كتاب الطهارة 42

كتاب الطهارة 42

الدرس في كتاب الطهارة 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش والتعريف بالاستحاضة

حديث فاطمة بنت أبي حبيش يبين أن الاستحاضة دم عرق وليست حيضا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصلاة بعد غسل الدم. اختلف الرواة في الوضوء لكل صلاة.

حالات المستحاضة وأحكام التعامل مع دم الحيض

المستحاضة لها أربع حالات بناءً على معرفة عادتها وتمييز دم حيضها. العلماء اختلفوا في كيفية التعامل مع كل حالة.

أحكام الاستحاضة وضوء المرأة المستحاضة وتأثيرها على العبادات

الاستحاضة لا تمنع الصلاة والصيام ولكنها قد تمنع إتيان الزوج لها عند بعض الفقهاء. الجمهور يرى أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.

حكم قضاء الصلاة الفائتة بسبب الحيض

اتفق العلماء على أن الحيض لا يوجب قضاء الصلاة استنادا إلى حديث عائشة رضي الله عنها، فالصلاة الفائتة بسبب الحيض لا تقضى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». متفق عليه. هذا الحديث كما قال المؤلف رحمه الله متفق عليه. وللبخاري: «ثم توضئي لكل صلاة». وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا. وقوله هنا: «وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا»، لأنه حصل فيها خلاف. فجاء الحديث من طريق هشام عن أبيه عن عائشة، وجاء أيضا من طريق الزهري عن عروة عن عائشة. لكن هذه الزيادة جاءت في حديث هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في العلل، وذكر هذه الزيادة، ورجح أنها من كلام عروة، لأنه جاء أن عروة أفتى بذلك أنها تتوضأ لكل صلاة. فالصحيح أن هذا من كلام عروة وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومعنى قول عائشة رضي الله عنها: قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش -بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية فشين معجمة-، وفاطمة بنت أبي حبيش قرشية أسدية، وهي زوج عبد الله بن جحش. عبد الله بن جحش هذا توفي أو قتل في بعض الغزوات التي كانت قبل بدر. وعما ذكر أنه تنصر، فهذا ليس صحيحا. قالت: إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض -من الاستحاضة وهو جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه-، وكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عرق وليس بحيضة، هذا عرق يقال له العاذل، هذا العرق يخرج منه دم، فهو دم عرق مثل أي دم يخرج من الجسد، دم العروق. فالاستحاضة دم عرق وليس بحيضة. قال: فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك -بكسر الكاف أو بفتحها، ذلك خطاب للأنثى- عرق». وفي فتح الباري: أن هذا العرق يسمى العاذل -بعين مهملة وذال معجمة-، ويقال: عاذر -بالراء بدلا من اللام كما في القاموس-. فالآن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر هذه المرأة أن هذا الدم ليس حيضا وإنما هو دم له أسبابه وخصائصه، فهو يخرج من عرق. هذا العرق يسمى العاذل. معنى هذا: كأنه مرض، هذا يعتبر مرض يكون في المرأة يخرج هذا الدم في غير موعده أو من غير مكانه. دم الحيض يخرج من قعر الرحم. فالآن أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم باختلاف المخرجين. وهذا رد لقولها: فلا