فضل الأعمال في الآخرة

المحاضرة بعنوان فضل الأعمال في الآخرة، والتي كانت بمسجد الفردوس بمنطقة رأس الخيمة بالشحر يوم الجمعة 10 شوال 1445هـ الموافق 19 أبريل 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الاستمرار على الأعمال الصالحة بعد رمضان وتأثيرها

يُناقش أهمية الاستمرار على الأعمال الصالحة بعد رمضان ويحذر من الاغترار بالطاعات والانقطاع عنها بعد رمضان. الأعمال الصالحة سبب لتغير الأحوال في الدنيا والآخرة.

أهمية العمل الصالح في الآخرة والقبر

العمل الصالح له أهمية كبيرة في الآخرة والقبر، حيث يبدأ تأثيره منذ لحظة الموت ويحدد مصير الإنسان إما إلى الجنة أو النار. يجعل قبض الروح يسيرًا ومطمئنًا ويكون أنيسًا للإنسان في قبره.

أهوال يوم القيامة والنجاة بالأعمال الصالحة

يوم القيامة يحمل أهوالًا عظيمة، لكن الأعمال الصالحة تنفع وتقي من هذه الأهوال مثل الشرب من حوض النبي والظل يوم لا ظل إلا ظله. الأعمال الصالحة سبب للنجاة.

تطاير الصحف وأخذ الكتاب يوم القيامة

تأتي مسألة تطاير الصحف حيث يأخذ كل شخص كتابه إما بيمينه أو بشماله، وتحتوي على جميع الأعمال لإقامة الحجة. طريقة أخذ الكتاب تعتمد على الهيئة التي يأخذه بها وتدل على المصير.

وصف أخذ الكتاب بيمينه يوم القيامة

يوم القيامة، يأخذ الناس كتبهم، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، ويقول عندها: ها هو كتابي، إني كنت موقناً بلقاء حسابي. وصف ذلك بأن يده اليمنى ممدودة للأمام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا زيارة إخواننا في هذا الحي الطيب، وفي هذا المسجد المبارك نجتمع فيه وإياكم فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا، فجزى الله خيرًا كل من أسهم وأعان لعقد مثل هذه المجالس المباركة وهذه الحلقات الفاضلة التي يعم نفعها للقاصي والداني. وهكذا إخواني في الله، بعد شكر الله شكرنا لأخينا أبي أحمد، جزاه الله خيرًا فيما كان من مقدمته وما كان بترحيبه بإخوانه، وهذا من دمث أخلاقه، فجزاه الله خير الجزاء. وإن كان هذا المسجد هم سعداء بنا، فنحن والله بهم أسعد، وكيف لا، فالأرواح جنودٌ مجندة، ما تعارف منها اتلف، وما تناكر منها اختلف. وحسبنا أن جمعتنا مثل هذه المجالس المباركة التي من اجتمع فيها وحولها ما خاب سعيه، بل وهي من أعظم المؤاخاة التي جعلها الله جل وعلا لأهل هذه الدنيا أن نجتمع على طاعته وعلى ذكره والتعاون على إحياء شعائر دينه، فالحمد لله أن جمع بين القلوب من غير ميعاد. إخواني في الله، حديثي وإياكم في هذا المقام، وخاصة ونحن قريب عهدٍ بختام شهر رمضان، تلكم الأيام والتي كانت من أجمل أيام أهل الإسلام، أقبل فيها من أقبل على طاعة الرحمن، بل الكل قد بذل ما يستطيع على بذله من طاعاتٍ وأعمال وأقوالٍ وأحوال، ذاك بصلاةٍ وصيام، وآخر بذكر الله وقراءةٍ للقرآن، وآخر بالبذل والعطاء والبر والإحسان. فالكل قد شمر عن ساعد الجد لكي يصل إلى رضى الرحمن جل وعلا، وهذا كان من عظيم إنعام الله علينا أن يسر لنا حضور هذا الشهر بكماله وتمامه بإدراك لياليه والتقلب في أيامه. فكم من أناس كانوا أشدَّ منا حرصًا وأكثر منا حبًا على حضور هذا الشهر، لكن سبقتهم الآجال ووافتهم المنية وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون. إخواني في الله، ما إن يكاد ينقضي رمضان إلا ورأينا بعض الظواهر