الدرس في شرح كتاب التوحيد 270، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن النهي عن إساءة الظن بالله تعالى، ويوضح مفهوم حسن الظن بالله وأهميته في الإسلام. يبين أن حسن الظن بالله هو من العبادات الجليلة التي يجب على المسلم التحلي بها.
يشرح هذا الفصل أهمية إحسان الظن بالله في مختلف الأحوال، سواء في الأعمال الصالحة أو عند الدعاء أو التوبة أو في أمور الدنيا، ويحث على تجنب إساءة الظن بالله.
يتطرق هذا الفصل إلى تطبيق حسن الظن بالله خاصة عند المصائب والشدائد، ويحذر من إساءة الظن بالله، ويبين أن الله يعامل العباد على حسب ظنهم به.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾، يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي بوَّب عليه بهذه الآية الكريمة، وهي قوله جل في علا ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾، بهذا الباب الذي سيتحدث فيه المؤلف رحمه الله تعالى من خلال أدلة الشرع، ما فيه الذنب إلى إساءة الظن بالرب سبحانه وتعالى، وعلاقة هذا الباب بالذي قبله. مرّ معنا في درس أمس أننا تحدثنا حول النهي عن سب الريح، وها نحن في هذا الباب نتحدث عن النهي عن إساءة الظن، والعلاقة بين البابين أنها تتعلق بالقدح في أفعال الرب سبحانه وتعالى، لأن من لوازم سب الريح الطعن في فعل الرب، ومن مستلزمات إساءة الظن القدح في أفعال الرب، فهذا الباب والذي قبله في أن الإنسان لا يقدح في أفعال ربه سبحانه وتعالى. وأما علاقة هذا الباب، وهو النهي عن إساءة الظن، بكتاب التوحيد، إذ أن مما ينافي كمال التوحيد أن تكون مسيئًا لربك جل وعلا، مسيئًا الظن فيه في أفعاله وتصرفاته، هذا مما ينافي التوحيد، بل إن العبد المؤمن الموحد دائمًا وأبدًا يحسن الظن بالله جل وعلا. لأن الإحسان بالظن يا عبد الله إنما يأتي بعد اعتقادك بكمال علم الله، وقدرة الله، وعزة الله، وقوة الله، ولن يحسن العبد الظن بالله جل وعلا إلا على قدر توكله على ربه، ولهذا كان حسن الظن بالله من المقامات العظيمة، بل من العبادات الجليلة التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يتعبد الله جل وعلا بها. ولهذا أثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: "والذي لا إله غيره، ما أعطي عبد مؤمن شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله"، صدق والله، ما أعطي العبد شيئًا من الأعمال الجليلة ومن الأفعال العظيمة أن يمنَّ الله عز وجل عليك بهذا الخلق وبهذه العبادة، وهذه الشعيرة أن تكون محسنًا ظنًا بربك سبحانه وتعالى. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الظن بالله ينقسم إلى قسمين: الظن بالله ينقسم إلى قسمين، إلى ظنٍ حسن وإلى ظنٍ سيء. أما الظن الحسن، وهو الذي ينبغي أن يتحلى به كل مسلم ومسلمة، لأنه من كمال التوحيد، قال العلماء: يكون في أحد جانبين، وهو أنك تحسن الظن بالله، وإحسان الظن بالله أي أنك تحسن الخير في الله في أفعاله وتصرفاته، هذا هو خلاصة إحسان الظن بالله، أن تحسن الخير في الله في تصرفاته وفي أفعاله. قال العلماء: حسن الظن بالله يكمن فيما يكون في حسن ظن أفعال الرب جل وعلا في كونه هذا الملكوت، ما يفعله الله جل وعلا فيه في الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة، ما يكون من التصرفات في الأكوان في الأرض والسماوات، علينا أننا نحسن الظن بالله، وأن الله جل وعلا ما أراد بهذه التصرفات الكونية إلا المصالح والمنافع. وهكذا من حسن الظن بالله الجزء الثاني، ما يكون من حسن الظن بالله فينا، فيما يقدره الله علينا، بما يقدره الله جل وعلا في أفعالنا وأقوالنا وأحوالنا، هنا ينبغي أن نحسن الظن بالله، ونعتقد أن الله ما أراد بنا إلا خيرًا، هذا من الإحسان الظن بالله، إما في كونه وإما في خلقه وعبيده. والقسم الثاني من أقسام الظن هو الظن السيء، وهذا الذي نهى عنه الرب وحرمه الإسلام، وهي كانت من شيم أهل الجاهلية، ومن كان على مجراهم من أهل النفاق والشقاق والعناد، أنهم يسيئون الظن بالله. وإساءة الظن بالله كما قال العلماء: ضابطها أن تعتقد في الله ما لا يليق بالله، أن تعتقد في الله ما لا يليق بالله في ذاته، في أسمائه، في أفعاله، في تصرفاته، فكل ما كان من ظنك بالله ما لا يليق بالرب جل وعلا، هذا إساءة الظن بالله. وقسمه العلماء إلى قسمين: إما أن يكون إساءة الظن فيما يجري في كونه، فلا تسيء الظن في أفعال الله في كونه، هذا كثير، مثاله: لربما تأتيك الأخبار والأنباء أننا في مثل هذه الأيام نسمع بهذه الأمطار الغزيرة التي تنهمر على الصحاري، قد يقول قائل وهو يتمالكه العجب: صحاري، صحراء، أمطار، ونحن في المدينة، الناس بحاجة إلى الأمطار ولا قطرة، لا يا عبد الله، ما الذي تعنيه بهذا الاستفسار؟ هذا الاستفسار كأنه وجه اعتراض، كيف هذا يا رب؟ كيف هذا يا رب؟ نحن هنا بحاجة إلى الأمطار والغيث، لماذا تجعل في سفوح الجبال أو تكون في الصحاري والبراري؟ لا يا عبد الله، لا تعترض، أحسن الظن بالله جل وعلا، هذا من فعل الرب، الله جل وعلا أراد الأمطار أن تنهمر هناك، لماذا؟ لعل حكمة وسأتى معنى ذلك أن الأمر كله يقوم على حكمة الله، الأسباب والأفعال منوط بحكمة الله جل وعلا، فلا تعترض على الله فيما يجريه في كونه، وإنما عليك أن تحسن الظن، لا أن تسيء الظن. وهكذا قل فيما يقدره الله جل وعلا فينا، لا تسيء الظن جل وعلا فيما يقدره الله جل وعلا عليك. إخواني في الله، إحسان الظن بالله جل وعلا كما أسلفنا من الأمور التعبدية التي قل من يوفق إليها، والموفق هو الذي ربى نفسه على هذا الخلق، والإسلام أمر أهل الإسلام على أن يتخلق بهذا الخلق في كل الأحوال، في كل الأزمان، في كل الأوقات، ينبغي أنك تحسن الظن بالله جائما وأبدًا، بهذا تريح قلبك، بهذا تعظم ربك، بهذا تبعد عن نفسك الإشكالات، القوادح، الهواجس، الوساوس، الضيق، الضجر، القلق، تبعد هذا كله بحسن ظنك بربك. وهذا كما قلنا في كل الأحوال، مثاله في الأعمال الصالحة، إذا عملت عملًا صالحًا، صلاة، صيام، حج، جهاد، نفقة قربة، قرآن، مهما تعدد من عبادات، عندما تعمل العمل الصالح، أحسن الظن بالله، وقل: إن شاء الله يتقبل الله ذلك مني، لا تجزم، لكن ترجو وتحسن الظن بالله بأن الله يتقبل من عباده، فلا يزال هذا حالك. لأنك يا عبد الله يصيبك الحال إلى أنك تيأس، تقول: مهما عملت من عمل، أنا أعمالي مردودة على وجهي، فلا يزال الشيطان بك حتى يبعدك عن ربك، كما فعل مع غيرك عندما قطع لهم هذا الطريق، لا تصلي وترجو من الله القبول، تصوم وترجو من الله قبول الصوم، وهكذا تحدث نفسك وتؤمل أن الله عز وجل قد قبل منك. وهكذا إذا دعوت الله في مقام الدعاء، لا تدعو، إن دعوت لا تدعو وترفع يديك إلى السماء وأنت قد جعلت ما يقدر بتسعين في المئة أن دعاك مردود، هذا يفعله كثير منا للأسف، يرفع وهو يستبعد الإجابة، لا يا عبد الله، هذا لا يجوز، هذا من إساءة الظن بالله. إذا دعوت الله جل وعلا، لُح كما جاء في بعض الآثار، وأنت موقن بالإجابة، تحسن الظن بالله، وأن الله عز وجل سيتقبل منك هذا الدعاء، فلا تزال تلُح على الله بالدعاء. وهكذا قل يا عبد الله في باب التوبة، إذا أذنبت ذنبًا وقعت في معصية، ثم هداك الله للتوبة، تُب وأنت تحسن الظن بالله بأن الله غفور رحيم، وأن الله يتجاوز عنك ما قد أسلفت وما قد فعلت وما قدمت من هذه المعاصي والسيئات، لا أنك يا عبد الله تفعل الذنب ثم تتوب وأنت مستبعد التوبة، قل: أن يتوب الله لي، الله المستعان، أنا فعلت وأنا فعلت، فلا تزال يا عبد الله في مرحلة القنوط حتى تستبعد رحمة الله، بل حتى تضيق رحمة الله، ورحمة الله واسعة، وقل لعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم: لا تقنطوا من رحمة الله. فأنت عندما تتوب من ذنبك، تُب وأنت تحسن الظن بالله بأن الله يتقبل من عباده التائبين، مع ماذا؟ مع الأخذ بالأسباب، مع الأخذ بالأسباب. وهكذا قل يا عبد الله في أمور الدنيا، جاءك رجل قال: يا عبد الله، أنا عندي مشروع، يا عبد الله، أنا عندي لك وظيفة، يا عبد الله، أنا لديك مهنة وعمل تعمل تشتغل تشارك تساهم معي، لا تفعل هذا وأنت في قلبك خذ وأنا وتوقع خسارة، ليش الخسارة تتوقعها يا عبد الله؟ لماذا تعامل الله عز وجل بإساءة الظن فيه؟ لا قل: خذ هذا ونسأل الله أن يوفقنا ونسأل الله عز وجل أن يسر أمورنا وأن يبارك في هذا المشروع. ادخل يا عبد الله، لأن الله يعامل العباد على حسب ظن العباد بربهم، كما جاء في الصحيحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: وَأَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»، وَأَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فإذا دخلت في أمر من الأمور يا عبد الله، فحسن الظن بالله، لأنه على قدر حسن ظنك بالله يجعلك الله عند حسن ظنك به سبحانه. هذا الأصل أن إحسان الظن يجري معنا في كل أمورنا، لكن أشير إلى موضعين اثنين هنا يقع فيها الخلل، بل جاء بها التنصيص، وهو هنا الذي ينبغي أننا نحرص قدر كل قدرة على أننا نتحلى بهذا الخلق العظيم. الموطن الأول عند الموت، عند الموت، من قربت منيته، من كان في ساعة احتضاره، عليه أن يحسن الظن بربه، ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، صحيح. الواحد لو رأى إلى أعماله وأقواله لربما وجدها لا شيء وأنه هالك لا محالة، هذا إذا نظر إلى أفعالك، لكن عند موتك لا تنظر إلى أفعالك، بل انظر إلى سعة رحمة الله، حسن ظنك بالله. كما كان حال بعض الناس إذا جاءت منيته وتجده يخاف ويقول: أنا هَسْتُ هالك لا محالة، ليفعلن الله به ويفعلن الله به، فلا يزال يذكر من ربه ما لا يليق بالله، وإن كأنه سيأتي على رب جل وعلا من صفته الدائمة الغضب والانتقام والبطش بعباده، لا يا عبد الله، ربك الذي ستقدم عليه رحيم غفور لطيف بعباده. ولهذا أمر نبينا عند الموت: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، تموت وأنت على هذا الخلق، فتجد عند الله ما يسرك. ولهذا قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «كانوا يستحبون أن يلقن العبد محاسن عمله عند موته»، يذكر بمحاسن عمله. أنت وفقت يا عبد الله وفقت إلى أن تزور رجلًا في آخر عمره، ولربما في آخر حياته، فتأتي إلى مجلسه وأنت تذكره بمحاسن عمله، وما شاء الله: يا فلان، الحمد لله، والله كلنا نشهد فلان ونشهد لك، تصل جماعة معنا، والحمد لله حريص على السنة، حريص على النوافل، ما شاء الله، عطاك الله هذا العمر المديد، كم صلوات وكم رمضانات وكم زكوات خرجتها، احمد ربك يا عبد الله، وفقك الله لخير عظيم أفضل من غيرك ممن هو تأخر عن صلاة، وقاطع للرحم، أنت تذكره، إن لم تجد إلا التوحيد الذي عنده، احمد ربك أنك وحدت الله، ما أنت بيهودي، ما أنت بنصراني، ما أنت بمشرك، ما أنت بكافر، أنت معظم لله، وربنا يحب من عباده التوحيد والموحدين، احمد الله. فيلقن العبد يلقن العبد من محاسن عمله، ما يفتح له الآفاق أنه يرجو لقاء ربه، يرجو لقاء ربه، فلا يدخل عليه اليأس أو الشيطان، وأنت في ساعة الاحتضار، أو تجد من الأموات من دنى موته وهو يتندم على حاله، قل له: كف، لا تتندم، لا تتصعط، لست في موضع يمل عليك هذه الإملاءات الآن، إملاءاتك رحمة الله. هذا الموطن الأول، الموطن الثاني: عند المصائب، عند الشدائد، عند النكبات والأزمات، هذا الموطن من المواطن التي تزل به الأقدام، كم وكم من إخواني في الله لربما تزل قدمه في هذا الباب، والناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في إساءة الظن بالله، كما سيأتي بعبارة ابن القيم: لو أن كل واحد منا فتش عن نفسه، فتش عن قلبه، ليجد أنه قد ابتلي بشيء من إساءة الظن بربه، شعر بهذا أو لم يشعر، خاصة عند المصائب. ابتلاك الله بالفقر، بالضيق، بالشدة، بقلة المؤونة، لربما حدثتك نفسك: يا رب، يا رب، إلى متى؟ يا رب، إلى متى؟ تعبنا، إلى متى؟ يا رب، فلان صاحبي عنده، عنده، جاري الذي بجواري، وفقه الله بالأولاد، بالذرية، بالبيوت، بالسيارة، وأنا لازلت، يا رب، يا رب، لا يقول هذا دعاءً، لا يقول هذا اعتراضًا ومستشكلًا لما يا رب؟ إذا وجد أن الله ابتلاهم بالفقر والضيق والحرج، أو آخر لربما ابتلاه الله بمرض، ودامت عليه الأمراض في نفسه أو في أهله أو في عياله، فلا يزال يتبرم، لربما لا ينطق هذا بلسانه، لكنه في دواخل قلبه يتحدث فيما بينه وبين ربه: يا رب، تحبنا من المرض؟ تعالجنا، يا رب، ليش؟ أيش أنا فعلت يا رب في دنياي حتى تعاقبني بهذه المصيبة؟ ذكر ابن الجوزي رحمه الله تعالى أنه دخل على رجل يعد من الأفاضل، يعد من الأفاضل من الفقهاء، لكن ما تربع على هذا الخلق، وقد ابتلاه الله بالجرب، مرض جلدي، فدخل عليه ابن الجوزي، فسمع هذا الرجل ويتصعط: قل إيش هذا المرض؟ قال: والله هذا المرض لو كان في جمل لهده، وأنا قد ابتليت بهذا، والله لو أعطيت الفردوس لما كان كافيًا، ما يرضى يعني حتى لو أعطي الجنة ما هو راضي بهذا البلاء. ما تتصعط يا عبد الله؟ أنت يا عبد الله إذا وصلت بالبلاء لا تتصعط أو تسيء الظن بربك جل وعلا. وهكذا قل من ابتلاه الله جل وعلا بغيرها من الآفات والعاهات، هنا يا عبد الله يظهر حسن الظن بالله، إذا ابتلاك الله بفقر، قل: الحمد لله، أراد الله به خيرًا، الله علم أن هذا الفقر ينفعني، وقل: وأن الله سيبدل حال إلى أحسن حال بإذن الله، أنا متوقع يا أمت الله، اصبري، صبر، صبر، صبر، يا أمت الله، يا عيال، اصبروا، سيأتي لا بالفرج، انظر لحسن الظن بالله، يأتي لا بالفرج، لا تستبعد فرج الله عز وجل أو رحمة الله، هنا بعيدة قريبة، لكن اصبر يا عبد الله. ابتلاك الله بالمرض، سلي نفسك أن هذا المرض كفارة للذنوب، مطهر للعيوب، رفيع للدرجات، الدرجات والجنات، وأن الله عز وجل أراد بك خيرًا بمرضك، وأن الله ابتلاك بما لم يمتلي به غيرك، لأن الله أحبك، إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، تسلي نفسك بهذا، مع ما يكون من حسن النظر إلى المستقبل، بأن الله سيأتي بالشفاء، الشفاء سيأتي، لكن صبر، الصبر يا رب، يا رب، الشفاء منك يا رب، تدعو، لا تتصعط لله عز وجل. وهكذا قس في سائر أمورك وأعمالك، لأنك ما أسلفنا: الله يعامل العباد على حسب ظن العباد بالله، ولهذا جاء في رواية خارج الصحيح: «قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء»، هذا راجع إليك، أنت الآن راجع إليك، الله ما أرد بك إلا الخير، لكن الخير بما شئت، الله قد يكون الخير في مرض، قد يكون الخير في مصيبة، قد يكون الخير في فقر، قد يكون الخير في شيء من البلايا، هذا الخير أراده الله فيك لحكمة. فأنت عندما تقول: قال نبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله: وَأَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنْ عَبْدِي بِي مَا شَاءَ»، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله، الله سيعاملك إذا علمت أن هذا الفقر سيستديم عليك. جاءك واحد من الأخيار قال: يا عبد الله، كيف الحمد؟ والله أخي، حمد لله، والله تعبنا، يا أخي، الأسعار مرتفعة والأشغال ما فيه، والله ما نجد لقوت يومنا، فيقلك أحد المصلحين: يا أخي، الصبر سيأتي الله بالفرج، سيأتي الله بالفرج، قال: إيش من الفرج يا رجالة؟ خلاص ما أشي إلا الموت، سنمت على الفقر، قلت هذا، الله سيعاملك على ما يكون بمنطقك، البلاء موكل بالنطق، فإذا ظننت بالله أن الله سيكتب عليك الفقر، فليكن هذا لك. أو كذلك بالمرض، استدام عليك المرض سنة، سنتين، خمس سنوات، ست سنوات وأنت على هذا الحال، فيأتيك من يأتيك ويذكرك بفرج الله، وأن الله سيأتي بالشفاء، الصبر والشفاء، أنا يائس، خلاص، هذا حالي، سأكون هذا إلى أن يصل إلى مماتي، إذا كان كذلك، فيبتليك الله بكلامك الذي قد ذكرت، وما كان من ظنك بربك. الشاهد إخواني في الله أن هذا الباب من الأبواب العظيمة الذي ينبغي أن يعتني بها المسلمون جميعًا، وهي من المقامات الجليلة أن تتعبد الله جل وعلا بحسن الظن بالله في كل شيء، في كل أقوالك وأفعالك وأحوالك، وأن تعلم أن الله أراد بك خيرًا، وخاصة كما قلنا عند مقامي الاحتضار، وعند الشدائد والمصائب. وسأتي مع المؤلف رحمه الله تعالى بشيء من الأدلة، أدلة على ما يتعلق بهذا الباب، فنرجئ الحديث عنه في مقامه، وإلى حينه، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.