أطهر، على أنه ليس أنتِ لست بطاهرة، بل أنتِ طاهرة، فبان لها أنها طاهرة وتلزمها الصلاة. قال: وليس بحيض، فإن الحيض يخرج من قاع الرحم. والمراد باختلاف المخرجين: وهو رد لقولها: لا أطهر، لأنها قدرت أن طهارة الحيض لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فكنت بعدم الطهر مع اتصاله. وكانت قد علمت أن الحيض لا تصلي، فظنت أن ذلك مقترن بجريان الدم. فأبان لها صلى الله عليه وسلم أنه ليس بحيض، وأنها طاهرة يلزمها الصلاة. قال: فإذا أقبلت حيضتك -بفتح الحاء ويجوز كسرها-، والمراد بالانقبال: ابتداء دم الحيض، فدعي الصلاة. يتضمن نهي الحيض عن الصلاة وتحريم ذلك عليها، وفساد صلاتها. وإجماعنا معلوم من الدين بالضرورة، وإجماع المسلمين على أن الحيض تترك الصلاة. وحصل خلاف الخوارج في قضاء الصلاة، فهم يلزمون الحيض أن تقضي الصلاة، وهذا لجهلهم بدين الله. قال: وإذا أدبرت -هو ابتداء انقطاعها-، فاغسلي عنك الدم -أي واغتسلي، وهو مستفاد من أدلة أخرى-، ثم صلي. متفق عليه. قال: فيه دليل على وقوع الاستحاضة، وعلى أن لها حكما يخالف حكم الحيض. وقد بينه صلى الله عليه وسلم أكبر بيان، فإنه أفتاها بأنها لا تدع الصلاة مع جريان الدم، وبأنها تنتظر وقت إقبال حيضتها فتترك الصلاة فيها، وإذا أدبرت غسلت الدم وصلت. والحاصل: أنه قد ذكر الأمر أن في الأحاديث غسل الدم والاغتسال. وإنما بعض الرواة تصر على أحد الأمرين، والآخر على الآخر. هذا في الحائض تغسل الدم عنها وتغتسل، هذا لابد. لكن المستحاضة هل يجب عليها الاغتسال؟ الصحيح أنه لا يجب، وهل يستحب؟ فدلت الأدلة على أنه يستحب الاغتسال. وجاء في رواية أن فاطمة بنت أبي حبيش فعلت ذلك من قبل نفسها، لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. لكن جاءت روايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليها بذلك. ويستدل أيضا بحديث حمنة. قال: نعم، وإنما بقي الكلام في معرفتها لإقبال الحيض مع استمرار الدم بماذا يكون؟ فإنه قد أعلم الشارع المستحاضة بأحكام إقبال الحيض وإدبارها، فدل على أنها تميز ذلك بعلامة. هذه المسألة إن شاء الله تعالى نطرقها في باب الحيض. لكن من باب البيان: لأنه قد أشار إليها الشارع، مسألة الاستحاضة هذه لها أربع حالات. الاستحاضة لها أربع حالات: إما أنها تكون تعرف عادتها، عادتها منتظمة، وتميز دم حيضها عن دم استحاضتها، تعرف دم الحيض الذي يأتيها وتميزه عن الاستحاضة. فهذه الحالة الأولى: تعرف دم حيضها من دم استحاضتها تميزه، وأيضا عادتها منتظمة. عادتها منتظمة، فهذه لها حالتان: لها حالتان من ناحية التطبيق. الحالة الأولى: أن تتفق عادتها وتمييزها. أنا مثلا عادتي أربعة أيام، ورأيت الدم الذي أعرفه حيضا رأيته أيضا أربعة أيام، هذا اتفقت الآن عادتي وحيضي، هذا ما فيه إشكال. إذا اتفقت العادة مع التمييز ما فيه إشكال. لكن الحالة الثانية: أن يختلف، أن تختلف العادة مع التمييز. الآن مثلا عادتي ستة أيام، وهذا الدم الذي أعرفه أنه دم حيض الذي يختلف عن دم الاستحاضة جاءني خمسة أيام، وعادتي ستة أيام. فهذه المسألة حصل خلاف فيها بين العلماء: هل تأخذ بالعادة أم تأخذ بالتمييز؟ فعند الشافعي: أنها تأخذ بالتمييز، وهو قول مالك. وعند أحمد وأبي حنيفة: أنها تأخذ بالعادة. الآن مذهب الشافعية يقدمون التمييز على العادة، ومذهب الحنفية يقدمون العادة في كل مسألة، ومذهب أحمد أيضا يقدم العادة على التمييز. معنى يقدم العادة على التمييز: إذا كانت العادة منتظمة. واعتمد الشافعي على حديث عائشة: لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الاستحاضة، قال: «دم الحيض أسود يعرف». وفي بعضهم قراءة: «يعرف» -معنى له رائحة-. دم الحيض أسود يعرف، فميز. واعتمد أحمد على حديث فاطمة بنت أبي حبيش: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها». ولا شك أن حديث فاطمة أقوى. حديث فاطمة أقوى، وأما حديث عائشة في دم الحيض أنه أسود يعرف، في اختلاف، وأيضا ليس هو المعتمد في هذا الباب. فلهذا قدم العلماء العادة على التمييز، وهو الصحيح في هذه المسألة إذا اختلفت العادة مع التمييز، فيقدم العادة. تقدم المرأة العادة. هذا القسم الأول. والقسم الثاني من أقسام أو حالات المرأة: أن تكون المرأة عندها عادة منتظمة، لكن لا تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة، ما تستطيع أن تميز بين دم الحيض مع دم الاستحاضة. أحيانا يكون يخرج معا ما تحس به. فكيف تفعل هذه؟ هذه أيضا الصحيح أنها تقدم العادة، أنا تجلس أيام عادتي، أيام عادتي ستة أيام، قد تجلس ستة أيام. الحالة الثالثة: أن عندها تميز، لكن عادتها مضطربة. عادتها مضطربة قبل حتى ما تأتي الاستحاضة، عادتها تضطرب: يوم تأتي أربعة أيام، يوم تأتي ستة أيام، يوم تسعة، يوم عشرة، ليست لها عادة منتظمة. لكن تعرف دم حيضها من دم استحاضتها، عندها تميز. فهذه أخذ الشافعي وأحمد ومالك بالتمييز، أنا اتفق هنا أحمد ومَالِكُ والشافعي، وأخذوا بالتمييز، وهو قول مالك كذلك. أن مالك يقدم التمييز في كل حالة، كما أن الشاءري في الحالة الثانية أخذ بقول العادة، أنا بقول العادة مثل قول أحمد: أنها تقدم العادة. الحالة الرابعة: وهي المشكلة، التي لا تعرف عادتها ولا تعرف دمها، ما عندها تمييز ولا عندها عادة، ما تعرف العادة كم عادتها مضطربة، وتميزها ما تعرف دم الحيض من دم الاستحاضة. هذه إما أن تكون مبتدئة: أول ما جاءها جاءها استحاضة ما تعرف عادتها، أو أنها حصل لها شيء مثلا مرض وكذا، فاختلطت عادتها واختلط دمها، أو نسيت، أصاب شيء في عقلها. فالمهم: هذه يسميها العلماء والفقهاء: المتحيرة. كيف تفعل هذه؟ حصل خلاف فيها شديد، حتى ذكر الحافظ في هذه المسألة أكثر من أربعين قولا، وذكرها الشوكاني كذلك. حتى قال الشوكاني: فجاءت مسألة المتحيرة فتحيرت، صارت أقوال كثيرة فيها. وأقرب هذه الأقوال: أنها إن صححنا حديث حمنة -بانتجاح- على أنها ستة أيام وسبعة أيام، فنأخذ بحديث حمنة، تجلس ستة أيام وسبعة أيام في علم الله، ثم تصلي، ثم تصلي بعد ذلك. والقول الثاني: الذي هو أيضا لا بأس به، ويأخذ به في مثل هذا المقام: أنها تنظر إلى عادة نسائها، تنظر إلى عادة نسائها -معناه إلى عادتهم-. نسائها -معناه أقرب الأقرب لها من النساء-: أمها، أخواتها، بناتها. فتنظر كم يجلسن؟ فإن كان غالبا عادة الأقارب تكون متقاربة. عادة -معناه الغالب-. الغالب أن عادة الأهل تكون متقاربة. مثلا لو قالت: أخواتي نجلس ستة أيام، خلاص تأخذ بهذا، تأخذ بعادة أخواتها. لكن لو حصل خلاف، فترجع إلى ستة أيام وسبعة على حديث حمنة. معنا حديث حمنة في كلام سيأتي إن شاء الله في موضعه. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الحالات. ذكرها المؤلف هنا، لكن أشار إلى بعضها. ومن حفظ هذا الترتيب يكون عليه سهل مسألة الاستحاضة. لكن كثير من طلبة العلم يخلط بين أحكام الاستحاضة وأحكام الحيض. أنه هذا يحتاج إلى انتباه. قال: وفي هذا الحديث عدة مسائل: منها وجوب غسل دم الحيض للصلاة -أو أقصد دم الاستحاضة-. فبعضهم يقول: أنه يغسل أيضا دم الاستحاضة، أو يتحفظ من المرأة حتى لا يخرج منها وهي في صلاتها. وأيضا مسألة هنا: مسألة الاستحاضة هل تتوضأ لكل صلاة؟ المستحاضة هل تتوضأ لكل صلاة؟ هذه مسألة أيضا من المسائل التي اختلف العلماء فيها. فاعتمد جمهور العلماء على هذا الحديث: «ثم توضئي لكل صلاة»، فجعل الاستحاضة حدثا. فجعل الاستحاضة حدثا أنها تتوضأ لكل الصلاة. فإذا يقول أكثر العلم: إذا أذن المؤذن تتوضأ. فعند الشافعية: أنها تصلي بهذا الوضوء جميع ما يتعلق بصلاة الفرض. أذن صلي سنة الظهر، تصلي المرأة تصلي بسنة الظهر بهذا الوضوء. أو تريد مثلا الصلاة التي بعد السنة، العادة التي بعد السنة، بهذا الوضوء. وهكذا مذهب الحنابلة. أما ابن حزم الظاهرية يقولون: لا، عند كل الصلاة تتوضأ لكل صلاة. ستصلي السنة تتوضأ، ستصلي الفرض تتوضأ، وهكذا. إذا أردت أن تصلي بعد صلاة الصلاة أيضا تذهب تتوضأ وتصلي. وهذا مشقة شديدة، والمشقة تجلب التيسير. والمهم: أن من صحح هذه الرواية قال بها: تتوضأ لكل صلاة. وهناك مذهب لبعض الأئمة: كابن عبد البر، وقبله ابن المنذر، وجماعة من الفقهاء، ومن أهل الحديث: أن الاستحاضة يعتبر مرض، وليس حدثا. يقولون: أن هذا الاستحاضة ليس حدثا، وإنما هو مرض. ومعنى هذا الكلام: أنها لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة، بل إذا توضأت لصلاة الظهر، تصلي بهذا الوضوء صلاة العصر أيضا. لو توضأت مثلا صلاة العصر، وجاء عليها المغرب وهي على وضوء، وجاء العشاء أيضا وهي على ذلك الوضوء، تصلي بهذا الوضوء. لأن الاستحاضة عندهم ليست حدثا. الاستحاضة ليست حدثا، فخروج دم الاستحاضة عند المرأة ما يعتبر حدثا. وإنما إذا بالت أو كذا أو خرج منها شيء من هذه الأشياء التي تنقض، تذهب وتتوضأ. وأما الاستحاضة: خروج دم الاستحاضة ما يتوضأ. وهذا هو المذهب الصحيح. وهذا هو المذهب الصحيح: لأنه كما قلنا: أن قوله: «تتوضأ لكل صلاة»، هذا من كلام عروة بن الزبير وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اجتهاد منه. وهذا أيضا أرفق بالمرأة، أرفق بالمرأة: لأن مسألة وضوءها لكل صلاة شق عليها. وأما مسألة الاغتسال: فقلنا أنه يستحب وليس بواجب. أيضا كذلك في هذا الحديث: أن الاستحاضة لا تمنع الصلاة ولا تمنع الصيام. لكنها تمنع إتيان الزوج إليها. كرهه بعض الحنابلة، لكن الصحيح أنه جائز. وكما قال ابن عباس: «الصلاة أعظم». معنا الآن إذا كانت الصلاة تجوز، فمن باب أولى غيرها. يعني: إذا أجزنا الصلاة أنها تصلي، فمن باب أولى غيرها. كما قال ابن عباس: «الصلاة أعظم»، فلهذا فإتيان الزوج له أن يأتيها. وهذا الدم الذي يخرج منها ممكن يتجنبه إن استطاع. وأيضا مسألة تحريم الصلاة على الحائض، هذا معلوم من الدين بالضرورة كما قلنا. ومسألة أنها لا تقضي الصلاة أيضا بإجماع العلماء كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها.