شرح كتاب التوحيد 259

شرح كتاب التوحيد 259

الدرس في شرح كتاب التوحيد 259، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم الدعاء المشروط بالمشيئة

يناقش حكم قول الداعي 'اللهم اغفر لي إن شئت' ويبين أنه لا يجوز لأنه يخل بالأدب مع الله تعالى. يجب على الداعي أن يعزم المسألة ويؤكد الدعاء دون تعليقه بالمشيئة.

تحليل وتفسير الدعاء المشروط بالمشيئة

يفسر الدعاء المشروط بالمشيئة مثل 'اللهم اغفر لي إن شئت' بأنه غير صحيح لأنه يوهم عجز الله عن تلبية الدعاء ويظهر استغناء الداعي عن الله. بينما الدعاء الجازم يظهر التذلل لله.

تأويل الأحاديث الواردة بالدعاء المشروط

يشرح كيفية التعامل مع الأحاديث التي ترد فيها أدعية معلقة بالمشيئة بتفسيرين: أن هذه العبارات رجاء وليست دعاء، أو أن المشيئة هنا للتبرك بذكر اسم الله.

أهمية العزم في الدعاء وتطبيقه العملي

يشير إلى أهمية العزم في الدعاء وعدم التردد، حيث ينصح بعدم استخدام عبارات مثل 'إن شئت' عند الدعاء، وبدلاً من ذلك يجب الجزم في الطلب عند دعاء الله جل وعلا.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قولي، باب قولي. اللهم اغفر لي إن شئت، هذا باب جديد من أبواب كتاب التوحيد، والذي فيه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى حكم هذه العبارة، ألا وهي هل قول الداعي "اللهم اغفر لي إن شئت". وهذا الباب بهذا التبويب أراد به المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر لنا بعض الألفاظ التي تخل بكمال الأدب مع الرب سبحانه وتعالى، فإن الأدب الواجب مع الله سبحانه وتعالى أنه من دعا ربه عز وجل عليه أن يعزم المسألة ويؤكد الدعاء، لا يجعله معلقًا بالمشيئة "إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل" يا رب. وهذا الباب، إخواني في الله، يجرنا إلى باب أعم وأعظم، ألا وهو أن الإنسان المسلم ينبغي أن يتعلم آداب الدعاء. للأسف تجد أن الكثير من الناس من يلهج بالدعاء ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً، لكنه لا يتعرف على الآداب المتعلقة بهذا الباب العظيم من أبواب الدين. فكم من داعٍ يدعو إلا أن دعاءه مردود على وجهه، لماذا؟ لأنه ما تأدب، لربما وقع في شيء من المحرمات، مثلًا جاءت الأحاديث القاضية بأنه لا تدعوا يا عبد الله بإثم أو بقطيعة رحم، لا تدعوا بهذا. ومن الناس من لربما يدعو بهذا الدعاء، يدعو بإثم، يسأل ربه عز وجل أن يسر له مالًا لكي يفعل الرذائل ويفعل فواحش، أو أنه يدعو الله جل وعلا في أن يقطع علاقته مع عمه أو مع خاله أو مع بني عمومته، قطيعة رحم، ما يجوز. وهكذا ما كان فيه من التكلف أو ما كان فيه من التعمق والتعنت، أو ما كان فيه من الإخلال بالأدب الكامل، كأن تبتدئ وتستفتح بالثناء على الله والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، حيث سمع نبينا رجلًا دعا فلم يثن على الله ولم يصل على رسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: "عجل هذا". وهكذا كم وكم نذكر من الآداب التي أخل بها الناس في أدعيتهم، فكان هذا الإخلال سببًا من أعظم أسباب رد الدعاء. وهذا الذي بين أيدينا من هذا القبيل، أن تجد من الدعاء من يدعو من الداعين من يدعو فيقول: "اللهم اغفر لي إن شئت"، "اللهم ارحمني إن شئت"، "اللهم اعطني"، "اللهم يسر أمري إن شئت"، فلا زال يأتي بالمشيئة، ويرى أن هذا من باب الإجلال والإعظام والتوقير والتقدير لله جل وعلا، وما يدري أن هذا لا يجوز، لا يجوز. سيأتي معنى الدليل الدال على المنع، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول "اللهم اغفر لي إن شئت"، حكمه لا يجوز. ولماذا لا يجوز، إخواني في الله، أن الإنسان إذا دعا الله علق الأمر بالمشيئة لا يجوز لعدة اعتبارات. الاعتبار الأول، قال العلماء: أن هذا الدعاء بهذه الصيغة يوهم أن الله جل وعلا قد يقدر وقد لا يقدر، أي أن الله جل وعلا قد يعجز عن تلبية دعائك في هذا الدعاء الذي طالبته "اللهم اغفر لي إن شئت"، قد تقدر على المغفرة وقد لا تقدر، يا الله، سبحان الله. وهل هذا يظن في الرب أن الله عز وجل يعجزه شيء، سبحانه، ما هناك شيء يعجز الله سبحانه وتعالى عن فعل أي شيء، إنما أمره إذا أراد شيئًا يقوله "كن فيكون"، انتهى الأمر. وهكذا في فعل الخيرات وإجابة الطلبات، ما هناك شيء يعجز الرب عز وجل. ولهذا كان من الأذكار المأثورة: "اللهم لا مانع لما أعطيت"، إذا أعطى الله جل وعلا وأراد لك عطاء فما هناك أحد يحجزه، ما هناك أحد يمنعه، "لا مانع لما أعطيت". فكيف ذلك تعلق ما تريده من ربك جل وعلا