شرح المنظومة الدالية في السنة 6

الدرس في شرح المنظومة الدالية في السنة 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرد على من ينكرون كلام الله

يناقش مسألة كون القرآن كلام الله غير مخلوق ويرد على من ينكر ذلك. يُبين أن القرآن كلام الله حقيقة وليس حكاية أو عبارة عن كلام الله.

مسألة اللفظ بالقرآن وخلق الأفعال

يتناول آراء الكرابيسي في مسألة اللفظ بالقرآن وخلافه مع الإمام أحمد، كما يتناول مسألة خلق أفعال العباد. يُظهر كيف حذر الإمام أحمد وابن خزيمة من آراء المعتزلة والجهمية.

خلق أفعال العباد وموقف أهل السنة

يناقش مسألة خلق أفعال العباد وآراء الفرق المختلفة حولها. يُوضح موقف أهل السنة والجماعة بأن أفعال العباد مخلوقة لله مع وجود مشيئة للعبد.

تحذير العلماء من القدريّة

يُناقش موقف العلماء من القدريّة ويُبيّن تحذير الإمام أحمد من الصلاة خلفهم. يُشير إلى كفر الغلاة الذين ينفون المراتب الأربع وعلم الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد: آخر بيت قد نُقِلَ فيُصَفُ أنّه متكلم. قلت: السكوت نقيصة للمتكلم أو نقيصة للسيد، وهذا كما قلنا في إثبات أن الله عز وجل متكلم. لكن هنا قوله: "السكوت نقيصة للمتكلم" معنى: إذا كان خرسًا يحمل على أن الله لا يتكلم، أن الله لا يتكلم، فهذا قول هؤلاء، لا شاعروا غيرهم، وإنما كلام نفسي. لكن هل السكوت صفة لله عز وجل؟ هل السكوت صفة لله؟ معنى أن الله عز وجل متكلم متى شاء، وهل يسكت؟ فهذا أكثر أهل السنة يثبتون هذه الصفة، يثبتون صفة السكوت أيضًا، أنه متكلم وله أيضًا صفة السكوت. وهناك بعض الأحاديث، وإن كان فيها ضعف، لكن قد استدل بها العلماء، منها حديث أبي هريرة: "أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تنتهكوها" أو قال: "فلا تبحثوا عنها". قال: "فلا تبحثوا عنها". وأيضًا في الحديث الآخر: "وما سكت عنه فهو عفو". ففيه أن هناك ما يسكت الله عز وجل عنه، فاستدل بعض العلماء بأن هناك أيضًا صفة السكوت. وقد ذكر شيخ الإسلام أيضًا إثبات هذه الصفة. لكن هنا الظاهر أنه أراد أن يرد عليهم أن الله عز وجل لا يتكلم؛ لأن الله عز وجل لا يتكلم لأنه لو كان المراد به معنى السكوت هنا الخرس، فالخرس صفة نقص في المخلوق، صفة نقص في المخلوق، فكيف تنسب إلى الخالق جل وعلا؟ فلا شك ما كانت صفة نقص في المخلوق، فلا شك أن فيها الخالق أيضًا أعظم نقصًا، فلهذا لا يجوز أن تُثبت لله عز وجل. لكن السكوت ليست صفة نقص، بل سكوت الله عز وجل كمال جل وعلا، وأيضًا أحيانًا تكون صفة كمال في المخلوق، أنه هو الذي يسكت، ليس أنه مثلًا لاجل خرس وكذا. قال رحمه الله: قالوا: فما القرآن؟ قلت: كلامه من غير ما حدث وغير تجدد. قالوا: الذي نقلوه. قلت: كلامه لا ريب فيه عند كل مسدد. الآن ذكر القرآن، القرآن كلام الله، كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. لكن قول المصنف: "من غير ما حدث وغير تجدد"؛ أما من غير ما حدث، فصحيح أنه ليس مخلوقًا، الحدث هو المخلوق. لكن الإشكال في "غير تجدد"؛ "وغير تجدد" فكلام الله في القرآن، كلام الله عز وجل منه بدأ وإليه يعود، ليس أنه عبارة كما تقول الأشاعرة، ولا حكاية كما تقول المعتزلة، بل القرآن كلام الله، فيه الاستفهام وفيه الخبر وفيه الأمر وفيه النهي وفيه أيضًا التمني وغيرها من الخبر والإنشاء، من أمور الخبر والإنشاء؛ لأن اللغة العربية إما يأتي فيها خبر وإما أن يكون الكلام مقصودًا، وكله في القرآن. لا كما تقول الأشاعرة: أن القرآن كلامه واحد، ليس فيه استفهام ولا غيره، إنما هو كلامه واحد؛ لماذا؟ لأنهم يقولون: أن الله عز وجل لم يتكلم به، وإنما حكاية، هذا عبارة عن كلام الله، فهذا خلاصة كلام الله الذي تكلم به، خلاصته في القرآن. وهذا كلام باطل، بل هو القول بخلق القرآن، هم لا يصرحون بخلق القرآن، لكن قولهم يدل على ذلك، قولهم يدل على ذلك. وكذلك الماتريدية الذين يقولون بأن القرآن حكاية عن كلام الله، معنى أنه لم يوحِ الله عز وجل، ولم يكلم الله عز وجل به جبريل، وإنما معنى: وضعه وأوحاه إلى جبريل، وجبريل حكاه عن الله، وجبريل حكاه عن الله. وهذا كله باطل، بل القرآن كلام الله جل وعلا. وأيضًا الإنجيل غير المحرف، كلام الله، والتوراة كذلك، هذه كتب الله جل وعلا التي أنزلها على أنبيائه. والقرآن شيء، والتوراة شيء، والإنجيل شيء، وأيضًا كذلك زبور، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله عز وجل، ليست كلها واحدًا كما تقول الأشاعرة. تقول: معناه يقول الأشاعرة: أن كلام الله حتى في اللغة غير صحيح، ولا في العقل، معناه يقولون: أن الله عز وجل كلامه واحد، هو الكلام النفسي، لكن يعبر عنه بالعربية بالقرآن، ويعبر عنه بالعبرية بالتورة، وهكذا بالسريانية بالإنجيل. وهذا كلام غير صحيح، ولا دليل عليه أصلًا. وربنا جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ وقال جل وعلا: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ وقال إيش في سورة لقمان: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾. فكلام الله عز وجل العظيم وكثير، لا كما حده هؤلاء بشيء محدود فقط. وهذا كله أش لماذا؟ يقولون هذا حتى لا يقول: أن الله عز وجل يتكلم متى شاء؛ لأنه لو قالوا: أن كلام الله عز وجل الكثير، وأنه ليس محدودًا، وليس أيضًا كذلك أو أنه له الكلام، لا، معناه: لبطل ما هم عليه من الكلام النفسي، لبطل ما هم عليه من الكلام النفسي. لهذا يقولون: القرآن خلاصة ما تكلم الله عز وجل به، وهو كلام الله، إن كان بالعربية كان القرآن، وإن كان بالسريانية وهكذا، من هذا الكلام. وهذا لا يقبله لا عقل ولا معروف في اللغة، وغيره من هذا. هؤلاء أضاعوا عقولهم بسبب الأشياء التي قيدوها. قال: قالوا: الذي نقلوه. قلت: كلامه لا ريب فيه عند كل مسدد. أيضًا الذين نقلوا هذا الكتاب، هو أيضًا نقلوه، ها نتلوه، ها أنا عندي نقلوه، ها عندي. هنا يقول: فيه نسخة: كأنها قال: في المنهج الأحمد، ومطبوعة الزامل: فنتلوه، فما نتلوه. فهذه بعض معنى اختلاف في النسخ، فما نتلوه، الظهر الصحيح: فما نتلوه. قالوا: فما القرآن؟ قلت: كلامه. أو قال: فقالوا: الذي نتلوه. قلت: كلامه. وهذا رد على من يقولون باللفظ، على الذين يقولون باللفظ: أن المتلو هو كلام الله، المتلو هو كلام الله؛ لأنها قد حصلت فتنة أيضًا أخرى بعد فتنة خلق القرآن، الجهمية لما كبروا وخسروا، وترك قولهم في خلق القرآن، وسوس الشيطان لبعض الناس ممن يسمع للجهمية أن يأتي بهذه الفتنة، هذه الفتنة جاءت من بعض ممن ينتسب إلى السنة، فقالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. فلهذا لما سمع الإمام أحمد هذه الكلمات، حذر ممن يقول هذا، حذر من أبي ثور الفقيه، صاحب الشافعي، لكن تراجع بعد ذلك، ولزم السنة. وحذر أيضًا الإمام أحمد من الكرابيسي، الحسين بن علي الكرابيسي. وأبو ثور والكرابيسي كانوا من أصحاب الشافعي، وكانوا معنا زملاء. فقالوا بهذا القول، وهذا بعد موت الشافعي رحمه الله. فلما سمع أحمد بقولهم، حذر منهم. فأما أبو ثور فرجع وتاب، وسلك السنة، وابتعد عن هذا القول. وأما الكرابيسي فأصر على قوله، أصر على قوله، وجاد في هذا القول، فتركه علماء السنة، فتركه علماء السنة، حتى أنه كان يقول: "ما هذا الصبي؟ ما يريد الإمام أحمد؟ قلنا: غير مخلوق. قلنا: مخلوق. قال: أنتم جهمية. قلنا: غير مخلوق. قال: أنتم مبتدعة". يريد أننا قلنا: لفظ بالقرآن غير مخلوق، أو مخلوق. قلنا: لفظ بالقرآن غير مخلوق. فكان الإمام أحمد يقول: "من قال: لفظ بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع". لأن هذه الكلمة لم يتكلم بها السلف، وأيضًا فيها إجمال؛ لما تقول: لفظ بالقرآن مخلوق، فيها إجمال، معناه: ما أتلوه الآن هذا مخلوق؟ لا، ليس مخلوق، هذا قرآن، كلام الله. لكن الصوت هو المخلوق، الصوت الذي يقرأ هو صوت هذا المخلوق، الإنسان. لكن الكلام كلام الله. ولهذا بعضهم لأجل التوضيح يقولون: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام البارئ. فالكلام كلام الله عز وجل. فالمتلو والموجود في المصاحف، وأيضًا كلما تصرف، كما قال البربهاري: كلما تصرف فهو قرآن. القرآن ما جاء عن الله عز وجل، القرآن معروف، سواء كان تلاه إنسان أو غيره، فهو قرآن. لكن هناك أشياء مخلوقة، مثل الصوت، والورق الذي يكتب فيه، والمداد الذي كتب به، هذه لا شك أنها مخلوقات. فلهذا جاءوا بهذه المسألة، جاءوا بهذه المسألة، وكلما الكرابيسي ونصح، لكنه أصر وأبى إلا أن يقول بهذا القول، فحذر منه الإمام أحمد أشد التحذير. وأيضًا سمع ابن معين أن الكرابيسي يتكلم في أحمد، فقال: "ما أحوجه للضرب! أحوجه أن يضرب، أخزاه الله". فما عرف قيمة أهل السنة وإمام أهل السنة. ولهذا يقولون: أن الكرابيسي كان ذكيًا، أو يقال: فيه أن عقله أكبر من علمه، عقله أكبر من علمه. فكان يتكلم في أشياء لا يحسنها، تكلم في تدليس الأئمة، فصار