الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 97

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 97

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 97، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الخمر وتاريخه في الإسلام

يشرح هذا الفصل تحريم الخمر في الإسلام وتدرج التشريع في العهد المدني، حيث بدأ التحريم بآيات متتابعة حتى وصل إلى المنع الكامل. يشمل هذا الفصل تفاصيل حول نزول الآيات المتعلقة بالخمر وتأثيرها.

أحداث السنة الثالثة من الهجرة

يتناول هذا الفصل الأحداث الهامة التي وقعت في السنة الثالثة من الهجرة، وهي تحريم الخمر وولادة الحسن بن علي بن أبي طالب. يوضح هذا الفصل كيف أثر تحريم الخمر على المجتمع الإسلامي.

شرح مصطلحات قرآنية وشرعية

يفسر هذا الفصل بعض المصطلحات الهامة مثل الصبط والحفيد، حيث يوضح الفرق اللغوي بينهما ويبين أهمية هذه المصطلحات في فهم النصوص الدينية. يشمل هذا الفصل توضيحاً لسبب تسمية الحسن والحسين بصبطي الرسول.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله في دروسنا التي خلت في شرح الأرجوزة الميئية في بيان حال أشرف البرية في ذكر سيرته عليه الصلاة والسلام، وهنا وصلنا إلى قول الناظم رحمه الله: والخمر حرمت يقينا فاسمعا، هذا وفيها ولد الصبط الحسن. هذا البيت أورده المؤلف رحمه الله تعالى إشارة إلى بعض حوادث السنة الثالثة من الهجرة. المؤلف رحمه الله تعالى يجري معنا مجرى الحوادث التاريخية، وها هنا في السنة الثالثة من الهجرة أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى أمرين اثنين، الأولى في قوله: والخمر حرمت يقينا فاسمعا، والحادثة الثانية قال: هذا وفيها ولد الصبط الحسن. نبدأ أولا إخواني في الله في الحادثة الأولى، ومن الحوادث الشهيرة التي وقعت في السنة الثالثة من هجرته عليه الصلاة والسلام ألا وهي تحريم الخمر. فقوله: والخمر حرمت، وهذا على المشهور، وعند قول الكثير من العلماء على أن تحريم الخمر كان في السنة الثالثة من الهجرة، كما أشار إلى ذلكم الإمام القرطبي رحمه الله تعالى قال: نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد. وهذا كما قلنا هو الشهير، ومن أهل العلم من خالف ويرى أن الخمر حرمت في السنة الرابعة بعد غزوة بن النظير، لكن الذي اشتهر هو الأولى. فقوله: والخمر حرمت يقينا فاسمعا، فقوله فاسمعا أي سماع قبول وإذعان، فاسمعا ليس فقط سماع مجرد وإنما سماع مع قبول وإذعان، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾. وقوله رحمه الله تعالى يقينا لماذا قال يقينا؟ هذا لنزع الشك والريب في مسألة تحريم الخمر. تحريم الخمر إخواني في الله نزل في الإسلام على التدريج، ما نزل دفعة واحدة، لم يأت الحكم كحكم واحد بالقطع بالتحريم. لأن الأمر كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لو أن الخمر حرم لأول ما وهله لما تبعه الكثير من الناس، بل قال بعض العلماء: بل إن الكثير من الناس ما سيدخلون في الإسلام لو علموا أن هذه الشريعة في طياتها وأحكامها تحريم الخمر، ما سيدخلون في الإسلام. لماذا؟ لأن الخمر إخواني في الله كانت تعتبر عند العرب هي غذاء الروح، غذاء العقل، كانوا يستمتعون بها، كانوا يتلذذون بها في صباحهم ومسائهم وليلهم ونهارهم، كانوا ينشدون لها الأشعار، لأجلها يسهرون، ولأجلها يجتمعون. بل ستسمع يا عبد الله من قرى في السيرة أن الخمر لما حرم التحريم نهائيا كيف أن لما أطيح بها في سكك المدينة، كيف أن سكك المدينة ملئت بالخمور لشدة ما كان موجود في البيوت لكثرة وجودها في البيوت، ما يسمى بالمطاريق، ما يسمى بالدهاليز والممرات قد ملئت بالخمور لكثرة من كان يتعاطاها، فكانت الخمرة من الأشربة التي كانت مستأصلة في عادات العرب ما تنفك عنهم. فكانت