والسلوكيات المشينة، سلوكيات دينية ما كان ينبغي على أهل الإسلام أن يتخلق بها. وإن هذه الظواهر إخواني في الله، والتي أشير إليها إشارات، وهي تنبئ عن خطأٍ عظيم في تربية المسلم لنفسه مع ربه جل وعلا. من ذلكم ما كان من أمر الإغترار على الله بطاعاتك وعباداتك، قد حصل هذا، كم منا من لربما إذا رأى من نفسه طاعةً وعبادة فيرى أنه بعد رمضان له أن يفسح له المجال بفعل المنكرات، بحجة أنه يكفيه أنه صلى وصام وذكر الله وقرأ القرآن، كما قال ربنا ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمن علي إسلامكم بل الله يمن عليكم﴾. وهذه من الظواهر المشينة، ومن الظواهر كذلكم والمنحرفة ما نراه من بعض الناس أنه بعدما تحصل على هذه الحسنات من جراء الأعمال والطاعات التي تعب عليها في رمضان، إذ به تذهب عليه سدى، وذلك بعدما تورط في مبطلات الأعمال، ما تفطن لها، وقع في أقوال، وقع في أحوال لربما عادت على أعماله وعلى حسناته بالزوال، وهذا من عظيم الخسران. هذا من عظيم الخسران أن تذهب عليك أعمالك يا عبد الله أدراج الرياح. وهذا كذلكم من الظواهر المشينة، من الظواهر المشينة التي أشير إليها ما كان من الإنقطاع عن الطاعات والأعمال، وهذا في حق أناس كانوا قد بذلوا الكثير في طاعة الله جل وعلا في هذا الشهر الفضيل، بصلاةٍ وصيامٍ وقراءةٍ للقرآن وذكرٍ للرحمن وبرٍ وتقى وإحسان. لكن متى ما ولَّ رمضان ترك هذا بالكلية، ويكأنه يعبد رمضان لا يعبد ربَّ رمضان، ورمضان شهرٌ فات ويفوت، لكن ربُّ رمضان هو حيٌّ لا يموت جل في علاه. إخواني في الله، هذه الظواهر التي سمعتموها آنفا، المقام فيها يطول، والتحدث في تفاصيلها مما يحتاج لها هذا المقام وأكثر من مقام. لكن حسبي إخواني في الله أني أشير إلى أحد هذه الظواهر، نتحدث عنها، وهي الظاهرة الثالثة، وهي من أعظم الظواهر فشوًا وانتشارًا بين الأفراد والمجتمعات، ألا وهو الإنقطاع عن الأعمال الصالحات. بالأمس عبد الله، انظروا ولينظر كلٌّ منا إلى نفسه، ولينظر كذلك إلى غيره، وليستذكر ما كيف كان حاله في مزده في رمضان. كانت المساجد تضج وتعج بالمصلين والتالين والقارئين والذاكرين والمصلين، ما إن ولَّ رمضان إلا وقلت الأعداد، قل من يقرأ منا القرآن، قل منا من يحرص على الصلاة والصيام والقيام، تبددت تلكم الجهود، وضاعت تلكم الأعمال التي قام عليها الكثير من الناس، فما رأينا إلا القليل. إخواني في الله، إن كان من حديثٍ في هذا المقام، وبه نشحذ الهمم إلى الاستمرار على الأعمال، ينبغي أن نتفطن إلى مسألةٍ مهمة، ألا وهي هل تظن يا عبد الله أن ما قمت به من أعمال وتأمل يا عبد الله أعمالك الذي أنت قمت بها في رمضان، هل تظن أن أعمالك الذي قمت بها هي فقط إبراءً للذمة، وأنها فقط هي سبب من أسباب دخول الجنة؟ لا يا عبد الله، الأمر ليس كذلك، الأمر ليس كذلك، الأعمال الصالحة نعم نفعلها إبراءً للذمة لأن الله أمر بها، رغب إليها، حث عليها، وهي كذلك سببٍ أعظم أسباب دخول الجنة، لكن لا يقف الأمر إلى هذا الحد، بل إن الأعمال يا عبد الله من أعظم أسباب تغير الأحوال، الأعمال الصالحة من أعظم أسباب تغير الأحوال، سواء كانت أحوالنا في الدنيا أو أحوالنا في الآخرة. أحوالنا في الدنيا وأحوالنا في الآخرة هي مرهونة بأعمالنا، قال ربنا جل وعلا ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبة﴾، قال المفسرون: الحياة الطيبة