الصحبة طريق إلى الجنة أو النار

الصحبة طريق إلى الجنة أو النار

المحاضرة بعنوان الصحبة طريق إلى الجنة أو النار، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 22 ربيع الأول 1448هـ الموافق 4 سبتمبر 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة المحاضرة وأهمية موضوع الصحبة

افتتح المحاضر المجلس بالحمد والثناء مستعرضاً آيات وأحاديث تبين أثر الصحبة في مصير الإنسان، وقدم محاضرة بعنوان "الصحبة طريق إلى الجنة أو النار" معرفاً بالمتحدثين الرئيسيين ومؤكداً على وجوب العناية بهذا الموضوع.

أهمية اختيار الصاحب الصالح وأثره على الدين

يؤكد المقطع على أن الصحبة ضرورة شرعية وفطرية وأن المرء على دين خليله، مستدلاً بأحاديث تحث على مصاحبة المؤمن التقي وتحذر من رفقاء السوء، مبيناً أن الصاحب الصالح من علامات محبة الله للعبد.

محبة الأخيار والصحبة الصالحة سبيل القرب من الله

يركز المقطع على حديث "المرء مع من أحب" محذراً من حب الكفار والمشهورين التافهين، ومبيناً أن محبة الصحابة والصالحين تورث مرافقتهم في الجنة، مستعرضاً فضيلة القوم الذين تحابوا في الله وخاتماً بقصة بكاء أبي بكر فرحاً بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

الصحبة طريق إلى الجنة أو النار في ضوء السنة

يؤكد المتحدث على خطورة الصحبة مستدلاً بحديث "الأرواح جنود مجندة" وحديث حامل المسك ونافخ الكير، موضحاً أن الصحبة الصالحة تهدي للخير وتؤدي للجنة بينما الصحبة السيئة تفسد الأخلاق وتورد النار، مستشهداً بآية الندم يوم القيامة.

تفسير آية عض الظالم على يديه وقصة ابن خلف

يشرح المقطع آية "ويوم يعض الظالم على يديه" بوصفها تعبيراً عن شدة الندم يوم القيامة، ويستعرض سبب النزول المرتبط بابن خلف الذي كان يحب النبي ويخالطه لكنه مات كافراً، مع الإشارة إلى اختلاف العلماء في صحة هذه الرواية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فإن ربنا سبحانه وتعالى بيّن لعباده طريق الهدى من الضلال، وطريق الشكر من الكفران، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾. ثم بيّن سبحانه وتعالى جزاءه للكافرين، فقال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴾. ثم بيّن جزاءه الشاكرين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا * قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا ﴾. فاختر لنفسك يا عبد الله: أتريد ممن يصلى سعيراً، أم ممن يخلد في جنة ونعمة؟ وهذه المحاضرة التي قد أعلن عنها بعنوان: "الصحبة طريق إلى الجنة أو النار"، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لدخول الجنة أسباباً، وجعل لدخول النار أسباباً، ومن أسباب دخول الجنة أو دخول النار الصحبة في هذه الدنيا. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، و«الصاحب ساحب». وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾. فانظروا إلى آثار الصحبة السيئة، لربما تؤدي بصاحبها إلى أن يكون من أصحاب الجحيم، والعياذ بالله. فستسمعون في هذه المحاضرة -إن شاء الله تعالى- ما فيه حث وترغيب على الصحبة الصالحة التي هي سبب من أسباب دخول الجنة، وستسمعون التحذير والتنفير من صحبة الأشرار التي هي السبب لدخول النار، والعياذ بالله. وإن مما زاد هذا المجلس شرفاً وسروراً وبهجة وحبوراً أن محاضرنا في هذه الليلة الشيخ المبارك الحبيب، والعاقل المربي الأريب، حفظه الله تعالى، وهو الشيخ الفاضل أبو هاشم الشحري، جمال بن سرور، حفظه الله تعالى ورعاه، وذلك