، أن نعلم أن دين الله جل وعلا إنما هو يقوم على الأوامر والنواهي، يقوم على الأوامر والنواهي. لا تظن، يا عبد الله، أن دين الله عبارة عن دعاوى، والدعاءات، كما عليه الكثير من أهل النفاق، ومن مرضى القلوب. بعض الناس، لربما تجدهم في بلاد الغرب، خاصة، وفي بعض بلاد المسلمين، تقول له: "يا عبد الله، أنت مسلم، وفي نعم، كيف تسلم عليه في المطار، وفي الأماكن العامة؟ أهلا مسلم، أهلا". فتقول له: "يا عبد الله، إيش معك في الإسلام؟ تصوم رمضان؟ لا، والله، ما أصوم، صعب في بلاد الكفار أن أصوم رمضان. تصلي؟ أخوان، أو صلي، ما ترتاح، كله كنائس، نسأل الله أن يقتلع هؤلاء، ما عندنا مكان أن نصلي، لا صلاة، ولا صوم، حتى جاءت بيت الله، ما يسر الله، تزكي؟ يا أخي، ظروف صعبة علي، ضريبة أدفعها كل سنة، لا صلاة، لا صيام، تقرأ القرآن؟ والله، ما عندي ختم معك، ختمة، ذاك الله خير". فبسنوات، جالس بدون القرآن، يعني هذا، إخواني في الله، حال لبعض من ينتمي للإسلام، يرى أن الإسلام عبارة عن اسم يطرح في بطاقة، يدل على أنهم اسم إسلامي: "عبد الله، عبد العزيز، عبد الغفور، محمد، أحمد"، أسماء إسلامية عربية، وأنه تحت هذا العنوان، الديانة مسلم، لكن انظر إلى اتباع الإسلام، ما هناك عمل، ما هناك عمل، ولا برهان. فمن خلال الصيام، صيام رمضان، وما جعله الله فيه من متطلبات وأحكام، ينبغي أن يعلم كل مسلم ومسلمة أن دين الله يقوم على عمل، يقوم على أوامر ونواهي. قال ربنا: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة". لا تقف عند باب الإسلام، لا، ادخل، ادخل، ستجد هناك الزواجر والنواهي، تجد الحرمات والمحرمات، والكبائر والزواجر، الذي تبتعد عنها. وهناك الفرائض والواجبات، والنوافل والمستحبات، الذي ينبغي أن تلتزم بها. فمن خلال تشريع ربنا جل وعلا لأحكام الصيام، والأمر به، دلالة على أن دين الله جل وعلا لا يقوم إلا على عمل، أمرا ونهيا. من خلال، إخواني في الله، التشريع، تشريع الله عز وجل لأمر الصيام، علينا فيه فائدة، وهي أننا نستفيد ونعلم فضيلة هذه الأمة المحمدية على غيرها. بأن الله فضلنا على باقي الأمم، من اليهود والنصارى، خاصة. قد يقول قائل: "وكيف علمنا أن الله قد فضلنا من خلال الصيام على أن الله فضلنا على اليهود والنصارى؟ تأمل في قول ربنا عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم". كتب علينا، فرض علينا، لا إشكال. كما كتب على الذين من قبلنا، ما الفائدة؟ هذه مسألة يذكرها المفسرون والعلماء، ما الفائدة أن الله أخبرنا بأن فريضة الصيام قد فرضها على غيرنا من الأمم السابقة، من اليهودية والنصرانية، قد أمروا بالصيام، ما الفائدة؟ طبعا لستم بمقامي بصدد التتبع ما ذكره العلماء من الحكم في هذا الباب. لكن يكفيني الحكمة التي أريدها، قال العلماء: "من فوائد هذا الأمر أن المسلم يعلم أنه ما من خير، وما من فضيلة، قررت وذكرت في الأمم السالفة، إلا وجعل الله مثلها، وما هو أعظم منها في الأمة الإسلامية". ما من فريضة، ما من طاعة، ما من عمل، فرض على الأمم السابقة، إلا، إلا وجعل الله مثلها، أو ما هو أكبر منها في الأمة الإسلامية. فإذا كان عند اليهود صيام، وعند النصارى صيام، تخيل لو أن الأمة الإسلامية ما فرض عليها الصيام، لماذا؟ لكان حق على اليهود والنصارى أن يعيروا، فقال: "بس، بس، يا أمة الإسلام، نحن قد شرفنا الله عليكم بماذا؟ بالصيام، بالصيام، شهر معظما، شهر مفضالا، أعطانا الله، أو ما أعطاكم، يا أمة الإسلام؟ فكان الخزي أن الله جل وعلا حبان بهذه الشريعة: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم". لهذا ما كان لا لليهود، ولا للنصارى، ولا لكتاب أن يتعالى علينا بشيء من الطاعات والعبادات، بل نقول لهم: "اغسأوا، لن تعدوا قدركم، ما عندكم عندنا، وأكثر، وأفضل". وبهذا تعلم من خلال هذا التشريع، تشريع الصيام، وتشريع رمضان لأهل الإسلام، فيه بيان لعظيم ما حبان الله جل وعلا به من الأجر والفضل. أذان، ومما يذكر كذلكم بعموم ذلكم، أن رمضان موسم، موسم، موسم عظيم، جعل الله جل وعلا فيه من مضاعفة الأجور، من كثرة الحسنات، ما لا يخطر على بال. وهذه الفضيلة خصها الله لأمة الإسلام، كما جاء ذلكم في البخاري، من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: "ما مثلكم لأمة الإسلام، ومثل اليهود والنصارى، إلا كمثل رجل استأجر أجراء". "فقال: من يعمل لي من الغدوة، أي من الفجر إلى منتصف النهار، على قراط، القراط، فعملت اليهود من غدوة النهار، من غدوة اليوم إلى منتصف النهار، على قراط، القراط". "قال: فمن يعمل لي من منتصف النهار إلى صلاة العصر، على قراط، قراط، فعملت النصارى من صلاة العصر، من منتصف النهار إلى صلاة العصر، على قراط، القراط". "قال: فمن يعمل من صلاة العصر إلى المغرب، على قراطين، قراطين، فقال عليه الصلاة والسلام: فأنتم الذين تعملون، أنتم من؟ أنتم، يا أمة الإسلام، أنتم، يا أمة محمد، قال: فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى المغرب، على قراطين، قراطين، أي ضعفتم في الأجر". "فقال عليه الصلاة والسلام: فغضبت اليهود، وغضبت النصارى، قالوا: يا رب، عملنا كثيرا، وأجرنا قليل، فقال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ هل هناك ظلم؟ كل واحد عمل عملا، وأعطيت أجره بما يعطى له الأجير، هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، يا رب، ظلم، ما حصل شي، ظلم، كل حصل ما يستحقه من وقته". "قالوا: لا، يا رب، قال: فذلك فضلي، أوتيه من أشاء". الزيادة، الزيادة، الزيادة، الزيادة، الزيادة، خصها الله لهذه الأمة المحمدية. وتظهر هذه الزيادة، مثل هذه المواسم التي يكثر الله جل وعلا من أمثالها: شهر رمضان، شهر شعبان، شوال، من صام ستة من شوال، ذي الحجة، شهر الله المحرم، وهكذا تتوالى علينا المواسم، فنزاد رفعا. فالشاهد، إخواني في الله، أن من خلال تشريع رمضان لأمة الإسلام، نعلو به على غيرنا. إخواني في الله، في الحقيقة، إن الحديث في هذا الموضوع ليطول، ويطول، فالحديث فيه ذو شجون، والمقاصد التي ذكرها العلماء، وتتبعها العقلاء، لهي كثيرة، وكثيرة جدا. وحسب فيما بقي من الوقت، أن أمر على مجموعة منها، ولو استعراضا، مع ذكر ما يتعلق ببعض مباحثها، لأهميتها. فإن مما يهدف إليه ديننا من خلال فرضية الصيام، ما يكون من جمع الكلمة، نعم، ما يكون من جمع الكلمة. فتخيل أهل الإسلام، وهم قد تناثروا في بقاع الأرض، شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، على حسب القارات، والدول، والأقاليم، والقرى. فمع اختلاف بلدانهم، وتباين أماكنهم، يأتي رمضان، فيجمع الكل، فيجمع الكل. فإذا قدر أن أحدا من المسلمين عنده وسيلة نقل، يستطيع أن يدور بها حول العالم، خلال شهر رمضان، بدءا بجزيرة العرب، وبواحيها، لوجدهم على صوم، ثم انتقل إلى أرض كنعان، فوجدهم على صيام. ثم انتقل إلى المغرب العربي، فإذا بهم قد صاموا، ثم ينتقل إلى بلاد سمرقند، وتلك البلاد، ما وراء النهرين، فيراهم قد صاموا، ثم ينطلق إلى الأعلى، إلى بلاد مسلمي أوروبا، صاموا، إلى مسلمي أمريكا، قد صاموا، إلى مسلمي أستراليا، قد صاموا، وإذا وصل إلى أدغال أفريقيا، يجد من كان مسلما قد صام. وإذا انطلق إلى روسيا، إلى روسيا، وجدهم صواما، ولو قد يرى أن مسلمين في القطب الجنوبي المتجمد، وجده صائما. فبالله عليك، ما الذي جمعهم؟ الصيام، رمضان، فهو به تجمع الكلمة، فتجد أن الكافر ينبهر، ينبهر، أن المسلمين كلهم على وتيرة واحدة، يسأل هنا، وهنا، طوال صاموا، صاموا، صاموا، صاموا، صاموا، صاموا، كلهم قالوا: كلهم صاموا. دين، وليس هذا في تلكم الأخطاء، بل حتى في البلد الواحد، تجد أن فرضية الصيام، الكل يذعن لها، الصغير من الشباب، والكبير، والعظيم، والحقير، والذكر، والأنثى، والعالم، والجاهل، ومن كان في بره، ومن كان في بحره، الكل يذعن، لماذا؟ للصيام. فتجد أن ما هناك شيء استطاع أن يربط المسلمين بعضهم ببعض، كرابطة الصيام، ويكأن الدين أراد من الصيام أن يكون جمعا للكلمة. بل جاء مصرحا، قال عليه الصلاة والسلام: "الصوم يوم يصوم الناس، ما يكون صائم في رمضان منفرد، ما يكون أبدا صائم منفرد؟ لا تغرد خارج السر، سر لوحدك، ما يتأذى الصوم على جماعة المسلمين". "الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطرون". دل على أن قضية الصيام تهدف إلى جمع الكلمة. ومن هنا نستفيد ما هو أعم، وهو أن ما هناك رابطة، رابطة بها يمكن أن نجمع شتات الأمة، بمثل الدين، الدين يجمع، لا يفرق، كما يدعي أعداء الدين، الدين يجمع، لا يفرق. بخلاف الرابطة التي أراد الناس أن تكون هي الرابطة المجمعة لخلق الله، وهي رابطة دنيوية، كالمنظومة العربية، أو المنظومة الشعوبية، أو القومية، أو العلمانية، كلها تفرق، ما