الحكمة من شرعنا أن الخمرة تحتاج إلى تمهيد، تحتاج إلى تمهيد حتى تصل إلى الحكم النهائي. فقوله رحمه الله تعالى: والخمر حرمت يقينا فاسمعا، أي في السنة الثالثة جاء التحريم، قبل ذلكم لا وإنما كان هناك التمهيد. بدءا في مكة في العهد المكي كانت الخمر مباحة على الأصل، أقرها الشرع لم يأت في حقها مانع، كان الصحابة ممن أسلموا يشربون الخمر في العهد المكي، ما جاء فيها تحريم ولا شيء، إلى أن بدأ في العهد المدني بدأ التدرج، بدأ التدرج كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾. قيل أن هذه أول آية فيها تمهيد وليس فيها التحريم، بل فيها التمهيد لبيان مضرة الخمر، وإن كان بعض العلماء يقدم آية قبل هذه الآية وهي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن ثمارات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾. من أهل العلم من يرى أن هذه الآية هي أول ما جاء إشارة وتنبيه على أن الخمر ليست بحسنة، لأن الله قال: ﴿ومن ثمارات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا﴾ أي شراب المسكر، ﴿ورزقا حسنا﴾ ماذا قال في حقه؟ حسنا، جعل الحسن سبحانه وتعالى يتبع الرزق، ما تبع السكر. وبدأ ربنا جل وعلا بثمار النخيل، وبعد ذلكم الأعناب، الأعناب لأن العرب في الجزيرة خاصة لم تكن الأعناب عندهم بكثرة، وإنما كان عندهم البسر والرطب هو الذي الفاكهة المشتهرة، فكانوا منها يتخذون الخمور والمسكرات، فبدأ ربنا جل وعلا بهذا المسكر: ﴿ومن ثمارات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ فأضاف الحسن للرزق، أشار العلماء إلى أن هذه أول آية فيها التنبيه على أن السكر ليس بأمر حسن. لكن الآية التي سمعتموها هي التي يبدأ بها العلماء، وهي في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. فكان هذا التنبيه لأسحاب العقول: أيها العاقل انظر ورجح، إذا رأيت أن الخمر تشرب انظر إلى مصالحها ومضارها، فتجد أن مضارها أعظم من مصالحها، فالعاقل ينأى بنفسه أن يتورط في شيء هذا وصفه. ثم جاءت الآية الثانية والمرحلة الثانية من تحريم الخمر، وهي إبعاد الناس عنه، وذلك حين الصلاة، كما قال ربنا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارا حتى تعلموا ما تقولون﴾. فأبعدهم ربنا عز وجل عن الصلاة، طبعا الإبعاد عن الصلاة ليس معنى أنهم يشربون وإذا أذن كفوا لا، بل يحتاج إلى مدة لأن الخمر إذا شرب الإنسان الخمر فإن السكر يمتد به ساعات، يمتد به. ولهذا كان من هذا التحريم معنى أنكم لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارا، بمعنى أنكم تمتنعون عن الشرب لساعات حيث تصل بكم الصلاة وأنتم بكامل قوة العقلية، لأن بعض الصحابة كما جاء ذلكم في الآثار من كان يصلي وهو على سكره، فلربما نطق بما لا يجوز أن نطق به: بسم الله الرحمن الرحيم قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، قرأها بعضهم: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، قال أعبد ما تعبدون، هذه اللفظة كفر الذي يعتقد وهو عامد قاصد لهذه اللفظة بأنه عابد للأصنام، عابد لما يعبده الكفار فهو كافر. لكن هذه اللفظة خرجت من أصحابها من غير استحكام، من غير عقل، من غير فطنة، من غير دراية، ولهذا عفي عنهم، عفي عنهم. لكن لما كانت هذه الأخطاء ظاهرة في الصلاة أبعدوا عنها. وتخيل يا عبد الله هذا الإبعاد كم سيبعدهم عن الخمر؟ إذا أرادوا أن يصلوا الظهر قبل الظهر بساعات، وإذا أرادوا أن يصلوا العصر قبل العصر بساعات، وأما ما بين المغرب وعشاء لا يكاد يشربون شيئا، ولهذا أبعدهم الشرع بعد شيء. لكن هل هذا فيه التحريم؟ لم يكن هذا فيه التحريم، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول في الآية الأولى لما نزلت، وفي الآية الثانية لما نزلت، كان يقول: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، لأن إلى الآن ما نزل التحريم. الآية الأولى فيها بيان أن فيها مضرة وفيها شيء من مصالح، والآية الثانية لا تقربوها، وإذا ما كان هناك صلاة اشربوها، ولهذا كان عمر يعلم أن في الأمر شيء. فكان كما جاء في الصحيح: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، حتى نزلت الآية الأخيرة، وهي التي ذكرها المؤلف هاهنا في السنة الثالثة من الهجرة، كما في قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. هذه الآية هي الحاسمة في ماذا؟ في أمر الخمر، وأنها حرام مطلقا، وذلك بعدة عوامل في هذه الآية، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾، فما ظنك بأمر هو من عمل الشيطان؟ ووصف بالرجس دل على خبثه. وفي قوله تعالى: ﴿فاجتنبوه﴾، والاجتناب من أعظم صور التحريم، الاجتناب أن يكون هذا شيء في جانب وأنت في جانب آخر. ثم قال: ﴿لعلكم تفلحون﴾، علق الفلاح في الدنيا والآخرة بالابتعاد عن الخمر والميسر، ثم قال ربنا في آخر الآية: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، حينها قال عمر لما سمع هذه الآية: اللهم انتهينا، انتهينا. أي هذه الآية كانت واضحة، وعلى ذلكم جرى عمل الصحابة أنهم منعوا عن شرب الخمر، ومنعوا غيرهم. وقد قام إجماع الصحابة بعد هذه الآية، وهكذا إجماع الأمة على تحريم الخمر، وعلى أنها أم الخبائث، وأنها من الموبقات، وأنها من كبائر الذنوب، وأن كل من عاون وأعان على صناعتها فإنه يدخل في اللعنة، فزارعها وحاصلها وساقيها والمسقى إليه ومن أخذها ومن ناولها ومبتاعها ومشتاريها، كل هؤلاء يدخلون في اللعنة. بل لا يجوز بحال أن تجلس في مائدة والخمر يدار فيها، ولو لم تشرب. الشاهد إخواني في الله كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: والخمر حرمت يقينا فاسمعا. ولهذا من زعم كما قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: من زعم أن الخمر حلال فهو كافر مرتد، لأنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى مبينا الحادثة الثانية قال: هذا أي وكذلكم من الحوادث وفيها ولد الصبط الحسن، الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، وهو ابن فاطمة رضي الله تعالى عنها بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولد في السنة الثالثة من الهجرة، واسمه الحسن بن علي، وقيل والله تعالى أعلم أن اسمه حرب، إلا أن النبي هو الذي سماه بالحسن، سماه نبينا صلى الله عليه وسلم بالحسن. وقد ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة أن الحسن ولد في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، ولد في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة، وهكذا قاله ابن سعد رحمه الله تعالى، وهذا الشهير، وهذا هو المشهور، وإن كان هناك خلاف بين المؤرخين، فالأمر في هذا الباب سهل. هنا أختم إخواني في الله في هذا المقام بفائدة، هنا قال: وفيها ولد الصبط الحسن، في اللغة العربية عندنا صبط وعندنا حفيد، صبط وحفيد، فما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن ابن البنت يقال صبط، وابن الإبن يقال عنه حفيد، هذا الفرق بينهما. ابن البنت أي أنت يا ولي الأمر عندك بنت زوجتها الأكفاء، ثم رزقت البنت هذه بنتك رزقت بولد، هذا الولد يقال عنه ماذا؟ صبطك، لأنه ابن بنتك، لكن إذا كان بالعكس أنت يا ولي الأمر عندك ابن تزوج وأنجب ولدا، فإن هذا الولد يقال عنه في حقك حفيدك، لأنه ابن الابن، فهذه الفارق اللغوي بين الكلمتين، ابن البنت يقال عنه صبط، وابن الابن يقال عنه حفيد. ولهذا هنا قال الناظم: وفيها ولد الصبط، الصبط لأنه ابن فاطمة، ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا ما يذكر في هذا المقام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.