مسائل في شهر محرم وعاشوراء 1

مسائل في شهر محرم وعاشوراء 1

الدرس في مسائل في شهر محرم وعاشوراء 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر المحرم وتشريفه

شهر المحرم شهر فاضل ومبارك، وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». أضيف هذا الشهر إلى الله تعالى لتعظيمه وتشريفه.

أسباب تشريف وإضافة شهر المحرم إلى الله تعالى

يذكر العلماء عدة أسباب لشرف شهر المحرم وإضافته إلى الله تعالى، منها أنه كان يسمى في الجاهلية بصفر الأول وغير الله اسمه إلى المحرم، وأنه من الأشهر الحرم التي شرفها الله عز وجل.

فضل الأشهر الحرم وتحريم القتال فيها

المقطع يتناول فضل الأشهر الحرم واختلاف العلماء في تحديد أفضلها، كما يبحث في مسألة تحريم القتال في هذه الأشهر واختلاف العلماء حول استمرار هذا التحريم أو نسخه.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاء لله تعالى أن يعين على طاعته وحسن عبادته، ويتبعه صلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام العلم بالله تعالى وأنه القادر على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإن من عظيم إنعام الله على عباده ما شرعه لهم من مواسم فاضلات وأزمان مباركات تتضاعف فيه الأجور والحسنات. وقد أشرنا في دروس تكررت حول ما يستفيده المسلم والمسلمة من مسألة تتابع الأزمنة الفاضلة عليه، وإننا في هذه الأيام، إخواني في الله، نتقلب وإياكم في هذا الشهر الحرام، شهر الله المحرم، شهر خصه الله جل وعلا بالإجلال والإعظام. فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». هذه الأيام كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستغلها بكثرة الصيام، وما ذاك إلا لعلمه عليه الصلاة والسلام بفضيلة هذا الزمان، فخصه بالأعمال وبحسن الأحوال. وما كان من كثرة الصيام منه عليه الصلاة والسلام. فيا عبد الله، ارفع بهذا الشهر رأسا، فإنها من الأزمان المباركة ومن الأشهر الفاضلة التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يعتني بها. ومما يدل على فضيلة هذا الزمان، كما في هذا الحديث، حين قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». تأمل إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «شهر الله»، شهر الله المحرم. ذكر أبو الفضل العراقي رحمه الله قال: ولم تصح إضافة شهر من الشهور إليه إلا هذا الشهر، الشهر الوحيد من شهور السنة الذي أضافه الله جل وعلا إلى نفسه هذا الشهر، فوصفه نبينا بقوله: «هو شهر الله»، هو شهر الله، شهر الله المحرم، أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم. يبقى السؤال: ولماذا أضيف هذا الشهر لله؟ أجاب على ذلك الإمام أبو عبيد رحمه الله تعالى قال: وإنما أضافه إليه، وكل الشهور إليه، لتعظيمه وتشريفه. هذه العلة إضافة الشهر هذا إلى الله سبحانه وتعالى عن باقي الشهور، مع أن كل الشهور لله، الزمان والمكان هو لله جل في علاه، لكن هذا الشهر بعينه أضيف إليه. قال أبو عبيد رحمه الله تعالى: لشرفه وتعظيمه، ثم أتى بالقاعدة قال: وكل معظم ينسب إليه، أي أمر عظيم تريد أن تستدل على عظمته، فتأمل لهذه المسألة، وهي أن الله أضافه إليه، مثال كعبد الله، مثال كبيت الله، مثال كناقة الله، هذه أعيان، والأعيان إذا أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى فالمراد منها الإعظام. يقال: هذا بيت الله، هذه ناقة الله، ولما قام عبد الله، كل ذلك يراد به التشريف. وهكذا هذا الشهر هو شهر الله. تأتي مسألة كذلكم تتبع هذه المسائل، ولماذا إذا أراد الله عز وجل أن يشرف هذا الشهر بأن أضافه إليه؟ لماذا هذا الشهر بالذات؟ طبعا هناك عدة علل يذكرها العلماء في هذا المقام. ومما وممن تكلم في هذا الأمر الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في رسالة وفي كتابه في شرح مسلم، أبانا رحمه الله تعالى أن من الأسباب اللطيفة في أن هذا الشهر بالذات أضافه نبينا إلى نفسه العلية، قال موضحا على أن هذه الشهور الموجودة بأسمائها هي أسماء كانت هي هي في أيام الجاهلية، ما غيرت ولا بدلت، جاء الإسلام وأقرها، جاء الإسلام وأقرها على ما هي عليه من أسماء ومن ألقاب. إلا هذا الشهر كان هذا الشهر كما يقول السيوطي: كان في أيام الجاهلية يسمى بصفر الأول، فلما دخل الإسلام سمى ربنا جل وعلا هذا الشهر بمحرم. قال العلماء: فلما كان التغيير من عند رب العباد سبحانه وتعالى، ناسب أن هذا الشهر يضاف إليه سبحانه، فقيل عنه: شهر الله المحرم، أي أن الله هو الذي تولى تسميته. هذا مما عبر عنه وعلل به العلماء لهذا الشرف الذي ناله هذا الشهر. وهكذا قيل: إنه من الأشهر الحرم، والذي يكون في بداية السنة. فالشاهد، إخواني في الله، إذن هذا الشهر الذي نحن فيه هو من الأشهر الفاضلة المنيفة الشريفة. ومن شرف هذا الزمان وهذا الشهر، إخواني في الله، أنه كما سمعتم قد جعله ربنا سبحانه وتعالى من الأشهر الحرم. كما قال سبحانه: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾. أخبر ربنا جل وعلا أن من عدة هذه الشهور، شهور السنة، هناك أربعة أشهر وهي من أفضل الأشهر خلال العام، وهي الأشهر الحرم، شرفها ربنا عز وجل بالاختيار منها أربعة حرم. طبعا السؤال: ما هي الأشهر الأربع؟ وهي الأشهر الحرم. الأشهر الأربع جاء ذكرها في حديث أبي بكرة، من حديث أبي بكرة الذي في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». هذه الأشهر الحرم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم»، قال: «ورجب»، وعبر عنه برجب مضر «الذي بين جمادى وشعبان». هذه الأشهر الثلاثة والرابع هي الأشهر الحرم التي شرفها الله عز وجل عن باقي الشهور. وهذه الأشهر الحرم، إخواني في الله، الأربع وقع التفاضل فيما بينها، أي الأشهر الأربع هي الأفضل والمقدمة على غيرها، وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، منهم من يقدم هذا على هذا الأربع، ومنهم من يقدم ذاك على ذا. والابن وابن رجب رحمه الله تعالى ذكر عن الحسن البصري وعن جماعة من المتأخرين من أئمة الدين على أن شهر الله المحرم هو أفضل الأشهر الحرم. ومنهم من قدم ذا الحجة. ومسألة خلافية كما أشرنا إليها. فالحاصل، إخواني في الله، أن هذا الشهر لا زالت تتوالى عليه الفضائل. وإذا علمنا وعرفنا أن هذا الشهر من الأشهر الحرم، حينها تأتي مسائل، ومن هذه المسائل عدم القتال، عدم القتال فيه، ولهذا سمي هذا الشهر بالشهر الحرام، أو بمجموع الأشهر الأربع بالأشهر الحرم، لأن القتال يحرم فيه، توضع فيه الأسلحة، يوضع فيه القتال، لا سفك للدماء فيها في هذه الأشهر الأربع. وهذه مسألة، إخواني في الله، اختلف فيها العلماء: هل هذه الأشهر الحرم باقية على حرمتها أم وقع فيها النسخ؟ على أقوال من أهل العلم. وهذا المشهور على أن هذا الحكم نعم كان، لكن لا يزال رفع، نسخ هذا قديما في بداية الإسلام. هذه الأشهر الأربعة متى ما حلت فإنه لا يجوز إحداث القتال فيه. قالوا: نعم، هذا كان في بداية الإسلام، وبعد ذلكم رفع الأمر، رفع الأمر، وأجاز ربنا جل وعلا أن نقاتل فيه من نقاتل، لعموم قول ربنا عز وجل: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾، ولقوله تعالى: ﴿وقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾. قال هنا: أمر الله عز وجل بقتال الكفار أينما كنا وحيثما حللنا، متى ما وجدناهم فإننا نقتلهم. وهذا لهذه الآيات، فيرون أن الآيات الآمرة بقتال المشركين عامة، وأن عمومها تخصص الأشهر الحرم. واستدل العلماء في كتب التاريخ والسير ما كان من حصار نبينا، وقتال نبينا لثقيف، أن كان ذلك في شهر ذي القعدة، وهي من الأشهر الحرم، لكن النبي حاصرهم، فدل ذلكم على أن هذه الأشهر تحريم القتال فيه كان في بداية الإسلام. ومن أهل العلم من ذهب لا إلى أن هذه الأشهر قديما ولا تزال حديثا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تبقى على حرمتها، وأن المسلم لا ينبغي أن يحدث فيها قتالا ابتداءا، إلا إذا هجم عليه عدو فحينها يدفع ويدرأ عن نفسه. فهكذا ذهب إليه جماعة من الصحب الكرام، ومن الأمة الكرام. هذا، أخوانا في الله، ما يذكر في هذا الباب. وأيضا ستأتي لنا مسائل متعلقة بشهر الله الحرام في هذا المجلس، وفي مجلس العصر، وفي يوم غد، لكثرة المسائل المذكورة في هذا الزمان. فنسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على طاعته وعلى حسن تعبده وعبادته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.