يأتي بأشياء ليوسع مدارك أهل البدع. فكتب كتابًا سماه "التدليس". فكان فيه بعض الأشياء المنكرة: أن فلانًا يدلس، وأن فلانًا يدلس. لكن ذكر أيضًا: انظروا إلى هذا البدع، يذكرون أشياء لا علاقة لها بهذا. فكان يريد أن يدافع عن شيخه الحسن بن صالح بن حيي، فقال: "وأما قول الحسن بن صالح بن حيي بالخروج، أو بالخروج على إمام الظلمة، هذا لا يضيره؛ فقد كان فلان الأعمى الشيعي، كان قتادة قدريًا، كان فلان كذا". ويجمع من هذه المسائل. فقال المروذي: قال: فذهبنا إلى الكرابيس، وقلنا له: هذا الكتاب الذي لك، الأفضل أنك تظهر التراجع؛ لأننا نريد أن نريه لأبي عبد الله، عن الإمام أحمد، أفضل لك أنك تتراجع من الآن. قال: "لا، أبو عبد الله رجل صالح، مثله يوفق للحق". فعن الآن جعل الحق كلامه، خلاص قد حكم على أن هذا الحق، وأن أبو عبد الله سيوافق على هذا. مثل كثير من الناس الآن، بعضهم الذي تجده مثلًا على السنة وكذا، لكن يأخذ قول فلان أو فلان، فإذا قلنا له: مثلًا سنرفع هذا الكلام إلى العالم الفلاني. قل: خلاص أرفعه، هذا العالم سيوافقني، أنا سيوافقني على قولي. وهذا الشخص أيضًا قال: هذا. قال: أبو عبد الله رجل صالح، سيوفق للحق. فقال المروذي: قال: فذهبنا إلى أبي عبد الله، وأريناه، ولم نقل له: هذا الكلام لفلان، أريناه الكلام، كنا نقرأه له. فقال: فقال: هذا الرجل جمع لأهل البدع ما لم يجمعوه في سنوات، جمع لهم الشبه في هذا الكتاب. قال: فحذروا منه، حذروا من هذا الكتاب. فلهذا في هذا الكتاب، هذا دسائس لأهل البدع. ولهذا بعض العلماء حتى حذر، أو عاب من يأخذ من كلام الكرابيسي من هذه الأشياء. المهم أن هذه المسألة، مسألة اللفظ بالقرآن، هذه انتشرت في زمن من الأزمان، لكن الإمام أحمد أطفأها أيضًا، كان في وقت الإمام أحمد، أو في آخر وقته رحمه الله. فكان يحذر من كل من يقول هذا. ولهذا قال مروان الطاطري رحمه الله: مروان الفزاري يقول: اعتبروا برجلين: اعتبروا برجلين: أبي ثور والكرابيسي. أما أبو ثور فمعنى كلاهما قال باللفظ، أما أبو ثور فرجع إلى السنة، فرفعه الله. وأما الكرابيسي فأبى، فوضعه الله. أن الكرابيسي كان عالما كبيرًا، ذكيًا، لكن الآن ضاع علمه، ما تجد أحدًا يذكره لا في الكتب، لا في كتب الرجال. وكان من أهل الحديث، ومن أهل الفقه، حتى الشافعية ما يذكرونه، مع أنه كان من تلاميذ الشافعي، ما كانوا يذكرونه. صحيح هو من تلاميذ الذين كانوا في العراق، لكن هناك مثلًا الحسن بن علي الزعفراني يذكره الشافعية على المذهب القديم، عندك الحميدي، الإمام أحمد، كثير من طلبة الشافعي، وأبو ثور أيضًا الذين كانوا في العراق عند الشافعي، يذكرونهم على أنه مذهب قديم. لكن الكرابيسي نادرًا ما يذكرونه، مع أنه قد ألف كتبًا كثيرة، لكن اطمحلت هذه الكتب وذهبت، وليس له شيء لا في علم الحديث ولا في علم الفقه. قال: فأيضًا هذه الفتنة ظهرت أيضًا في أصحاب ابن خزيمة، ابن خزيمة الإمام، إمام الأئمة، كان في وقت من الأوقات هو الإمام بعد وقت الإمام أحمد، ابن خزيمة أدرك وقت الإمام أحمد، لكنه لم يلتقي به، التقى مثلًا بالبخاري، التقى بمسلم، بالحجاج، التقى بهؤلاء. فكان له طلبة من الفقهاء الكبار: أبو بكر بن إسحاق، وثقفي، وفلان، وفلان. لكن دخلت عليهم هذه الشبهة، دخلت عليهم هذه الشبهة: لفظهم بالقرآن مخلوق. وكان ابن خزيمة ما كان يعرف، لكن يسمع أن بعض الطلبة كان يقول بمثل هذا، ثم علم بعد ذلك أن من يقول أكبر طلابه. فقام منبريًا لهم رحمه الله، وحذر منهم. أولًا نصحهم، حتى ذهب إلى بيوتهم، ذهب إلى بيوتهم. وقد ذكر كثيرًا من هذه القصة لشيخ الإسلام ابن تيمية في بداية ذر العقل والنقل، ذكر قصة هؤلاء وما حصل منهم. وأيضًا فعل ابن خزيمة رحمه الله: ذهب إلى بيوتهم ينصحهم، لكنهم أبوا، فحذر منهم أشد التحذير، فقمعهم الله، وبقيت السنة. فهذا قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق، هذا كلام باطل، كلام باطل. ولهذا قال: قالوا: الذي نتلوه. قلت: كلامه لا ريب فيه عند كل مسدد. قالوا: قالوا: فأفعال العباد، فقلت: ما من خالق غير الإله الأمجدي. قالوا: فهل فعل القبيح مراده؟ قلت: الإرادة كلها للسيدي، لو لم يرده لكان ذاك نقيصة، سبحانه أن يعجز في الردي. الآن هذه الأبيات الثلاثة في مسألة من مسائل القضاء والقدر، وهذه أيضًا من مسائل التي انتشرت وعم فيها الخلاف في تلك الأوقات، أوقات السلف المتأخرة، عندما ظهرت المعتزلة، عندما ظهرت المعتزلة، وقالوا بخلق أفعال العباد. قالوا بخلق أفعال العباد. معنى المعتزلة القدرية أصحاب عمر بن عبيد، وواصل بن عطاء، وأخذ هذا القول أيضًا بعض الجهمية، كالعلاف، وكأبي الهذيل، وغيرهم من المعتزلة. فأخذ بعضهم من الجهمية، وبعضهم من المعتزلة، أخذوا بهذا القول. لكن مذهب الجهمية المستقر عليه، الذي كان يقوله بشر المريسي، وقبله جهم بن صفوان: أنهم يقولون بالجبر، أن الإنسان مجبور على فعله، مجبور على فعله. لكن المعتزلة خالفوا الجهمية في هذا، وقالوا: أن العبد يخلق فعل نفسه، هذا قول، وهذا قول. وأهل السنة وسط بينهم، أهل السنة وسط. فهنا أفعال العباد هل هي مخلوقة أو ليست مخلوقة؟ هذه المسألة التي حصل فيها الخلاف بين أهل السنة، وهم في الوسط، وفي جانب المعتزلة، وفي جانب الجهمية، وتبعهم الأشاعرة والمعتزلة. فلما جاء هؤلاء الذين قالوا من المعتزلة القدرية النفاة، قالوا: أن العبد يخلق فعل نفسه، وليس لله عز وجل دخل في خلق فعله، وليس هذا. قالوا: لأن لو قلنا: أن الله يخلق فعل العبد، لمعنى ذلك أن الله يخلق الشر، يخلق الشر، ويريد الشر. وهذا جهل منهم، ظنوا أن فعل العبد هو فعل الله، فظنوا أنهم لو قالوا: بأن فعل الشر خلقه الله، معنى: نسب الشر إلى الله. وهذا الذي أوقعهم في هذا الجهل. ولهذا أهل السنة يقولون: أن أفعال العباد مخلوقة، أفعال العباد مخلوقة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، والله خلقكم وما تعملون. وأيضًا قال الله عز