الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تفسير آية المبايعة وشرح الشروط التي كانت النساء يبايعن النبي عليها مثل عدم الإشراك بالله والسرقة والزنا. كان النبي يبايع النساء بالكلام دون مصافحة.
النبي حذر من الشرك بالله وأكد على أهمية التوحيد، حيث يعتبر الشرك أعظم الذنوب. حق الله على العباد هو عبادته دون إشراك أحد معه.
شرح شروط المبايعة النبوية للنساء والنهي عن الزنا والبهتان. البهتان هو الكذب والافتراء، ويذكر قصة عن النبي مع امرأة أنكرت الزنا ولكن ولدها كان يشبه الزاني.
شرح أوامر الرسول للنساء المؤمنات بعدم إتيان بهتان وعدم عصيانه في معروف. تحذيرهن من إدخال أولاد أو بنات من الحرام على أزواجهن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فخذنا تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ إلى آخر الآية. وهذه الآية هي آية مبايعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء، وليس هي خاصة بنساء المهاجرات، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الرجال والنساء يبايعونه على هذه الأمور. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من وفى بهذه الشروط فله الجنة». فكان أيضًا يبايع الرجال كما جاء في حديث عبادة بن الصامت «يبايع الرجال على بيعة النساء». وجاءت أيضًا في بعض الأحاديث، مثل حديث أميمة بنت رقيقة - وهي أخت خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنهن، أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعهن على هذه البيعة، ثم قال: «وأن لا تنحن». وأيضًا كذلك في حديث أم عطية في الصحيحين أنه أيضًا بايعهن على أن لا ينحن، أي لا تجود المرأة أن تنوح، أن ترفع صوتها بالبكاء على الميت وتندبه وتأتي بأشياء عنه مع رفع الصوت، فهذا يعتبر نياحة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايعهن على أن لا ينحن، وبايعهن أيضًا فوق هذا على أن لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، لا يتبرجن، يخرجن متبرجات، فهذا أيضًا مما بايع به النبي عليه الصلاة والسلام النساء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بدون مصافحة، وما ورد في بعض التفاسير أو الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صافح امرأة فليس بصحيح، لم يصافح النبي عليه الصلاة والسلام امرأة. وما جاء في الصحيحين، فحديث أم عطية أن النبي عليه الصلاة والسلام بايعهن على هذه المبايعة، ثم قال: «وبايعهن على أن لا ينحن»، قال: «فمسكت امرأة بيدها»، أو قال: «فقبضت قالت: فقبضت امرأة بيدي وقالت: أسعدتني فلانة، فإني أريد أن أجازيها أسعدتني فلانة، جاءت في وقت الوفاة وناحت معي»، فقالت: «أسعدتني فلانة، فإني أريد أن أجازيها»، فلم يقل لها النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا، ثم ذهبت ثم رجعت وبايعت. وهذا لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصافح، فالجاء صريحًا أن في حديث أميمة بنت رقيقة - وهو في الصحيحين كذلك - أنها قالت: «يا رسول الله، لِمَ لا تصافحنا؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أصافح النساء، وقولي لامرأة كقولي لمائة امرأة، وقولي لامرأة كقولي لمائة امرأة، هذا قولي لهذه المرأة فهو لها جميعًا لكم جميعًا، ولا أصافح النساء». وكذلك جاء في الصحيحين في حديث عائشة أنها قالت: «لا والله ما صافح النبي عليه الصلاة والسلام امرأة قط، ولا مست يده امرأة قط». فكان النبي عليه الصلاة والسلام يبايعهن بالكلام، يبايعهن بالكلام. ثم قال: فكان إذا جاءته النساء يبايعنه والتزمن بهذه الشروط بايعهن وجبر قلوبهن، قال: «واستغفر لهن الله فيما يحصل منهن من التقصير، وأدخلهن في جملة المؤمنين». ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا ثبت في الصحيحين أنه كان يقول: «فيما استطعتن وأطقتن»، أي كان يقول بعدما يبايعهن: «فيما استطعتن وأطقتن»، هذا حسب الاستطاعة والطاقة. لهذا قالت أم عطية: «فلم يوف منا إلا خمس، خمسة نساء لم يوفين هذه البيعة بحقها إلا خمس نساء: أم سليم وامرأة معاذ، وذكرت أيضًا بقية النساء». وهذا يدل على أن هذا الأمر عظيم، مسألة المبايعة على شيء من هذه الأمور، فكانت النساء لم يوفين، قد يكون وفت في بعضها، لكن في بعضها لم توف، خاصة في النياحة، أو تقصد أم عطية خاصة في النياحة؛ لأن المرأة تسرع إلى ذلك، وكذلك كانوا في الجاهلية يكثرون من النوح ومن النياحة، فلهذا صار عليهن صعب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فيما استطعتن وأطقتن». والنبي عليه الصلاة والسلام شدد في أمر النياحة ورفع الصوت بالبكاء عند الميت، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النائحة إذا لم تتب يقام عليها يوم القيامة بسربال من قطران ودرع من جرب»، أي من نحاس حتى يزداد اللهيب، ودرع من جرب. قال: «على أن لا يشركن بالله شيئًا»، بل يفردوا الله وحده بالعبادة. الشرك بالله جل وعلا هو من أعظم الذنوب، وأيضًا أكبر الذنوب. أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار». «إنه من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق». فأعظم الذنوب هو الشرك بالله جل وعلا؛ لأنه حق الله عز وجل على العبد، فيضيع حق الله. أتدري؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أتدري ما حق الله على العباد؟ وحق العباد على الله؟» قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا». فلهذا فالشرك أعظم الذنوب. بل قال في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم أتيتني لم تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». فمن مات وهو لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار. والشرك بالله أن تصرف شيئًا مما اختص به ربنا جل وعلا لمخلوق، سواء كان في الربوبية أو الأسماء والصفات أو كذلك في الألوهية العبادة، أن تصرف شيئًا من العبادات لغير الله، أو تعتقد في شخص أنه له صفة الكمال التي لله، سواء كان في الربوبية أو في الأسماء والصفات. مثلًا من يعتقد أن الولي يسمعه في كل مكان، فلهذا يستغيث بهذا الولي في كل مكان، في لُجَج البحر وفي غيابات المفاوز والصحراء وغيرها، فينادي لهذا المخلوق، أو من يعتقد أنه ولي، فهذا يعتقد أن له سمعًا كسمع الله، أن له سمعًا كسمع الله فيسمعه في كل مكان. وأيضًا أن له تصرفًا وأنه يدبر الأمر، أمور الناس، وكل ذلك شرك في ربوبية الله وأسمائه وصفاته. ثم قال: «ولا يقتلن أولادهن»، كما يجري لنساء الجاهلية الجهلاء من وأد البنات. أي كان أهل الجاهلية يقتلن بناتهن، وبعضهن يقتلن أولادهن أيضًا لعلة الفقر، أن تخشى من الفقر. وقال الله عز وجل: «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياهم». في الآية الأخرى قال: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق»، أي من فقر، «نحن نرزقكم وإياهم». فالرزق من عند الله جل وعلا، ولا ينبغي للمسلم - خاصة المسلم - أنه يعتقد أن أبناءه سيكونون في فقر، وسيكون في كذا، فيمتنع عن الأولاد، ويقول: إذا جئت بأولاد، من الذي سيطعمهم؟ من الذي سيأتي لهم؟ من الذي سيأتي لهم برزق؟ وكأنه هو الذي يأتي بالرزق. فهذا ما ينبغي للمسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد، أو أن يضع هذا في نفسه. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتينة. فالله عز وجل كما رزق الطير وهي في أوكارها وفي أماكنها سيرزق هذا الإنسان. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يحث على التزوج وعلى كثرة الأولاد، فلا ينبغي للمسلم أنه يتبرم من هذا الباب، ويقول: «حسبي كذا وكذا، عندي ولدين أو عندي كذا، هذا حسبي، لماذا آتي بأولاد وأتركهم بلا أكل، بلا كذا؟» فهذا خطأ. فالرزاق هو الله عز وجل، فإذا توكلت على الله سبحانه وتعالى أعطاك الله عز وجل رزقك ورزق أولادك. قال: «ولا يزنين»، أيضًا هذا من الأمور العظيمة. قال: كما كان ذلك موجودًا كثيرًا في البغايا ذوات الأخدان، والزنا كان منتشرًا عند أهل الجاهلية، لكنه له صور. وغالبًا أن الحرة ما تزني، كما جاء في المبايعة التي ذكرت في بعض السنن وعند أحمد أن هند بنت عتبة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تزنين»، قالت: «وتزني الحرة؟» فعن الحرة ما تزني. صحيح أن هذا كلام ليس صحيح، لكن عندهم نكاح يعتبر زنا، يعتبر زنا أصلًا، لكن هم يعتبرونه نكاح. قد ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها صور النكاح التي كانت في الجاهلية، ومنها أن الرجل يسرح امرأته إلى رجل من الأشراف، ومن له صولة وجولة في الناس أو سيد، فيجعلها تذهب عنده أياما حتى تحمل منه، فيفتخر بذلك أنها حملت من فلان الفارس أو كذا. وهذا أيضًا يعتبر زنا، لكن هم يعتبرونه نكاح. فقالت هند: «أتزني الحرة؟» قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن». قال: والبهتان الافتراء على الغير، أي يفترين بكل حالة، سواء تعلقت بهن مع أزواجهن أو تعلق ذلك بغيرهن. وهذا البهتان الذي يفترينه جاء في التفاسير عن ابن عباس وغيره أنها تأتي له بولد ولا يدرأ وليس من ولده، يعني أنها تزني وتقول هذا ولدي. مثلًا كما قال عز وجل: ﴿يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾. قال بعضهم: أنها تأخذ ولدًا إما تسرقه أو تأخذه من الشارع أو كذا، فتربيه ثم تدعي أنه ولد زوجها، يعني يكون زوجها غائبًا فتأتي بهذا الولد وتربيه وتقول: أنه ولدي، وهو ليس ولدي، أو تزني ثم تأتي بهذا الولد وتدعي أنه ولد فلان، أي زوجها، فهذا لا يجوز. قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن»، وهذا غالبًا يحصل عند غياب الرجل، بل أحيانًا حتى عند عدم غيابه، فيحصل مثلًا أنها تزني ثم تأتي بولد، قد يكون هذا الولد من ذاك الذي زنت معه، فتفتري على زوجها أنه منه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه رجل من الأنصار وقال: «يا رسول الله، إني وجدت امرأتي مع الرجل»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لفلان، وإن جاءت به كذا وذكر ألوانًا فهو لهذا الذي زنى بها». فجاءت به، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أدخلت أحدًا عندك أو زنيت؟» فأنكرت وحلفت على أنها ما فعلت، وثم جاء هذا الولد يشبه هذا الزاني، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أردت أن أقيم حدًا على امرأة من غير بينة لأقمتها عليه، لكن لابد من البينات». فإن كانت لم تكتمل البينات فلا يجوز للقاضي وغيره أن يقيم الحد على من فعل حتى تتضح البينات التي في هذه الجريمة أو الملابسات. فلهذا قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن»، أي لا يدخلن على أزواجهن من الأولاد أو البنات التي يأتين بهن من الحرام. ثم قال: «ولا يعصينك في معروف». طيب، إن شاء الله أن نكمل في درس لاحق. والله تعالى أعلم.