الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 99، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
حدث زواج النبي من أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سلمة، بينما توفيت زينب بنت خزيمة بعد فترة قصيرة من زواجها بالنبي. كانت أم سلمة من أجمل النساء وأشرفهن نسبًا.
دعاء أم سلمة "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها" أظهر فضلًا عظيمًا عند المصائب، واستجاب الله لدعائها بتزويجها من النبي.
يجب على المؤمنين أن يكونوا على يقين بوعود الله ورسوله، مع فهم أن تأخر تحقيقها قد يكون لحكمة إلهية أو وجود موانع، كما وعد النبي بفتح كنوز كسرى.
المقطع الأخير يُنهي الكلام بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتقديرًا لهم، ويُؤكد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبعد موت زينب المقدمة وبعده نكاح أم سلمة. في هذا البيت، الناظم رحمه الله تعالى، كما أشرنا في منظومته «الأرجوزة المئية في بيان شيء من سيرة عليه الصلاة والسلام»، يشير إلى حوادث السنة الرابعة من هجرته عليه الصلاة والسلام. مر معنا بالأمس ما كان في غزو بني النظير، في قوله: وكان في الرابعة الغزو إلى بني النظير في ربيع أولى، وأشرنا إلى ما يتعلق بغزوة النظير من مسائل ومن عبر. ها هو المؤلف رحمه الله تعالى يتابع في ذكر حوادث السنة الرابعة، فقال: وبعد، أي مما وقع أيضًا في السنة الرابعة من الحوادث، موت زينب المقدمة. موت زينب المقدمة، أي المقدمة الذكرى، قد مرت معنا قريبًا. وبعده نكاح أم سلمة، فمن حوادث السنة الرابعة ما يتعلق في حياته عليه الصلاة والسلام أن ماتت إحدى زوجاته، وأن تزوج من إحدى النساء عليه الصلاة والسلام. فنبدأ بالحادثة الأولى في قوله: وبعد موت زينب المقدمة. زينب هنا التي توفيت في عهده عليه الصلاة والسلام هي زينب بنت خزيمة الهلالية، وهي التي كانت تسمى بأم المساكين، وهي زوجته عليه الصلاة والسلام. سميت بأم المساكين لكثرة إطعامها للمساكين والفقراء، فكانت تمد يدها في الخير، رضي الله تعالى عنها. وقوله: وبعد موت زينب المقدمة، أي كما قلنا التي مضى ذكرها قريبًا، فهي من أزواجه. قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أو يتحدث عن زوجة الرسول زينب بنت خزيمة، قال: وكان دخوله بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، قال: ثم لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة وماتت، أي أنها ما عمرت كثيرًا معه عليه الصلاة والسلام. حسبها أن عاشت في حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذه المدة اليسيرة، شهرين أو ثلاثة، ومنهم من أطال النفس، قال: إنها عاشت في كنفه ثمانية أشهر. عاشت في حياته ثمانية أشهر، فمهما قلنا فهي المدة يسيرة جدًا عاشتها زينب رضي الله تعالى عنها. وبكر جماعة من أهل العلم أن موتها كان في ربيع الثاني، لأن غزوة بني النظير كانت في ربيع الأول، وماتت زينب وهي كانت في ربيع الآخر، ربيع الثاني، سنة أربع للهجرة، ودفنت في البقيع. هذا في قوله: وبعد موت زينب المقدمة. ثم قال: وبعده نكاح أم سلمة، أي كذلك مما وقع في السنة الرابعة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة وأصبحت زوجة من زوجاته، فأصبحت بذلك أما من أمهات المسلمين. من هي أم سلمة؟ أم سلمة رضي الله تعالى عنها، واسمها هند بنت أبي أمية، أو بنت أبي أميمة، هند بنت أبي أمية. وكانت كما يقول العلماء في وصفها: كانت من أجمل النساء وكانت من أشرفهن نسبًا، كانت على نسب شريف. وأبوها، وهو كما ذكر، أبو أمية بن المغيرة القرشي المخزومي، كان من سادات العرب وكان من أجواد العرب، وكان من جوده أن الناس كان يسمونه ويلقبونه بزاد الراكب. وسبب هذه التسمية أن من صاحبه في سفره ما كان يتخذ معه زادًا، من سافر مع أبي أمية -وهو أبو هند- رضي الله تعالى عنه ما كان يأخذ معه زادًا، لماذا؟ لأنه كان يكفي الناس الزاد والطعام، هو الذي كان يزود غيره، فما كان الناس يحتاجون إلى التزود بالطعام لأنفسهم. وأم سلمة رضي الله تعالى عنها كانت متزوجة قبل ذلك بأبي سلمة، وهو ابن عبد الأسد، وكانوا من أقدم الناس إسلامًا، وهاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة. أم سلمة مع زوجها أبي سلمة هاجر إلى الحبشة، إشارة إلى قدم إسلامهما، ثم ولدت له سلمة. ثم عادوا إلى مكة بعد هجرة الحبشة، جلسوا في مكة، ثم هاجروا الهجرة الثانية إلى المدينة. هاجروا الهجرة الثانية إلى المدينة، وهناك توفي أبو سلمة. أبو سلمة توفي في غزوة أحد، في غزوة أحد خرج مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، أصيب بسهم فقوتل على إثره، فأصبحت أم سلمة بلا زوج. فحينها دخل عليها النبي وتقدم في خطبتها فوافقت، فتزوجها نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك قيل إنه كان في شوال. وكانت أم سلمة رضي الله تعالى عنها قد عمرت عمرًا طويلًا، حتى قيل في ترجمتها: إن آخر زوجات الرسول موتًا أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وماتت وقد بلغت من العمر أربعًا وثمانين عامًا، رضي الله تعالى عنها. ومن لطائف ما يذكر في ترجمة أم سلمة أن أبا سلمة لما توفي، وكانت تعظمه لما كان من أخلاقه ومن آدابه ومن حسن إسلامه ومن حسن رعايته لها، فتأثرت بهذا تأثرًا عظيمًا لفقدانه. فجاءتها الأحاديث النبوية التي فيها الأمر بأن المسلمة إذا أصيب بمصيبة عليه أن يتسلح بالصبر، وأن يأتوا بهذا الدعاء: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها»، إلا أخلف الله له خيرًا. أم سلمة أخذت بهذا الدعاء، وذلك انقيادًا للشرع، فكانت تتلو بهذا الدعاء: اللهم أجرني في مصيبتي هذه، مصيبة عظيمة كانت على قلب أم سلمة بفقدها لأعز الناس إلى نفسها. ثم في تمام الدعاء: واخلف لي خيرًا منها، أي من هذه المصيبة التي ذهبت عني. وكانت حينها تتساءل: ويا ترى من خير من أبي سلمة؟ يعني ترى أنه مهما عوضت ومهما جاءها من الرجال فلن يكونوا كأمثال أبي سلمة، من حيث الخلق والدين والإسلام والجهاد والقتال والطاعة والعبادة والاستشهاد، نالوا المقامات العلى. فكانت تأتي بهذا الدعاء وهي تقول: ومن ومن عسى أن يكون خير من أبي سلمة؟ فمن أتاها نبينا صلى الله عليه وسلم خير من أبي سلمة، خير من أبي سلمة، ولا مقارنة، فكانت حينها علمت بعظيم فضل هذا الدعاء. وهكذا المسلم عليه أن يأتي بهذا الدعاء المبارك إذا أصيب بمصيبة، إذا أصيب ببلية، وخاصة من فقد قريب، من فقد حبيب، كمن مات عليه أحد من أهله، من والديه، من عزيز، من أبناء، وشق على نفسه، يدعو بهذا الدعاء يتسلى به: اللهم أجرني في مصيبة واخلف لي خيرًا منها. أو فقد مال، أو ذهبت عليه تجارة، أو ضاعت عليه صفقة، فلا يتحسر، يكل أمره إلى الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبة واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله لك خيرًا منها. والمسلم عليه أن يستيقن بوعد الله ورسوله، لا تتردد، لا تكن يا عبد الله في شك من وعد الله ورسوله. وانظر، والشيء بشيء يذكر، أذكر بهذا المقام ما جاء في الصحيح في قصة عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، عندما أخبر أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذ برجل يأتيه ويشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع السبيل وقطاع الطرق. ثم جاء الآخر وشكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر والضيق والحاجة، شكاوى تعرب على رسول الله عليه الصلاة والسلام. حينها يقول عدي: فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عدي، أسمعت أو أرأيت الحيرة؟ فقلت: يا رسول الله لم أرها ولكني أنبئت عنها. قال: يا عدي، لئن طالت بك حياة لترين الضعينة -أي المرأة- ترتحل من الحيرة حتى تطوف حول البيت لا تخاف إلا الله. قال عدي: فقلت في نفسي فأين دعار طيء؟ أي أين قطاع الطرق؟ امرأة تتحرك من تلك الحدود من بلاد الحيرة في جهة العراق، ثم تأتي إلى وتطوف حول البيت وترجع من غير سوء. فقلت في نفسي: فأين دعار طيء؟ أين قطاع الطرق؟ أين اللصوص؟ أين العصابات من هذه المرأة؟ فكان شيء مستبعد حينها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: يا عدي، لئن طالت وإن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. فقلت: يا رسول الله، كسرى ابن هرمز؟ قال عليه الصلاة والسلام: كسرى ابن هرمز. وكان هذا أمرًا للمحال أقرب الناس في هذا المجلس يشتكون من الضيق والفقر والضعف، وها هو نبينا صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن مقاليد الشرق والغرب وكنوز الإمبراطوريات العظمى ستكون بأيدي أهل الإسلام. هذا مثل لو أن أحدًا أحدثك الآن بأن ما في الكرمل في روسيا أو البيت الأبيض في أمريكا سيكون تحت أيدينا، أنت ما أنت صاحٍ! إيش تقول هذا؟ وهذا قال: نعم، هذا وهذا، هذا أقرب للخيال، أن نصل إلى هذه المناطق البعيدة والقوة الجبارة في الأرض وهكذا كان في عهدهم. قال نبينا: يا عدي، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ثم قال: يا عدي، ولئن طالت بك حياة لتجدن الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه. أي ستجد فترة يصل فيها الناس من البذخ والراحة والغنى حتى أن الرجل يطوف بذهبه، يطوف بفضته: خذوا، خذوا، الناس في غنى، الناس في غنى عن هذا. طب هذا الحديث ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم إلى عدي في حينها أن عدي كان يستبعد هذا، ليس شكًا، حاشا في خبر الله ورسوله، لكن يرى أن الواقع ما يساعد. فقال عدي بعد فترة، بعدما تحقق فيه ما أخبر نبينا عنه: أن الحياة ستطول به، فطال الله في عمر عدي، ماذا قال عدي بعد فترة؟ قال: فكنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، سبحان الله، هو بالأمس كان يستبعد أن تكون كنوز كسرى بن هرمز في أيديهم، ثم هو ها هو يحكي بنفسه، قال: وكنت أنا ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز. قال: ولقد رأيت الضعينة بعيني ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت ولا تخاف إلا الله، قد حقق الله ما كان يستبعده، رآه بعينه. قال: ثم يقول من في زمنه: ولئن طالت بكم حياة لتجدون ما أخبر رسول الله، من أن الرجل يخرج بملء كفه من ذهب وفضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه. هذه الثالثة، قال: ما وجدتها أنا الآن، لكن أنتم ستجدونها يا من سيأتي بعدي. في هذا الحديث، إخواني في الله، ومثله حديث ما مر من حديث أم سلمة، أن الإنسان إذا جاءه وعد من الله ورسوله فعليه أن يستيقن به، لا تكن يا عبد الله في شك، لا تكن يا عبد الله في ارتياب. ما جاء من المبشرات الكثيرة العظيمة في الكتاب والسنة فنأخذها محمل الجد، ونعلم علم اليقين بأنها ستتحقق، لا شك عندنا فيها ولا ريب. لكن أحيانًا هذه الوعود وهذه المبشرات لا تتخلف، لكنها تتأخر، لا تتخلف وعد الله ورسوله ليس فيه خلف وليس فيه انقطاع، فيه تحقيق، لكن تحقيقه قد يتأخر. لماذا يتأخر؟ لحكمة أرادها الله عز وجل، أو لأشياء حصلت فينا من انتفاء الشروط وثبوت الموانع، لوجود موانع حصلت تأخر عنا ما وعدنا الله عز وجل ورسوله. فالحاصل، إخواني في الله، في قصة أم سلمة من العظة والعبرة ما كان في هذا الحديث، حيث أنه لما توفي زوجها كانت تأتي بهذا الدعاء، وهي تستبعد من عسى أن يكون أفضل من أبي سلمة؟ فكانت تكرر وتدعو الله ليلًا ونهارًا: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، فخلف لها الله برسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا ما أذكر، إخواني في الله، في هذا المقام في هاتين الحادثتين التي أشار إليهما الناظم رحمه الله تعالى، وهي من الأمور المهمة التي وقعت في السنة الرابعة من حياته عليه الصلاة والسلام، كما في قوله: وبعد موت زينب المقدمة وبعده نكاح أم سلمة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.