وجل: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. فأي فعل فهو بإذن الله ومشيئته، لا يحصل فعل في هذا الكون إلا بمشيئة الله وقدرته سبحانه وتعالى. لكن هؤلاء لم يفرقوا بين الإرادتين: الجهمية والأشاعرة أخذوا بالإرادة الكونية، والمعتزلة أخذوا بالإرادة الشرعية التي هي فعل العبد، وهي المحبة: أن الله عز وجل يحب فعل العبد. فالمهم أن خلاصة هذه المسألة: أن هؤلاء القدرية قالوا: بأن الله عز وجل لا يخلق فعل العبد، فعل العبد. وذكر الخطابي وغيره: أنهم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال: أن الله عز وجل يخلق الخير، ولا يخلق الشر، يخلق الخير ولا يخلق الشر. ولهذا سموا مجوس هذه الأمة. جاء حديث أخرجه الترمذي، وذكره من ألف في السنة: كعبد الله بن أحمد، والألكائي، وابن بطة في الإبانة، وغيرهم، ذكروا حديثًا: هذا الحديث جاء من حديث ابن عباس، وغيره. وهو من طريق نعيم بن عبد الله الخزاعي، قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تتبعوهم، وجاء فروا فلا تشيعوهم". لكن هذا الحديث، وإن كانت جاءت له طرق، لكن أكثرها فيها ضعف، بل بعضها فيها ضعف شديد. وأحسنها الذي جاء من طريق نعيم الخزاعي، ونعيم عنده منكرات ووهم. وسواء قلنا: أن هذا الحديث صح، أو لم يصح، فهم أخذوا بمذهب المجوس؛ لأن المجوس يقولون: أن النور، أن الله عز وجل إله النور، إله النور، والشيطان إله الظلمة، أن الله إله النور، والشيطان إله الظلمة. فيجعلون النور فيه خير، والظلمة ليس فيها خير. حتى قال المتنبي يرد على فرقة من المجوس، من المشرق: "كم لظلام الليل من يدٍ تحدث أن المانوية تكذب". المانوية هذه فرقة من فرق المجوس. "وكم لظلام الليل من يدٍ" أي: من نعمة. "تحدث أن المانوية تكذب"؛ لأن المانوية يقولون: الليل الظلمة هذه يخلقها الشيطان، والنور يخلقه الله. وهؤلاء شابههم، قالوا: الخير يخلقه الله، لا يخلقه الله، والشر لا يخلقه الله. لكن المتعارف عليه في مذهب القدرية: أنهم يقولون: أن الله، أن الفعل، أن العبد يخلق فعل نفسه، سواء كان خيرًا أو شرًا، أن العبد يخلق فعل نفسه. فلهذا فهم يجعلون العبد خالقًا، خالقًا، يجعلون العبد خالقًا يخلق فعل نفسه. والجبرية، الجهمية والأشاعرة يقولون: أن العبد مجبور، أن العبد مجبور على فعله، أن الله عز وجل خلق فعله، وليس له دخل أبدًا. لكن أهل السنة قالوا: إيش؟ قالوا: أن الله عز وجل يخلق فعل العبد، هذا صحيح، الله عز وجل يخلق فعل العبد. لكن العبد، لكن الله عز وجل جعل للعبد مشيئة في فعل الفعل، جعل له مشيئة يفعل بها الفعل. أن الإنسان الآن لما يريد المسجد، هو يريد المسجد، يريد أن يذهب إلى المسجد، يريد أن يذهب إلى شيء من المعاصي، يريد أن يذهب إلى كذا، فهو الذي ينشئ هذا عنده، استطاع أن يذهب إلى هذا. لكن وقوع هذا الشيء هذا بإذن الله. ولهذا يقول العلماء: أن الاستطاعة قبل الفعل، يدخل فيها فعل الإنسان. وأما استطاعة التي مع الفعل، فهذا لله، ما تكون