بالمشيئة، هنا الخلل. قال علماء: هذا يوهم على أن الله جل وعلا قد يقدر وقد لا يقدر، لا، هنا أخرج من هذا، فيزم "اللهم اعطني"، "اللهم ارزقني"، "اللهم يسر أمري"، "اللهم اغفر لي وارحمني"، تجزم المسألة، فإن الله لا يعجزه شيء. والخلل الثاني الذي يكتنفه، تكتنفه هذه الصيغة "اللهم اغفر لي إن شئت"، "ارحمني إن شئت"، ما هو يعود عليك أنت، إذ أن ظاهره يدل على أنك مستغن عن الله، وأنك ما أنت بحاجة إلى الله في هذا الغرض، "اللهم اغفر لي إن شئت"، يا رب إن شئت غفرت وإن شئت ما غفرت، بمعنى ما ضرني هذا منك، ما ضرني هذا منك. هذا حال لك، حالك أنت، يا عبد الله، عندما تأتي إلى إنسان ما فتقول: يا عبد الله، عندي أمر، إن فعلته جزائك الله، وإذا ما فعلته عادي، فعلته جزائك الله، ما فعلته عادي، أي أني في غنى عن هذا. لكن لو حصل، طيب، هل تفعل هذا الشيء إن شاء الله سأفعل إن شاء الله. فكونك تعلق هذا الدعاء بالمشيئة دلالة على أنك مستغن عن ربك عز وجل، وأنت لست ملحًا على الله في هذه الخصلة، وهذه ليس من العبودية في شيء. الدعاء ما وصل إلى هذه القمة من العبودية، حتى أن الدعاء هو العبادة، لأن الدعاء صورة من صور التذلل للعبد لله. ولهذا كانت من أجل الطاعات ومن أجل القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، الدعاء أجل الطاعة. ولهذا قال نبينا: «الدعاء هو العبادة»، هو أصل العبادة، هو مخ العبادة، هو أس العبادة، لأن فيها العبد يظهر ضعفه وعزه وفقره وتضرعه واستكانته لربه لا لأحد سواه. وإن العبد كلما ازداد في دعائه فإنه يزداد بذلك عند الله رفعة، فإن الله يحب الملحين في الدعاء كما جاءت في ذلك الآثار. فالعيب، إخواني في الله، في قول الداعي "اللهم اغفر لي إن شئت"، يدل على أن عندك كبر وعلى أنك عندك إعراض، وما عندك تلك العبودية من الانطراح بين يد الله جل وعلا. إذن ما المخرج؟ المخرج، عبد الله، اعزم المسألة، قل: "اللهم اغفر لي"، "اللهم ارحمني"، "اللهم يسر أمري"، "اللهم اعطني"، فلازلت تلح على الله بالجزم بالمسألة. فهذه المحاذير، إخواني في الله، التي ذكرها العلماء في هذا الباب. هنا يأتي إشكال، قد يقول بعض الناس: إذا كان الأمر كذلكم أن في باب الدعاء ما عندي مشيئة، فكيف نفعل ببعض الأحاديث التي جاءت فيها الأدعية معلقة بالمشيئة؟ مثل ما جاء في زيارة المريض أنك إن دعوت لا تقول "طهور إن شاء الله"، "طهورًا إن شاء الله"، أليس هذا دعاء علق بالمشيئة؟ فالجواب، إخواني في الله، من أحد وجهين. الوجه الأول، قال العلماء: هذا ليس دعاء، وإنما هذا إخبار، تخبر بأن الله جل وعلا قد جعل لك هذا المرض طهورًا، فأنت ترجو من الله ذلك، فهو رجاء وليس خرج مخرج الدعاء. لأن هذا المرض الذي نرجو من الله أن يكون طهورًا لك، إنما يعود إليك على حسب ما أنت عليه، فإذا كان المريض تلقى هذا المرض بسوء ظن وبتسخط وتذمر وعدم رضا بقضاء الله وقدره، لن يكون هذا المرض طهورًا لك. أما إذا جاءك هذا المرض وأنت محتسب الأجر عند الله، صابرًا محتسبًا، فإن هذا المرض يكون طهورًا لك. فلما نقول: هذا المريض "طهورًا إن شاء الله"، أي طهورًا هذا المرض إن صبرت واحتسبت، فهذا من باب الرجاء، فلا شيء في ذلك. هذا وجه. والوجه الثاني، قاله جماعة من أهل العلم: أن "إن شاء الله" هنا من باب التبرك، من باب التبرك بسم الله، فأصل الدعاء "طهور طهور إن شاء الله"، من باب التبرك بسم الله، كما قال ربنا عز وجل في قصة يوسف عندما أدخل أهله: «أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، وقد دخلوا مصر، هم قد دخلوا مصر، ومع ذلك ذكر هنا المشيئة. قال علماء: إنما أراد التبرك بسم الله «أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام، في قول ربنا عز وجل: «لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين»، مع أنهم داخلون، داخلون، لأنها رؤية رآها نبينا صلى الله عليه وسلم، ورؤية الأنبياء حق، ورؤية الأنبياء وحي، هم سيدخلون، سيدخلون، طال الزمن أم قصر. لكن "إن شاء الله" من باب ماذا؟ التبرك بسم الله. فكما يقول علماء: "إن شاء الله" تحقيقًا لا تعليقًا. فشاهد، إخواني في الله، هذه مقدمة لهذا الباب، والذي سيذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى الدليل الصحيح على أن المسلم إذا أراد أن يدعو ربه جل وعلا، فعليه أن يعزم الطلب، يعزم السؤال، ولا يتردد، ولا يعلقه "إن شئت"، فلا يقول: "رب اغفر لي إن شئت" أو "ربي اعطيني إن شئت"، وإنما عليه أن يجزم ويعزم المسألة، كما سيأتي معنا بإذن الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.