المقصود بها هي الحياة الدنيوية والحياة الأخروية تكون حياةً طيبة بالعمل الصالح، تعيش عبد الله عيشةً هنية. فأنت الذي تستثمر الأعمال، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمناً، حسنة يعطى بها في الدنيا ويجاز بها في الآخرة». الأعمال الصالحة مردودها وجزاؤها وثوابها يكون في الدنيا بما نجده من تغير أحوالنا، ونجده أيضاً في الآخرة مما يكون من تيسير أحوالنا في الآخرة. في خطبة الجمعة التي أقيمت في جامع التقوى، تحدثت فيها إخواني في الله حول أن الأعمال الصالحة سبب من أعظم أسباب تغير أحوالنا الدنيوية، يغير الله حالنا بما يكون من أعمالنا. فالعمل الصالح سبب من أسباب سكون القلب وراحة النفس، وهو سببٌ كذلك لنيل الإجلال والإحترام والتوقير لدى الأنام. العمل الصالح سبب من أعظم أسباب حفظ الأهالي والذراري من بعدك، ومنهم تحت يدك، العمل الصالح سبب من أسباب الأمن والأمان للأفراد وعلى ربوع البلدان، العمل الصالح من أعظم الأسباب التي تستجلب فيها الأرزاق، العمل الصالح سبب من أعظم الأسباب التي يصلح الله فيها البلاد والعباد والأفراد والمجتمعات، ويغير الله الأكوان. العمل الصالح سبب ليس فقط في جلب الخير، بل كذلك في دفع الضر والشدائد والنكبات والمحن والفتن والمصاعب، كل ذلك مما يكمن في حياتنا الدنيا يكون بالعمل الصالح. ولست الآن في صدد ذكر ذلك، قد ذكرنا ذلك من أراد أن يستزيد فليراجع ما ذكر. لكن مواصلة يا عبد الله في بياني، العمل الصالح يا من تتقاعس عنه وتتباطأ فيه، اعلم كما أنه سبب من أعظم أسباب تغير أحوالك في الدنيا، فهو كذلك من أعظم أسباب حالك وتغيرها في الآخرة، الحياة الأخروية. لا أتحدث عن الجنة، لها من لحظة موتك إلى الجنة هناك المفاوز العظيمة، الآلاف والآلاف والآلاف من السنين تنقضي على الخلائق والأكوان. كل ذلك مرهون بعملك الصالح، أم حسب الذين اشتروا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم؟ ساء ما يحكمون، لن يكون أبدًا، الحياة والممات سواء بالنسبة للذي اشترى السيئات والمعاصي والذنوب، كحال من حرص على الأعمال الصالحة. العمل الصالح يا عبد الله تبدأ مراحله منذ أن تفارق هذه الدنيا، إذا أردت يا عبد الله أن تموت وأنت مطمئن البال، وتبشر بجنان الخلق، احرص على أن الموت يأتيك وأنت على عمل صالح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أراد بعبد خيراً عسله»، قالوا: يا رسول الله، وما عسله؟ قال: «يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته، فيقبض عليه». الله أكبر، العمل صالح إذا جاءتك منيتك وأنت على عمل صالح، احمد الله، فالله أراد بك خيرًا بالعمل الصالح، كونك تموت على حسن خاتمة، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها أدخله الله الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها أدخله الله الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له به أدخله الله الجنة». بالعمل الصالح قد يقول قائل: وكيف لي أن أعرف أن المنية ستأتيني في اليوم الفلاني حتى أستعد بالعمل الصالح؟ لن تعرف، لن تعرف أبدًا، إذن هذا مفاده أن تكون دائمًا على عمل صالح، فإذا جاءتك منيتك في ليل أو نهار وأنت على عمل صالح، كانت هذه من أعظم بشراتك فيما سيأتيك يوم القيامة. فإن مت يا عبد الله، تأتي مسألة قبض الأرواح، تنزل الملائكة من السماء حينها، نزع روحك، إنما هو مرهون بعملك، أنت محسوب على من؟ فإن كنت محسوب على أهل الصلاح ممن عمر الدنيا بالأعمال الصالحة، فأبشر يا عبد الله، فأبشر يا عبد الله بقبض روحك. كما جاء في مسند الإمام أحمد: أن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع عن الدنيا وإقبال على الآخرة، نزلت عليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنهم الشمس، فيجلس ومعهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، فينزل ملك الموت، فيجلس عند رأسه، وينادي النفس خاطبًا لها: «يا أيتها النفس المطمئنة، أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان»، فيخرج روحه كما تخرج القطرة من في السقاء. هذا العبد الصالح، أما إذا كان العبد كما جاء في حديث البراء: وأما العبد الكافر أو الفاجر العاصي البعيد عن ربه، في قبض روحه تنزل عليه ملائكة سود الوجوه، معهم كفن من النار، وحنوط من النار، فيجلسون منه مد البصر، فينزل إليه على رأسه ملك الموت، ويخاطب النفس: «يا أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخط من الله وغضب»، فتتفرق روحه بين أعضائه، تحاول أن تهرب من مسألة النزع والقبض، فيقبضها وينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول. هكذا يا عبد الله تتم بدايات مراحل الآخرة، بما يكون من صلاحك أو فسادك. فإذا تمت قضية نزع الأرواح، تأتي مع ذلك مسألة البرزخ وما يكون في القبر، أعظم ما ينفعك وأنت يا عبد الله في هذه الحفرة التي لا أنيس فيها ولا جليس، إلا ما كان من عملك الصالح. جاء في الصحيح من حديث أنس، قال عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاثة، يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله»، العمل هو الذي يبقى معك، العمل هو الذي سيحدد مصيرك وأنت في هذه الحفرة، إما أن تنعم وإما أن تعذب. وقد جاء ذلك موضحًا في حديث البراء بن عازب، في مسند الإمام أحمد، وفي سنن أبي داود: أن العبد الصالح إذا كان في قبره، خرج إليه رجل أبيض الوجه، أبيض الثوب، طيب الريح، فيقول: «أبشر أبشر بالذي يسرك»، هذا يومك الذي توعد. فيقول هذا الميت للرجل: من أنت؟ من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بخير، فيقول: أنا أنا عملك الصالح، سبحان الله، الأعمال الصالحة يجسدها الله لك أمامك بهذه الصورة، بهذه الهيئة، فمن الآن يا عبد الله حسن صورة عملك، إذا أتاك وأنت في قبرك، بياضه، طيب ريحه، ما يكون من شكله يعتمد على عملك. فيقول: أنا أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصيته، فجزاك الله خيرًا، فتفتح له نافذة وهو في قبره، نافذة تطل على الجنة، فيرى من حورها ومن دورها ومن قصورها، فينادي بأعلى صوته: «ربي أقم الساعة، ربي أقم الساعة»، فرحًا بماذا؟ فرحًا يا عبد الله بأعماله، بصلاته، بصيامه، بقيامه، بذكره لله، لا بتقاعسه، لا بتكاسله. والعكس بالعكس، جاء في الحديث كذلكم على أن العبد الكافر أو الفاجر، خرج إليه في قبره رجل أسود الوجه، كريه المنظر، أسود الثياب، كريه الريح، يقول لهذا الميت: «أبشر أبشر بالذي يسوءك»، فهذا يومك الذي توعد. فيقول الفاجر: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالشر، فيقول: أنا أنا عملك السيء، فوالله ما علمتك إلا سريعًا لمعصية الله، بطيئًا عن طاعته، فلا جزاك الله خيرًا، فتفتح له نافذة تطل على النار، فيرى