إلا بتوفيق من الله جل وعلا؛ لأن وقوع الفعل هذا ما يحصل إلا بمشيئة الله وإرادته الكونية. وقوع الفعل الآن مثلًا: الإنسان ممكن يخرج من بيته ويريد المسجد، ولا يستطيع أن يذهب إلى المسجد، إما أنه يذهب إلى مكان آخر، أو مثلًا تأتي سيارة ومعنى تصدمه مثلًا، أو يذهب إلى مستشفى، أو يذهب إلى مكان. المهم أنه يصرف عن هذا. فهو خرج لأجل أن يذهب إلى المسجد، خرج ليصلي، لكنه لم يقع ذلك الفعل منه. فلهذا فهناك مشيئة للعبد يفعل بها الفعل، لكن قد يقع الفعل، وقد لا يقع؛ لأنه أمره إلى الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. معنى: عندكم أنتم، إذا أردتم الاستقامة، عندكم عندكم طريق الاستقامة، الله عز وجل جعل طريقين: طريق خير، وطريق شر، من سلك طريق الخير، وفقه الله. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾. فلهذا أهل السنة يقولون: أن القدر له أربع مراتب: العلم: أن الله عز وجل علم ما العباد فاعلوه. ثم كتب ذلك في اللوح المحفوظ، كتب هذه المقادير، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة". قال: فكتب ذلك في اللوح المحفوظ. ثم خلق خلق الأفعال، أفعال الخير، وأفعال الشر، خلقها كلها. ثم المشيئة بعد ذلك، المشيئة بعد ذلك. فما من شيء إلا تحت مشيئته جل وعلا، ما من شيء إلا بمشيئة الله جل وعلا. لكن كما قلنا، وكما دلت عليه الأدلة: أن العبد أعطاه الله عز وجل مشيئة يفعل بها الفعل. ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ جعل له مشيئة، إلا أن يشاء الله، أي: مشيئة العبد مقيدة بمشيئة الله. فالعبد يفعل، والموفق له، وأيضًا يجعل هذا الفعل يقع أو لا يقع، هو الله، هو الله سبحانه وتعالى، إن شاء وقع هذا الفعل، وإن شاء لم يقع. لكن العبد هو الذي ينشئ الفعل. ومذهب أهل السنة واضح في هذا. لكن كما قلنا: كان هناك القدرية النفاة، والقدرية المثبتة الذين إثباتهم فيه غلو، وهم الجبرية، وهم الجبرية. والقدرية على قسمين: قدرية غلاة الذين نفوا الأربع المراتب، وهؤلاء أجمع العلماء أنهم كفار. وقدرية نفوا الخلق والمشيئة، وهؤلاء يجعلونهم من كبار أهل البدع، حتى أن الإمام أحمد كان يحذر من الصلاة خلفهم. حتى سأله رجل: قال: "صليت خلف قدري". قال: "عد صلاتك". فلهذا فهؤلاء مذهبهم رديء جدًا. وأما الغلاة الذين ينفون المراتب الأربع، فهؤلاء كفرهم العلماء. حتى لما ناظر الإمام الشافعي ناظر حفص الفرد، فأنكر العلم، فقال له الإمام الشافعي: "قم يا كافر، أنا ما جالس معه". أنا هذا كفر، كيف أجلس معه؟ الرجل ينفي علم الله عز وجل. ولهذا كان يقول الشافعي رحمه الله: "ناظروا القدرية بالعلم، ناظروا القدرية بالعلم"، أي: علم الله عز وجل. فإن أثبتوه، فإن أنكروه كفروا، وإن أثبتوه خصموا. إن أثبتوا العلم، صار مذهبهم باطلًا، وإن أنكروه فهم كفار. إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكون الفطر صلاحًا. فسألت: فعل القبيح هنا، وأذكرها إن شاء الله.