بعد غيابه عن مركزه وعن طلابه وأهله في فترة علاجية. أسأل الله أن يمن عليه بالصحة والعافية، وأن يذهب ما به من مرض وأسقام، إنه سبحانه وتعالى سميع الدعاء. فعليكم يا عباد الله أن تصبروا أنفسكم، وأن تستمعوا إلى كلماته ونصائحه، حفظه الله تعالى، فإن القلوب متشوقة لنصحه وإرشاده، وإن الآذان متشوفة لسماع توجيهه وإرشاده، حفظه الله تعالى. فأهلاً وسهلاً ومرحباً به بين طلابه، وفي مركزه، وبين إخوانه ومحبيه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به الإسلام والمسلمين. وسيشاركه في هذه المحاضرة كذلك الشيخ الفاضل أبو الحسن علي باسيود، حفظه الله تعالى. فصبروا أنفسكم واستمعوا إلى ما سيلقى على آذانكم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعاً بما يقولون، وأن يعيننا وإياكم على العمل بما يقولون، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. والمحاضرة -إن شاء الله- بعد أداء السنة الراتبة. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فصلوات ربي وتسليماته وتبريكاته عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، أيها المباركون، فإن أصدق الحديث كتاب المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا وعلمتنا وهديتنا. لك الحمد يا ربي بنعمة الإيمان، ونعمة الإسلام، ونعمة القرآن، ونعمة الأهل والمال والمعافاة، كبت عدونا، وأظهرت أمننا، وبسطت رزقنا، ومن كل شيء يا ربنا دعوناك أعطيتنا، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد. أيها الأحبة الأفاضل، أيها المباركون في هذا اللقاء، نبتدئ بحمد الله جل وعلا ومزيد الثناء عليه أن وفقني وإياكم أيها الأحباب لحضور هذه المائدة العظيمة من موائد العلم، وحضور هذا المجلس المبارك من مجالس الذكر. فأسأل الله جل وعلا أن يجعل سعيكم سعياً مشكوراً، وعملكم عملاً مبروراً، ولا يجعل معنا ولا فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، إنه ربي قريب مجيب الدعاء. أيها الأحبة، قد سمعتم ما سمعتم من كلام الشيخ أبي معاذ، حفظه الله، في مقدمة هذه المحاضرة. سمعتم العنوان الذي عنونا لها، والمحاضرة كما أشار إليها حفظه الله لأخينا الحبيب الشيخ الفاضل أبي هاشم، جمال بن سرور، حفظه الله ورعاه، وعافاه الله وشافاه. ولا شك إن أخانا الشيخ جمال له مكانه في قلوبنا جميعاً، وكلنا له دعاء. فإننا نحمد الله جل وعلا على هذا الخير وعلى هذه النعمة، ونشكره ووفقه للوقوف مع إخوانه للنصح والإرشاد والدعوة إلى الله جل وعلا. وإن عنوان هذه المحاضرة عنوانٌ مهم، ومهمٌ للغاية أيها الأحبة، لأنه يتكلم عن موضوعٍ في غاية الأهمية، وينبغي أن نلقي له عنايةً عظيمة، وأن نقف أمامه متفكرين متأملين. لأنكم علمتم طريقين كلاهما تنبثق من هذا العمل ومن هذا الفعل: إما هذه الصحبة وهذه الصداقة وهذه الخلة، أيها المباركون، إما أن يكون صاحبها قد سلك طريق الهدى وسلك طريق الجنان، وإما أن يكون صاحبها قد تردى إلى طريق الغواية والضلال، ووصل به الأمر إلى النيران، والعياذ بالله. فعلى ماذا، أحبة في الله، نتكلم عن الصحبة؟ علامة لماذا الصحبة بالذات؟ لأن الصحبة أيها الأحبة مطلوبة شرعاً ومرغوبة طبعاً. فإن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا فرادى ولا آحاداً. فمن اغتضت حكمة الله الباري جل وعلا أن يجعل الناس متجانسين ومدنيين واجتماعيين، فلابد من الخلطة، ولابد من المصاحبة، ولابد من المجالسة، ولابد من الخلة. فالحياة لا تصفو إلا بصديق حبيب، ودليل على الخير. وإن الأخلاط في هذه الدنيا كثر، ولهم أشياء مشعبة، يا عباد الله. ولهذا سنعلم من كلامنا، كلام شيخنا، أن الصحبة الطيبة الطاهرة التي على كتاب الله وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي المطلوبة. كيف لا نتحدث يا إخوة عن الصحبة، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرشدني وإياك، أرشدني وأرشد المرأة المسلمة لاختيار الصديق، لاختيار الصديق على ما... على ما نختار صديقنا، على ما نختار معدن... معدن الصديق. فإن الأصدقاء لهم معادن، أيها الأحباء. فالنبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى هذا الأمر، فقال عليه الصلاة والسلام، كما عند أبي داود من حديث أبي هريرة، راوية الإسلام، رضي الله عنه وأرضاه: «المرء على دين خليله». المرء... المرء، وأي إنسان من الناس على دين خليله. قل لي يا عبد الله: من تجالس؟ من تصاحب؟ أقول لك: من أنت. فإن الإنسان إنما يعرف بصحبته، وبمجالسيه، وبمخالطيه، وبمن معهم يقوم، وبمن معهم يصول، وبمن معهم يسمر، وبمن معهم يذهب ويأتي. هؤلاء هم مرآتك يا عبد الله، هؤلاء هم دليلك في الحياة: أتسعد فيهم أم تشقى فيهم؟ هذا حسب اختيارك أنت. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء على دين خليله». فماذا يعني الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله: «على دين خليله»؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يخبرني ويخبرك يا عبد الله: إنك على طريق صاحبك، على طريق هذا الصاحب الذي يعيش معك، الذي يأخذ بيدك، الذي تجلس معه الساعات الطوال. فإنك إن كان يمشي على طريق الخير والسعادة والرقي والهدى، فذاك نعم به صديق، نعم به من صديق عظيم، يوصلك إلى غاية عظيمة عند الله. وإن كان ذاك الصديق من رفقاء السوء، ومن قرناء الشياطين، فاحذر يا عبد الله، احذر يا عبد الله أن تكون من هذا... «المرء على طريق خليله». ثم قال لنا نبي صلى الله عليه وسلم: «فلينظر أحدكم...» ننظر نحن من نختار من الأصدقاء، من نختار. «فلينظر أحدكم أن يختار الأخ الوافي، والصديق المحب، والصديق الناصح، الذي إذا كسل نبهه، وإذا ضل عن سبيل الهداية فهداه، وإذا وقعت منه خطيئة نبهه على ذلك». هذا هو الصديق. هل ترون في الدنيا اليوم مثل هذه الأوصاف كثر؟ والحمد لله. قال بعض السلف رحمهم الله: قالوا: «إن الله جل وعلا إذا أحب الشاب... هكذا إذا أحب الشاب، فإنه يختار له سبحانه وتعالى صديقاً ماجداً، صديقاً ماجداً». فإذا اختار لك ربي جل وعلا من الأصحاب والخلال والأصدقاء من هو بهذا الوصف الذي ذكره هؤلاء العلماء، وهؤلاء النبلاء والنجباء، فإن ذلك تعد محبة من محاب الله جل جلاله. نبينا صلى الله عليه وسلم في أهمية... نحن إلى الآن نتكلم عن الأهمية، وعلى ما نتكلم عن الصحبة. نبينا صلى الله عليه وسلم، كما ورد من حديث ابن مسعود عند أحمد وعند أبي داود، رحمهم الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحب إلا مؤمناً». فما يعني كلام النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحب إلا مؤمناً»؟ فالدنيا جلهم الذين نعايشهم مؤمنون، ولكن ليس الغرض هنا، وليس القصد هو الإيمان الذي آمن به الناس، وهو الاعتراف والإقرار لله جل وعلا، لا. ولكن المؤمن ككل: مؤمن في فعاله، مؤمن في عبادته، مؤمن في أخلاقه. هذا هو المؤمن الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم. لا تكفي أن يقول: لا إله إلا الله، وأن يشهد أن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة فقط. لا والله أيها الأحبة. بل الصاحب في أخلاقه، وفي تصرفاته، وفي تعامله، هذا هو الصاحب الذي تستفيد... الذي ستستفيد منه يا عبد الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي». والحديث حسن، وقد ضعفه بعض العلماء رحمهم الله، ولكن العمل به ومعناه صحيح. إن النبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا في هذا الحديث أن نختار الصاحب الجيد، الصاحب الذي يكون تقياً ونقياً وصفياً وهادياً، هذا الذي نستفيد منه. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا بهذا... ينبهنا بهذا أن نبتعد عن رفق السوء، وعن الأصدقاء الذين لا يستفيد منهم العبد إلا ضرراً، والعياذ بالله. قال: «وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ». ما المناسبة يا عباد الله؟ ما المناسبة بين الصاحب والطعام؟ ما المناسبة؟ المناسبة كما قال العلماء: ليس الطعام الذي ذكر في هذا الحديث هو طعام الولائم، لا. إنما هو الطعام الذي يجود به الإنسان لحبيبه ورفيقه وصديقه، طعام الصحبة. ولهذا تعلمون إن من أخص صفات الحبيب أنه يعزم حبيبه، ويطعم حبيبه وصديقه. فتراهم يذهبون إلى مطعم ما، ويخرجون إلى مكان ما، ويعزمك، وكل ما حلت عنده، وكل ما حلت عنده فرحٌ وسرور، قال: أين فلان؟ لأنه صديقه، أو صديقه، فيأتي به في كل فرحٍ وسرور. هذا هو المقصود: «لا يأكل طعامك يا عبد الله إلا تقي». والنبي صلى الله عليه وسلم في أهمية الصحبة أيضاً يقول: «خير الأصحاب عند الله، خير الأصحاب في الدنيا، وخير الجيران عند الله، خير الجيران في الدنيا». من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عند الإمام أحمد رحمه الله، وآنس رضي الله عنه وأرضاه، الصحابي الجليل، يقول فيما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم، رحمة الله عليهما: أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ سؤال أشغل ذهن، أشغل عقله، وجاء محمل بهذا السؤال. قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم جواباً ذكياً: «وماذا عملت للساعة؟ ما الذي قدمت للساعة حتى تسأل عنها؟» قال: يا رسول الله، ليس معي من الأعمال، لا من صلاة، ولا من صدقة، ولا من كذا... أي الشيء الكثير، فإني على حسبي، ولكني أحب الله وأحب رسوله، أحب الله وأحب رسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة سيفرح بها المؤمنون الذين لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، والذين سيأتون من بعدنا، ونحن كذلك فرحنا بها، وفرح بها الأصحاب... إي، ما فرح، وفرح عظيم وقع في صدورهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب». قال أنس: فوالله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب». المرء مع من يحب، من الأخ الله، والأصدقاء، والرفقاء، والأصحاب. المرء مع من يحب. يا إخوة، أنقذوا أبناءنا، أولادنا وبناتنا، أنقذوا الشباب من حبهم للكفرة، من حبهم للمردة، من حبهم للمشهورين، للتافهين. فإن المرء مع من أحب. أحببت من أحببت رسول الله، ستكون معه. أحببت أبا بكر، ستكون معه. أحببت عمر، ستكون معه. أحببت الأصحاب عليهم رضوان الله، ستكون معهم. من تحب في الدنيا؟ أتحب كافراً، والعياذ بالله؟ ولهذا هذا هو الذي صوره لنا اليوم الإعلام... معاجر الإسلام، حتى وقع في قلوب أولادنا وبناتنا، وفلذات أكبادنا، حب هؤلاء الشياطين، حب هؤلاء النجوم الهابطة، حب هؤلاء الذين لا يقيمون للإسلام وزناً، بل جلهم من الكفار، والعياذ بالله. النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنس رضي الله عنه، يقول: «فوالله، فوالله، ما فرحنا بشيء بعد الإسلام بمثل هذه الكلمة التي خرجت من في النبي صلى الله عليه وسلم». قال النبي: «المرء مع من أحب». ثم قال حذيفة... عفواً، قال أنس رضي الله عنه: «وأنا أحب أبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم». ونحن نقول كذلك: نحب الله، ونحب رسول الله، ونحب أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً، والصحابة، ومن كان بعدهم على الهدى والنور، وعلى الخير والصلاح، وإن لم نعمل بأعمالهم. ولهذا يا إخوة، هذا رجل آخر سمع النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، عند أحمد وعند غيره، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، ثم... ثم التفت إليهم، فقال لهم كلاماً عجيباً يصب في مصب هذا العنوان العظيم. قال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا إن من الناس أناساً ليس بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء، ويغبطهم الشهداء، بقربهم ومجلسهم من الله جل وعلا، فهم قريبون من الله، ومجلسهم قريبة من الله». فلما سمع هذا الرجل كلام النبي صلى الله عليه... كلام النبي صلى الله عليه وسلم، جثى على ركبته، جثى على ركبته، ورفع يده يشير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن: يا رسول الله، يا رسول الله، ليس بأنبياء ولا شهداء، ويكونون بالقرب من الله، ومجلسهم بالقرب من الله؟ قال: «نعم». قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال الرجل: يا رسول الله، صفهم لنا. وأراد هذا الوصف، وأراد أن يتمثل بهذا الوصف، رضي الله عنه. قال: «صفهم لنا، جلهم لنا يا رسول الله، جلهم لنا يا رسول الله». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم من أفنان القبائل، أو من أفناء القبائل، أو قال: من أفناء الناس، ومن نزاع القبائل، قوم اجتمعوا على حب الله». انظروا يا عباد الله، أسمعتم الوصف المتقدم؟ اسمعوا إلى التفصيل. قال: «قوم تحابوا في الله، جمعتهم المحبة في الله عز وجل، جمعهم صفاء... صفاء القلوب لله جل وعلا، اجتمعوا لهذا، ليس لهم قرابة، وليس بينهم أرحام، ولكنهم اجتمعوا لهذا». فقال النبي: «يجعلهم الله جل وعلا على منابر من نور، ثيابهم النور، وجوههم النور، لا يخافون يوم الفزع الأكبر، حينما يخاف الناس، هؤلاء هم الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، أو كما قال النبي الكريم المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظروا يا إخوة إلى عظمة الصحبة، إلى عظمة الأخوة، إلى هذا الذوق الرفيع، إلى الخلة الشرعية الإسلامية العظيمة، كيف تجعل العبد بهذه المنزلة العظيمة؟ من منا لا يريد القرب من الله، ولا يريد أن يكون مجلسه قريباً من الله؟ ونحن لسنا أنبياء، ولا شهداء، ولا أبرار، وإنما نحن من عامة مؤمنين، ومن أفناء المؤمنين، ومن زع القبائل، من أفناء الناس، بمعنى لا يعلم قبائلهم، ومن نزاع القبائل، أي الذين نسقوا بالقبائل، وليس منهم هؤلاء الصنف. فهم ليسوا ممن يذكر هنا بالشرف، ولا بالنسب، ولكنهم عند الله يذكرون بالخير والقرب إلى الله جل وعلا. احرص يا عبد الله، احرص على الصديق، احرص على الخليل، احرص على القرين الصالح الذي يذكرك بالله جل جلاله. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثبت عنه أنه قال: «عليكم بالإخوان، إخوان الصفا، إخوان الإيمان، إخوان العلم، إخوان الهداية. عليكم بالإخوان، فإنهم عدة... عدة في الدنيا والآخرة». ألم تسمع قول الله: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾؟ فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم. سيأتي ذكر هذا بإذن الله عز وجل في نقاط محاضرتنا هذه، أيها الأحبة في الله. موقف عجيب وحبيب: قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «ما شعرت أن أحداً يبكي من الفرح». تقول عائشة، أمنا، أم عبد الله، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: «ما شعرت أن أحداً يبكي من الفرح، يعني ما كنت أدري أن في ناس يبكون من شدة الفرح، حتى رأيت أبي يبكي من شدة فرحه». وذاك حينما جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الهاجرة، في الظهيرة، في ساعة لا يأتيه فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقرع باب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. فلما فتح له في هذه الساعة العجيبة، فقال: «ما جاء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا أمر هم». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرج من عندك... أخرج من عندك»، يعني من كان عندك في البيت. فقال: يا رسول الله، إنما هم ابنتاي، إنما هم ابنتاي: عائشة الصديقة، وأسماء بنت أبي بكر، بنت أبي بكر، رضي الله عنهم جميعاً. فقال: «بأبي أنت وأمي، إنما هم ابنتاي». فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، يسار صديقه، خليله، حبيبه، أن أذن الله له بالهجرة. ففاضت... ففاضت دموع الحبيب، وهو يقول: يا رسول الله، الصحبة، الصحبة، الصحبة، الصحبة. سيترك أهله، ويترك ماله، وعشيرته، ويترك الكعبة، ويترك مكة التي هي أحب البقاع لقلب حبيبه، ولقلبه. ذاك كله لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفيذاً لأمر الله عز وجل. والصحبة يصحب من يا إخوة؟ يصحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يصحب المعصوم صلى الله عليه وسلم. ونحن اليوم، يا أحبة، ليكن هذا شعارنا، ليكن شعارنا مع أحبابنا، مع أصحابنا، مع إخواننا، مع أهل الخير، مع أهل الصلاح، مع علمائنا الربانيين. هذا مما نستفيده من هذا الأمر العظيم، أيها الأحبة في الله. والصحبة أيها الأحبة، في زماننا هذا، تردت... تردت من الهاوية. نعم، كانت الصحبة قديماً لها مذاق، ولها طعم، ولها حلاوة، وعليها حلاوة، حينما كانت الصحبة تمثل جسداً، أعضاؤه المحبة، الصلة، الأخوة، الفداء. هكذا كانت المحبة إلى عهد قريب، وهكذا كانت الصحبة إلى عهد قريب. اسأل إخوانك في بدء هذه الدعوة المباركة، في بدء دعوة أهل السنة، حينما يأتوننا مشايخ الدعوة من كل مكان، حينما يأتينا شيخنا العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي إلى هذه البلاد، كيف كانت المحبة، كيف كانت الوصال، كيف كانت تلكم الخدمة العظيمة؟ أين هذا؟ تلاشى، تلاشى مع أضرار المجتمع اليوم، تلاشى مع السموم المبسوطة اليوم من الكفار، من عن يميننا، ومن شمائلنا، والعياذ بالله. الصحبة أيها الأحبة، قالت فيها عائشة حديثاً يروى للخليل، النبي صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم»، والحديث في صحيح الإمام البخاري، وفي مسلم، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». الأرواح، يا إخوة، روحي وروحك، جنود، جنود مجندة، أي جموع مجتمعة، جموع مجتمعة، كما قال ابن بطال، وقال المناوي، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح الإمام البخاري رحمه الله: قال: «جموع مجمعة أو مجتمعة». قال: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف». تعارف على ماذا؟ تعرفت أنا وأنت على الخير، على الصلاح، على النصح، على الدين، على التقوى، على الإيمان، ائتلفت، اتحدنا، اتحدنا على هذا الخير الذي دلنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم. «وما تناكر منها اختلف». ما تناكر: أنكرت فعل أخيك، أنكرت إيمان أخيك، أنكرت عمل أخيك، أنكرت اعتقاد أخيك، تتنافر... بعد النصح والبيان، تتنافر هذه القلوب. وذكر الحافظ بن حجر رحمه الله في هذا قصة قصيرة، وهي مروية عن عائشة رضي الله عنها، وهي خارج الصحيح. إن سبب قول عائشة رضي الله عنها هذا الحديث، ورواية هذا الحديث عن زوجها وخليلها وحبيبها، قالت: «صدق حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما سمعت إن امرأة من مكة يقال لها عمارة، يقال لها عمارة بنت عبد الرحمن، بنت عبد الرحمن، وكانت هذه المرأة مزاحة، تحب الضحك، مزاحة ومشهورة في مكة، وفدت على امرأة في المدينة على شاكلتها، مزاحة، مزاحة أيضاً». فقالت: «صدق حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة». فروحي وروحك، عبد الله، إنما يتفقان على الخير، وعلى الصلاح، وعلى الدين. فهكذا كانت الصحبة في عهد النبي. ولا نطيل أيها الأحبة، فإن ما ورد في السنة من صداقة الصحابة، من صداقة الأنصار، من صداقة المهاجرين، الشيء الكثير الذي يفنى فيه الوقت، وتعلمون ذلك جيداً. ولكن أيها الأحبة، دعونا كما يقال: نضع النقاط على الحروف. العنوان يقول: الصحبة طريق، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. بعد أن عرفنا أهمية هذه الصحبة العظيمة، واختصرنا هذا المقال والمقام، فيه كلام كثير، فأولى هذه الاستدلالات العظيمة على هذا العنوان البارز، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم يبين لنا إن الصحبة إما أن تشدوا بك إلى الجنة، وإما أن تحط بك إلى النيران، والعياذ بالله. في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، والحديث مخرج في الصحيحين، متفق عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم، ويضرب لنا مثالاً معنوياً لأجل أن نفهم المقصد من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك، كحامل المسك، ونافخ الكير». علمنا ذلك. أما حامل المسك، فهو ذاك الرجل الذي يحمل عطراً، يحمل عطراً يفوح شداه من أمتار، من أمتار. وذاك الرجل الذي يبتسم في وجهك، فيعطيك، وتجد منه الرائحة الطيبة، كما سيأتي في كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ونافخ الكير، ذاك الرجل الذي لا يكاد أن يرى من الدخان، ومن الغبار، ومن الشرار التي تتطاير من عمله، هو الحداد الذي ينفخ في كيره، الذي ينفخ في تنوره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كنافخ... كحامل المسك ونافخ الكير». فأما حامل المسك، إما أن يهديك. ما معنى يهديك؟ يهديك يعطيك، كما ترون، ذاك الذي يحمل المسك، ووضع المسك على رقبته، وعلى صدره: تعال يا أخي، اروح هذا، شم هذا. إما أن يهديك، أن يهديك، أو تبتاع منه، تشتري منه عطراً، تشتري منه عطراً، تكون عطراً، يكون عطراً فواحاً في جسدك وفي ثيابك. وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، يمر عليك، فتروح، فتروح تلكم الرائحة العطرة العبقة. هذا هو دليل من دليل الجليس الصالح. الجليس الصالح، رائحته طيبة، هدايته طيبة، جلوسه طيب، يهديك الكلمات الحبيبة، يهديك النصائح الكريمة. رائحته، أي سمعته، جلست مع من؟ الصاحب ساحب، والصديق قبل الطريق. وقل لي من تجالس، أقول لك من أنت. والمجالس مجانس، هكذا تقول الناس. فالرائحة تصل إليك لأنك خليل فلان، وصديق فلان، وحبيب فلان. فإنما يتمثل من سمعته، وما به من خير، تنساق إليك، لأنه أهداها إليك، لأنه أهداها إليك. هذا الصديق الذي قال فيه النبي: حامل المسك. فاختاروا لأنفسكم أيها الأحبة، حمالاً للمسك، ولا نفاخاً للكير. أما نافخ الكير، قال فيه النبي: وهذا هو طريق الجنة، الصحبة طريق الجنة، هذا الأمر الأول، طريق الجنة. أما الأمر الثاني، أحبتي في الله، وهو نافخ الكير، رجل عند قربته ينفخ في كيره، أو بأي وسيلة حديثة، أو ذاك الكير الكبير، التنور الكبير الذي تعلمون، الذي توضع فيه الحجارة، فتصير نورة، نورة التي تعمل في البيوت، الكير الكبير. أما صاحب الكير، إما أن يحرق ثيابك، وهذا كناية على حرق الأخلاق، سمعة... سمعة، وليست سمعة فقط، بل يصلك في جسدك، في أهلك، في كل ما يتعلق بك من شيء، من سمعة ذاك الجليس السيء، والقرين، من قرناء الشياطين. إن صحبت مخزناً، قالوا: فلان يخزن. إن صحبت مدخناً، قالوا: لا نخاله إلا يقع في هذا التدخين. إن صحبت رجلاً أو شاباً من أصحاب المخدرات، فوالله لا يزال بك حتى تنتكس، فتذوق ما ذاك. إن صحبت فاسقاً، إن صحبت ملوطاً، أو زانياً، أو شاتماً، أو عربيداً، أو فاسقاً، سيكون لك النصيب من فعله، والعياذ بالله. هؤلاء هم أصحاب الكير. هذا هو صاحب الكير. قال: «وإما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة». أي سمعة تكون على الآفاق: يا فلان، ابنك يمشي مع من؟ ما نظنه إلا مثله. يا فلان، ادرك ابنك، من صحبته، من يمشي معه، من يخرج معه، من يسمر معه، من يجالس. ادرك ابنك، فستكون لك هذه السمعة، وستأتي إليك هذه السمعة من نفاخ الكير، والعياذ بالله. وآية أيها الأحبة في كتاب الله، سمعتموها من أخينا الفاضل أبي معاذ، الشيخ، وهي ما يقول ربنا جل وعلا في محكم التنزيل: قال الله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾. ويوم يعض الظالم على يديه، تمعاً... مشيد وحده يديه. ويوم يعض الظالم، ويوم يعض الظالم على يديه، كناية على عظيم الألم، ومرارة الحزن، يوم يلقى الله جل وعلا. لا يعض على يد واحدة، يعض على يديه. إن كان في الحقيقة لا يقع كثيراً أن الإنسان يعض على يديه، ولكنه من شدة ما وقع فيه من حسرة وندامة. وسنأتي إلى السبب الذي ذكره بعض أهل العلم، كالإمام الطبري رحمه الله، في هذه الآية. قال الله: يعض على يديه، يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، أي طريقة. يا ويلتى، ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً. يا ويلتى، يدعو بالويل والثبور من حزنه واقتئابه، ومصيره الذي وقع فيه، وهو يقول: ليتني، ليتني، ولا تنفعه. لم أتخذ فلاناً من فلان، هذا فلاناً خليلاً. لا، ليتني لم أتخذه صاحباً، ولا رفيقاً، ولا زميماً. لقد أضلني، أبعدني عن الذكر، بعد أن جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولاً، يخذله في موقف يحب فيه النصرة. وهنا دعا هذا... هذه الآيات العظيمات في كتاب الله، ذكر فيها المفسرون سبب نزول. ومن حيث الدراية الحديثية، يضعف بعضهم هذه القصة، ويصححها بعضهم، كالإمام السيوطي، وذكرها المشايخ حفظهم الله. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بصفاته المحبوب، يحبه الناس، وكان من ضمن الناس الذين يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، رجل من أشراف قريش، وهو ابن خلف، كافراً، ومات كافراً، ولكن يحب الشهامة، ويحب الصلة، ويحب الأخلاق، وكان ذا خلق مع النبي صلى الله عليه وسلم، يعامل النبي بالمثل. فلما كان النبي ملاطفاً، ملاطفاً صلى الله عليه وسلم، وكان حبيباً، وكان