من مقعدها، وما يكون من قصورها ودورها، وما أعده الله له من العذاب والنكال، فينادي حينها بأعلى صوته: «ربي لا تقم الساعة، ربي لا تقم الساعة». هنا العمل الصالح يا عبد الله ينفعك، لا أموالك، ولا دنانيرك، ولا لعبك، عملك ينفعك. ومن أعظم الأعمال التي تنتفع بها يا عبد الله، وأنت في برزخك وأنت في قبرك، الحرص على أركان الإسلام ومبانيه العظام. روى أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد المؤمن إذا وضع في قبره، جعلت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن يساره، وفعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان للناس عند رجليه»، هذه مواطن الدفاع. وهذا لمن كان من أهلها، من كان من أهل الصلاة، من أهل الصيام، من أهل الزكاة، من أهل المعروف، قال عليه الصلاة والسلام: «فيؤتى أي أراد العذاب أن يأتيه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبل مدخل، فيأتي فيؤتى من قبل يمينه، فيقول الصيام: ما قبل مدخل، فيؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبل مدخل، فيؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان للناس: ما قبل مدخل»، يحمى بماذا؟ تحمى يا عبد الله بالأعمال. هذا الذي نريد أن نوضحه، العمل الصالح يا عبد الله سيمشي معك في كل مرحلة من مراحل الآخرة، ما ينفعك مالك، ليس له ذكر، ولا قصورك، ولا كان من لعبك، وما كان من نومك، ولا من سباتك، ما ينفعك إلا عملك، كما قد مضى، ما يكون من العمل الصالح أن يغير حالك إلى أحسن حال في الدنيا، كذلك وفي الآخرة يغير الله حالك، يحميك بعملك. فلا يزال الناس في قبورهم، تتعاقب الأجيال تلو الأجيال، والأمم والشعوب تتدافع بعضها فوق بعض، إلى أن يأتي الوقت المحدود والوقت المعلوم لقيام الساعة، حينها يأمر الله جل وعلا بالنفخ في الصور، وبالبعث والنشور، فيهلك كل من في السماوات والأرض من الكائنات والمخلوقات، كل من عليها فان. ثم ينفخ فيه أخرى، فيقوم الناس من الأجداث، يقومون من قبور، وقد تشققت القبور عنهم حفاة عراة غرلا غير مختونين، حين يسمعون النداء، يسمعون النداء الذي يوجههم إلى أن يتقدموا مباشرة إلى أرض المحشر، فيتحرك الناس من قبورهم، أمم أمم، من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يعلم بهم إلا الله. يوم يتبعون الداعية، لا عوج له، داعي يدعوهم، يأمرهم بالاجتماع، فإذا بهم قد اجتمعوا في ساحة الحشر، ساحة مهدها الله، يجعلها الله جل وعلا أرضًا ممهدة، حتى تجتمع جميع الخلائق، جميع الخلائق، لا أحد يدري بهم إلا الله. من الإنس والجن، أمم وأجيال، وشعوب وكائنات ومخلوقات، فإذا اجتمعوا، تبدأ الآن وحينها تأتي أهوال القيامة العظمى، أول ما يكون من أهوالها القيام، القيام الطويل، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يقوم الناس على أقدامهم، ولا يعرفون ما الذي صار، ما الذي كان، القلوب واجفة، والأبصار خاشعة، الكل يرترقب، فلا تسمع إلا همسة. ومع طول القيام في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة، أرأيت يا عبد الله؟ لا نتحدث عن الحياة الدنيوية، لا شيء أمام الآخرة، عندما نتحدث عن الأعمال وأهمية الأعمال في الدنيا والآخرة، نتحدث عن تلك الأهوال، عبارة عن آلاف آلاف آلاف السنين، لا تخطر على بال. هنا يغيرها الله بفضل أعمالك، كما غيرها الله في دنياك، كم عساك عشت في الدنيا؟ مئة سنة؟ خذ مئتان سنة يا عبد الله، تقلب بعملك مئتان سنة، لكن ما أخفها، أعظم في هذا اليوم مقدار خمسين ألف سنة، يقوم الناس، ومع شدة القيام يكون الإزدحام والضيق. وقد حسن العلامة الألباني حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة»، ضيق الناس من خوفهم، يتباقون، يتكالبون، يجتمعون، يضيق بعضهم على بعض كالخائف، فكان يستعيذ من ضيق المقام يوم القيامة. في هذا الوقت، ومع طول القيام، والناس يلتزمون الصمت، وتمر السنوات تلو السنوات، وهم على هذا القيام، هنا على القول الصحيح يبرز الحوض المورود، حوض نبينا عليه الصلاة والسلام، ولكل نبي حوض، كما جاء في بعض روايات هذا الحوض، يبرز، يأتيه من كان متبعًا لنبينا عليه الصلاة والسلام. عملك ينفعك، عملك ينفعك، لأن ليس كل أحد يشرب من هذا الحوض المورود، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ينادي أمته: «هلم إلى الحوض»، فإذا بأقوام من أمته يزادون يمنعون، فيقول نبينا: «يا رب أمتي، أمتي، أمتي، أمتي»، فيقال: «يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا»، يدخل العلماء في التغيير، من كان مقتحمًا للكبائر، ومن كان واقعًا في البدع والمنكرات، يمنعون عن الحوض. وإن الشرب من الحوض المورود في هذه الساعة يأتي لكي يشرب الموحدون، لكي يشرب الموحدون من هذا الحوض، لأن من شرب منه لن يظمأ بعدها أبدًا، وهذه من أول بشارات أهل الإيمان، أول بشارة إذا سمح لك مع طول القيام أن تذهب إلى الحوض وتشرب، هذه أول بشارة لك بالخيرية، وعلى أن ما بعد ذلك أسهل. لأن هذا الشرب لن يجعلك تضمأ بعدها أبدًا، ومن شرب منه سيدخله الله الجنة، ولو بعد حين، فيرجع الناس بعدما شربوا، يرجعون إلى القيام، وبعد ذلك، وهم في قيامهم تنزل الشمس، تنزل الشمس على رؤوس العباد، نحن الآن نشتكي من حر الشمس، وأين هي؟ وإن في كبد السماء، ونحن نشتكي من حرها، ولا نستطيع القعود تحتها. فما ظنك بهذا الجرم السماوي يدنو حتى يكون فوق رؤوس العباد، حينها يبتل الناس بالعرق، لكن عرقنا على قدر أعمالنا، كما جاء في حديث المقداد رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ويكون الناس على قدر أعمالهم بالعرق»، الأعمال كما قلت لك يا عبد الله في كل مرحلة من مراحل القيامة، عملك الذي ينفعك. فمن كان على عمل صالح فهو من أبعد الناس عن هذا الغرق، ومن كان ثقيل من العمل الصالح يبتلى بالغرق، يبتلى بالعرق الذي يدخل عليه الغرق، فأشد الناس غرقًا الكفار، ثم أهل الكبائر، ثم من دونهم من سائر المعاصي والذنوب. ومع هذا الهم، ومع هذا الغم، ومع هذا الكرب، إلا أن جماعة من الناس حرزهم الله من هذا الضيق، ومن هذا العرق. يترى من هم؟ العرق، والساحة ساحة الحشر تكون عرضة لنزول الشمس عليهم، والناس كلهم يبتلون بالعرق، منهم عرقه يصل إلى كعبه، منهم عرقه يصل إلى ركبته، منهم من عرقه يصل إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق، ومنهم من يسبح في عرقه. لكن قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، أتدري من هؤلاء يا عبد الله؟ هم أصحاب الأعمال الصالحة، من كان على عمل صالح يحميه ربه، قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». أعمال قاموا بها في هذه الحياة الدنيا، نفعتهم يوم أن تدنو الشمس فوق رؤوس العباد، الأعمال هي المنجأ يا عبد الله من ذلكم اليوم العظيم، فالأعمال يا عبد الله تنفعك وأنت في هذه الساحة. فبعد القيام، وما يكون من نزول الشمس فوق رؤوس العباد، وقد طال القيام بالعباد، حينها يبحث الناس عن المخرج، تعبت الأبدان، كلت الأجساد، سنوات طوال، سنوات طوال، وهم على هذه الهيئة، على رعب وخوف. ما الذي سيكون؟ ما الذي سيصير؟ ما الذي صار؟ حينها يبحثون عن الوساطة التي بها يصلون إلى فصل القضاء، ألا وهو الشفاعة، يعلمون أنه لابد من شفاعة تأتي الآن، تتوسط إلى الله جل وعلا، تطلب منه فقط فصل القضاء، فصل القضاء، ولن نبقى على هذا القيام الذي تعبت منه الأقدام. فيذهبون إلى آدم، وقد علموه وعلموا منزلته، يطلبون منه أن يدعو ربه، وأن يدعو الله جل وعلا في أن يفصل القضاء بين الخلائق، لكنه لا يفعل، يحيل إلى غيره، فيذهبون إلى نوح، يحيل إلى غيره، يذهبون إلى إبراهيم، يحيل إلى غيره، يذهبون إلى موسى، يحيل إلى غيره، يذهبون إلى عيسى، يحيل إلى نبينا صلى الله عليه وسلم. فيقول: «أنا لها»، صلوات ربي وسلامه عليه، الشافع المشفع، فيأتي نبينا صلى الله عليه وسلم، ويخر تحت عرش الرحمن، فيدعو ربه، ويدعو ربه، ويدعو ربه، ويلهمه الله من المحامد والثناء على الله جل وعلا، فيقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع»، فيقول: «من طلبة يا رب؟ افصل القضاء بين الخلائق»، فحينها يأذن الله جل وعلا بفصل القضاء بين الأنام. وهنا يا عبد الله تبدأ عمليات الحساب، أول ما يكون من فصل القضاء بعد الشفاعة، ما يكون من عرض الأعمال على الله، كما قال سبحانه: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾، قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان»، حين تبدأ عرض الأعمال على الله جل وعلا. وعرض الأعمال على قسمين، وكل طريقة في حساب العبد يستطيع صاحبها أن يعلم بالمصير الذي سيكون، من رأى أن حسابه عند ربه جل وعلا أن الله يقرره بذنوبه فقط، يقرره بذنوبه: «فعلت كذا، فعلت كذا، فعلت كذا»، والعبد يقر: «نعم يا رب، فعلت، نعم يا رب، عملت، نعم يا رب، فعلت»، والعبد يقر على نفسه بأنه أذنب، وأنه قد فرط في جنب ربه. فإن كان العبد وجد أن طريقة حساب الله له عبارة عن تقريره لذنوبه، فليبشر بخير، فليبشر بخير، لأن ختام هذا التقرير العفو، وهذا هو الحساب اليسير، وقد كانت عائشة رضي الله تعالى تقول: «كان من دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا»، هذا هو الحساب اليسير، أن يجد العبد أن ربه يقرره بذنبه. الطريقة الثانية في الحساب، وهي طريقة النقاش، إذا وجد العبد من نفسه أنه يجادل ربه: «لا يا رب، أنا ما فعلت، يا رب، أنا ما من الذي يشهد علي؟ أنا يا رب، لا ما صليت كذا»، وأخذ يجادل بينه وبين ربه، أخذ وعطاء، فليعلم أن نهاية هذا الحساب عذاب، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عذب»، نسأل الله السلامة والعافية. من نوقش الحساب عذب، إذا وجد العبد من نفسه المجادل مع الله، فليعلم أنه خاسر لا محالة، ولهذا كان من دعاء نبينا: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا». إخواني في الله، مع هذا الحساب اليسير، ومع هذا الحساب العسير، إلا أن أقوامًا لا يحاسبهم الله، قد يقول قائل: هل يوجد هذا؟ نعم يوجد هذا. هل يوجد أناس ليس عليهم حساب، ولا يترتب على ذلك عقاب؟ نعم، من هؤلاء؟ أصحاب الأعمال الصالحة، العمل الصالح يا عبد الله، قال عليه الصلاة والسلام: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بلا حساب، بلا حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، هؤلاء الأصناف الأربع. يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، ولا عذاب، هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، أن يتشاؤمون، وعلى ربهم يتوكلون، هؤلاء إذا قاموا من ساحة الحشر يذهبون مباشرة إلى الجنة، أنعم بها، أنعم بها يا عبد الله من رفقة، لكن ما وصلوا إلى هذه المنزلة إلا لأجل أعمال عملوها. بعد الأذان إخواني في الله، نواصل الحديث حول هذه المسائل، والله تعالى أعلم. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، عباد الله، وإخواني في الله، ومواصلاً فيما نحن بصدده، وإنما تطرقنا لهذا الموضوع بداية إشارة إلى تلكم الظاهرة التي فشت في كثير من المسلمين والمسلمات. وذلك بعد انقضاء شهر رمضان، ما كان من فتورهم وتقاعسهم وتكاسلهم في باب الأعمال، فالكثير يظن أن عمله الصالح في رمضان إنما فقط إبراءً للذمة، وأنه فقط يوصله إلى الجنة، فكان ينبغي إخواني في الله أن نعلم حقيقة فضيلة العمل الصالح، وأن العمل الصالح ليس هذا مجاله فقط، بل مجاله أعم وأعظم وأفضل وأكبر. فإن العمل الصالح يا عبد الله الذي تفعله هو سبب من أعظم أسباب تغيير أحوال العباد وأحوال الأنام في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا قد سمعنا ومما ذكرنا في خطبة الجمعة عن بعض التغييرات العظيمة في الأفراد والمجتمعات، وفي المناخ والأكوان، في الأرزاق، وفي دفع المصائب، يكون بالعمل الصالح. وليس هذا فحسب، بل ما سمعنا في محاضرة الليلة حول أن العمل الصالح معك يسعفك، وأنت يا عبد الله منذ أن تنتقل في مراحل الآخرة، مرحلة بعد مرحلة، والعمل الصالح بجنبك ينفعك، يعينك، يدفع من عذاب الله ما يدفع. أشرنا إخواني في الله إلى نزع الأرواح، وما يكون بعد ذلك من الحياة البرزخية، وما يكون كذلك من القيام، وما يكون من الشرب من الحوض المورود. وما يكون من دنو الشمس فوق رؤوس العباد، وما يكون من عرض الأعمال على الله، كل هذه المواطن من كان من أصحاب الأعمال فليبشر بخير مقام. وبعد ما يتم إخواني في الله عرض الأعمال على الله جل وعلا، تأتي مسألة تطاير الصحف، تطاير الصحف والدواوين، فآخذ كتابه بشماله، وآخذ كتابه بيمينه. وهذه الصحف، وهي صحف الأعمال، حقيقتها أن الله جل وعلا فيها يريك أعمالك فقط لإقامة الحجة عليك، اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، كفى، انظر في هذه الصحيفة، فستجد كل شيء قد سطر فيه، لأن من شأن هذه الصحيفة أنها ما تترك شيئًا، ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا. كل شيء، كل شيء قمت بفعله، عمله، قولاً أو فعلاً أو حالاً أو سلوكًا أو ضميرًا، كل شيء مسطر، مسجل، فهذا الكتاب في الحقيقة إقامة الحجة، تقيم الحجة على نفسك، اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا. وأخذ الكتاب يا عبد الله يعتمد على ماذا؟ يعتمد على طريقة الأخذ، على طريقة الأخذ. فعلى حسب الهيئة، على حسب الهيئة ستعلم يا عبد الله المصير، وأخذك للكتاب يعتمد على ماذا؟ على عملك الصالح، أو على العكس، فمن الناس من يأخذ كتابه بيمينه، يأخذ كتابه بيمينه، قيل في صفته: أن يده ممدودة للأمام، يمينه ممدودة للأمام، يقول: «ها مقرأ كتابي، إني ظننت أني ملاق حسابي