الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المفهوم الصحيح للقضاء والقدر والفرق بين المصائب والمعايب، ويوضح أن المعايب هي أفعال العباد التي يعاقبون عليها. بينما المصائب هي ما يصيبهم بدون اختيارهم.
يُناقش عدم جواز الاحتجاج بالقدر على المعايب والذنوب، بينما يمكن الاحتجاج به في المصائب، ويُظهر ضرورة التمييز بين الطائع والعاصي.
يتناول شرح ضلال بعض الناس في فهم الحقيقة الكونية وتأثير ذلك على التزامهم بالتكليف الشرعي، وينتقد آراء الجهمية والمعتزلة حول التكليف والقدر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، ما بعد. بعدما ذكر الشيخ كلمة الشيخ عبدالقادر الجيلاني لما قال: بأن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، فإن فتحت لي روزنا، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر. والمراد كما قلنا أن القدر أشياء يحبها الله وأشياء لا يحبها الله، لكن جعلها الله عز وجل في القدر لحكمة منه سبحانه وتعالى. فالقدر فيه خير وفيه شر. القدر فيه خير وفيه شر، وخلق الله عز وجل الشر لحكمة. فالآن الشيخ عبدالقادر يقول: أن هذا القضاء والقدر بعض الصوفية ما فرقوا، كما قلنا أن القضاء والقدر هو نوع من أنواع الربوبية، فهم استسلموا للقضاء والقدر وأخذوا يحتجون بالقدر على أعمالهم. والأصل أن الإنسان إذا آمن بالقضاء والقدر وكل ما كان من الربوبية، وأيضا يجب عليه أن يعمل بالخير. فيقول هنا الآن: فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، مثل ما قال عمر رضي الله عنه لما قال له: يا أبا عبيدة أفرارا من القدر يا أمير المؤمنين؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله. وهكذا قال له رجل سرق، فقال: يا أمير المؤمنين سرقت بقدر الله. قال: ونحن نقطع يده بقدر الله. فاتباع الشرع وعبادة الله عز وجل هي من القدر كذلك، هي من القدر كذلك، ليست خارجة عن القدر. ولهذا قال الشيخ هنا: والذي ذكره الشيخ عبدالقادر يريد: أن الذي أمر الله به ورسوله، لكن كثيرا من الرجال غلطوا، يريد من الصوفية، فإنهم قد يشهدون ما يقدر على حده من المعاصي والذنوب أو ما يقدر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدر داخل في حكم ربوبيته. وهذا كلام باطل. معنى يقولون: هذا قضاء عليه أنه كافر، وهذا قضاء عليه أنه صاحب ذنوب، هذا قضاء وقدر. وهذا كلام باطل، لأن القدر على نوعين: نوع مصائب ونوع معايب. والمصائب على نوعين: مصائب اضطرارية لا دخل للإنسان فيها، وهو ما يحصل من المرض، من الحوادث. ومصائب أيضا تكون بعد الذنوب. أنا مثلا إنسان قد يعمل الذنب، لكن يتوب، تكون هذا فعل الذنب مصيبة عليه، لكن قبل أن يعمل الذنب هو يعتبر من المعايب، يعتبر من المعايب، أو عند فعل الذنب يعتبر من المعايب، لكن بعد فعله إذا تاب يعتبر من المصائب. فلهذا فهم لم يفرقوا بين المصائب والمعايب، فجعلوا كل شيء مصائب اضطرارية، حتى المعايب يقولون: هذا فاسق، هذا قضى الله عليه أنه فاسق. وصوفية معلوم أنهم جبرية، أكثر الصوفية على مذهب الجبر، لأنهم أشاعرة أو جهمية. والصوفية غالبا إما أشاعرة أو جهمية، وهؤلاء الجهمية جبرية غلاة الجبرية. وللأجرة أيضا جبرية. فلهذا فهم غلطوا في القضاء والقدر، فجعلوا كل من كفر هذا قضاء وقدر، جعلوا كل من أذنب هذا قضاء وقدر. لهذا يقول الشيخ هنا رد عليهم: وأما ما يقدر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدر، معنى ما يقولون مثل أهل السنة: أن الله عز وجل جعل العبد مشيئة يفعل الفعل بها. قالوا: قدره داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته. فيظن أن الاستسلام لذلك وموافقته والرضى به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة. معنى يرضى بأنه كافر، هذا دين، يرضى بأنه فاسق، هذا يعتبرونه دين، رضي بقضاء الله وقدره. ولهذا تجدهم أحيانا بعض أهل التصوف ما يبالون بالمعاصي، تجد أنه مثلا عنده محبة لله، لكن عنده معاصي كبيرة، مثلا زنا، أحيانا اللواط، أحيانا من هذه المصائب العظيمة، لكن يقول: هذا قدر الله، هذا قدر الله. معنى يجعل هذا من القدر، وهذا جهل بشرع الله جل وعلا. قال: فيظن أن الاستسلام لذلك وموافقته والرضى به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة. فيظاهرون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقالوا: ﴿أَنْطَعِمُ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُ﴾. ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به، أو أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجببه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال بعض السلف: الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. هذه مصائب، والمصائب هذه من المصائب الاضطرارية، التي هي بقضاء الله وقدره، لا دخل للعبد فيها. لكن هناك مصائب مصائب اختيارية، لكنها تدخل في المصائب، لكن أولها معايب، ثم تصير بعد ذلك مصائب. انظر إلى هذا الحديث، قال: في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: احتج آدم وموسى. فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا وأخرجت نفسك من الجنة؟ معنى يعاتب موسى آدم، يقول له: ليش أخرجتنا من الجنة؟ هذا كله بذنبك، أنت الذي أخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبا عليك قبل أن أخلق؟ قال: نعم. معنى أن الله عز وجل اصطفاه، بكلامه، برسالاته، معنى أن في رسالاته أن آدم مكتوب عليه أن يفعل ذلك. فقال له: فهل وجدت ذلك مكتوبا عليك قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى. وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر. وجاء في رواية الصحيحين قال: قال آدم: أتحتج بي على شيء كتبه الله علي؟ أنا كيف أحتج على شيء كتبه الله عز وجل عليه؟ والمراد هنا الذي كتبه الله عليه، هل هو الذنب؟ نعم، الذنب كتبه الله عز وجل عليه، لكن هل يحتج بالقدر على الذنب؟ لا يحتج بالقدر على المصيبة التي أصابته. المصيبة التي أصابته هو خروجه من الجنة، هذا شيء قدره الله، هذه مصيبة. والأمر الثاني أيضا وهو من المصيبة: أنه احتج بفعل الذنب بعد أن تاب. مفهوم هذا: احتج بفعل الذنب بعد أن تاب منه، لا بأس. مثلا الإنسان يقول مثلا بعد أن حصل منه شيء من الخطأ، لكنه تاب ورجع إلى الله، يقول: هذا شيء قدره الله عز وجل عليه، لكن ليس احتجاجا أن هذا الفعل فعله لأن الله عز وجل قدره عليه. فالتصير من المصائب التي هي اختيارية أصلا، لكن أصبحت مصيبة متى؟ بعدما فعل الفعل. لكن لا يجوز أن يحتج بها، يحتج بالقدر على فعل هذه المصيبة. وعما المعايب فلا يجوز أن يحتج الإنسان بالقدر في المعايب، لا يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر في المعايب. فلهذا فآدم لم يحتج بالمعايب، وإنما يحتج بالقدر في أمرين: إما في المصيبة التي هي إخراجه من الجنة، وإما الأمر الثاني وهو أنه احتج بالقدر في الذنب الذي قد حصل منه وتاب منه. قال: وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر، ظنا أن المذنب يحتج بالقدر. فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل. ولو كان هذا عذرا لكان عذرا لإبليس وقوم نوح وقوم عاد وكل كافر. لو كان الاحتجاج بالقدر عذرا لكان احتجاجا لكل أحد، أنه يحتج بقدر الله عز وجل على ذنبه وعلى ما أصابه. قال: ولا موسى أيضا، لأن آدم عليه السلام لام آدم عليه السلام لأجل الذنب. فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل مصيبة التي لحقتهم بالخطيئة. معنى موسى ما قال له: أنت أذنبت، وإنما قال له: لما أخرجتنا من الجنة؟ معنى لامه على المصيبة هذه التي حصلت بسبب الذنب، حصلت هذه المصيبة أن أخرجه الله عز وجل من الجنة. قال: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال: فأجابه آدم بأن هذا كان مكتوبا قبل أن أخلق. فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرة. وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله ربا. وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب من صنوف المعايب. هذه المعايب لا يجد للإنسان يحتج بالقدر، ويصبر على المصائب. المصائب نوعيها يصبر عليها، إما المصائب الاضطرارية أو الاختيارية. وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وقال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قالوا: كذلك ذنوب العباد يجب العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. هذا يدلك على أن الله فرق بين الحق والباطل، فرق بين الخير والشر. فلا يجوز لأحد أن يحتج أن هذا كله من قدر الله. لا، صحيح أنه من قدر الله، لكن الله عز وجل جعل العبد مشيئة هو الذي يختار الشر، وهو الذي يختار الخير. فهذا المذنب هو الذي يختار الشر، وهذا الطائع هو الذي يختار الخير. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة فسنيسره لليسرى. وهنا الآن يذكر هذه الآيات الشيخ، معناه يريد أن يستدل أن الله عز وجل إنما أنكر وميز بين المفسدين وبين غيرهم، لأجل أنه المذنب ملام، يلومه الله عز وجل على هذه المعايب. ولو كانت فلو كان له أن يحتج بها لما لامه الله، لما لامه الله. فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. قاله تعالى. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾. ما يستوون أبدا. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. لا، هذا موحد وهذا مشرك. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾. لا، الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون. وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه. معنى متعب مولاه، وأيضا حَمَل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير. هذا العاصي والعابث، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط المستقيم؟ وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون. قال: ونظير ذلك كثير مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وهل الهدى والضلال، وهل الغي والرشاد، وهل الصدق والكذب. فمن شهد الحقيقة الكونية دون الدينية سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفرقة، حتى يؤول به الأمر إلى أن سوى الله بالأصنام. كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. سوى الأصنام برب العالمين سبحانه. قال: بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود. جعلوا هو وجود المخلوقات. معنى هؤلاء هم أهل التصوف الذين هم أهل وحدة الوجود. قالوا: هذا من أعظم الكفر والإلحاد والكفر برب العباد. وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد، لا بمعنى أنهم عبوديون، ولا بمعنى أنهم عابدون. معنى ليس أنهم عبوديون أي تحت الله عز وجل، ولا بمعنى أنهم عابدون لله، بل يقولون أنهم هم الله. إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب الفصوص، وأمثاله من المحجوجين المفترين كابن سبعين، وأمثاله. أن هؤلاء من أكبر خلق الله، لأنهم ساوا المخلوق بالخالق، ولم يفرقوا بين الخالق والمخلوق كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وغيرهم. والتائية لابن الفارض من أكبر الكفر فيها، بل حتى لم يستحي أنه يخاطب الله عز وجل بلفظ الأنثى. قالوا: هذا ليس بشهود الحقيقة لا كونية ولا دينية، بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعل وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا لكل وصف ممنوع وممدوح نعتا للخالق والمخلوق. إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم. الرب عبد والعبد رب، يقولون هكذا. يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبد فهذا رب، وإن قلت رب فهذا عبد. معنى لا فرق بين العبد والمعبود، وبين الخالق والمخلوق. قال: وأما المؤمنون بالله ورسوله، عوامهم وخواصهم، الذين هم أهل الكتاب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن لله أهلين من الناس. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوقين، ليس هو حالا فيهم ولا متحدا به، ولا وجوده، ولا وجودهم. ليس حالا فيهم كما يقول بعض أهل التصوف: أن الله عز وجل حل في الأولياء، أو كما يقوله الرافضة. ولا متحدا به أهل الاتحاد والحلول. ولا أيضا وجوده، أي أهل وحدة الوجود. قالوا: النصارى كفرهم الله بأن قالوا بالحلول والاتحاد بالمسيح خاصة، فكيف بمن جعل ذلك عاما في كل مخلوق؟ معنى أن الله عز وجل لما قال هؤلاء النصارى: إنما المسيح هو الله، أو قالوا: ابن الله، فكفرهم الله. لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقالوا: أن الله حلت روحه في المسيح، فكفرهم الله بسبب أنهم قالوا هذا. كيف بمن يقول: أن الله عز وجل حلت روحه في كل المخلوقات؟ قال: فكيف بمن جعل ذلك عاما في كل مخلوق؟ ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعة وطاعة رسوله، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وأن الله لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر. وأن على الخلق أن يعبدوه ويطيعوا أمره، ويستعينوا به على ذلك. كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ومن عبادة وطاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق. فيجتهدون في إقامة دينه، مستعينين به. وهذا من فعل الخير، من فعل الخير الذي هو دفع القدر بالقدر. قالوا: مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل، ويدفع به الجوع المستقبل. وهذا معنى كلام الشيخ، الشيخ عبدالقادر: أدفع هذا الحق للحق بالحق. فالذي يعمل الخير هو يدفع الباطل الذي كان سيأتيه. معنى ما يستسلم للباطل، يقول: هذا قدر الله. كذلك إذا أزال البرد أو دفعه باللباس. وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه. كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيء؟ قال: هي من قدر الله. يدفع الداء الدواء، ويدفع الداء الرقي والتعاويذ، هذا من قدر الله. قالوا: في الحديث أن الدعاء والبلاء ليلتقيان، فيعتل جان بين السماء والأرض. وهذا جاء من حديث معاذ، وحديث أبي هريرة. لكن الظاهر أنه لا يصح. أنهم يعتل جان، وشيخ الباني يحسن هذا الحديث. يعتل جان في السماء، معناه يشبه تنازعان أيهما يكون مكتوبا. وهذا جاء في حديث: لا يرد القضاء إلا الدعاء. وإنهما ليلتقيان بين السماء والأرض، أو يعتل جان. قال: فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله، العابدين له. وكل ذلك من العبادات. وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية، وهو ربوبيته تعالى لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعا من اتباع أمره الديني الشرعي. على مراتب من الضلال، فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما، فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة. وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، فعن هؤلاء يحتجون بالقدر، بل أعظم من هذا: أنهم يستسلمون للشر، يقولوا: هذا قضاء وقدر. قال: هذا قولهم أضل من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُ﴾. وهؤلاء أعظم أهل الأرض تناقضا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض. لأنه لا يمكن أن يقر كل آدم على ما فعل، بل لابد إذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم، وسعى في الأرض بالفساد، وأخذ بسفك الدماء، الناس ويستحل الفروج، ويهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من أنواع الشرور التي لا قوام للناس بها. أن يدفع هذا العدوان ويعاقب الظالم بما يكف عدوان أمثاله. معنى ما يرضى الإنسان مثلا يقول مثلا في نفسه: جاء إنسان وأراد أن ينتهك عرضه، فيقول له: ادخل، هذا قدر الله. هل هذا يرضى به أحد؟ هذا ما يرضى به أحد، ولا يرضى به عاقل. فلماذا يحتجون في الدين بقدر الله، ولا يحتجون في الدنيا بقدر الله؟ معنى كما قال شيخ الإسلام في بعض كتبه: قال له: أن إنسان أعطيته ضربة في رأسي، ضربته وصفعته في رأسي. فأكيد سيتعلم من هذا ويسأل: لماذا تفعل هذا؟ لو قلت له: هذا قدر الله علي، قدر الله علي أن أضربه، هل سيوافق على هذا؟ ما سيوافق. لكن هو الآن يحتج بقدر الله: هذا قدر الله عز وجل علي أن أفعل هذا الفعل. قال: فيقال له: إن كان القدر حجة، فدع كل أحد يفعل ما شاء بك وبغيرك. وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك. وأصحاب هذا القول الذين احتجوا بالحقيقة الكونية لا يلتزمون هذا القول، ولا يلتزمونه. لأنه قول متناقض، وإنما هم بحسب أهوائهم ورأيهم. كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري. أي مذهب وافق هواك تمذهب به. قل له: أنت عند الطاعة قدري، ما شاء الله تفعل الطاعة بالقدر، لكن عند المعصية تحتج بالقدر جبري. قالوا: منهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فاعلا وأثبت له صفات. وأما من شهد أنه فاعله مخلوقه، وأنه مجبور على ذلك، فإن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد. وهذا كلام باطل أيضا، لأن هذه الأشياء لا يجبر الإنسان عليها، بل هي باختيار العبد. لمن شاء منكم أن يستقيم. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. قالوا: وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف. شهد الإرادة عن الإرادة الكونية، خلاص بلغ مبلغا حتى تسقط عنه التكاليف. يزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة. ولهذا الشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ذكر كلام الشيخ الإسلام ابن تيمية في النواقض: أن من ادعى أنه يسعه الخروج على شريعة الله كما خرج الخضر على شريعة موسى. الخضر أصلا ليس تحت شريعة موسى، فالخضر نبي من أنبياء الله، لا إن قلنا نبي أو أنه على شريعة غيره. لكن هذا شيء من الله، علمه الله عز وجل هذا الشيء. فلهذا لا يجوز أن يحتاج الإنسان يقول: أنا يسعني ما وسع الخضر في شريعة موسى، خلاص يخرج من شريعة محمد ويقول: هذا حرام على العامة، أو هذا حرام على الخاصة. أما الحقيقة هذا ليس عليهم حرام. وكأنها الحقيقة لهم دين خاص. قال: فأولا يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد لجميع الكائنات. وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما، وبين من يراه شهودا. فلا يسقطون التكليف عن من يؤمن بذلك ويعلمه فقط. ولكن عن من يشهده، فلا يرى لنفسه فعلا أصلا، فعنده الجبر. لكن هم يظنون أنه ارتقى مرتقى عظيما حتى صار هو الله، أو صار أن روح الله حلت فيه. فلهذا سقطت عنه التكاليف. قالوا: هؤلاء يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجه. قالوا: وقد وقع في هذا الطواف من التلبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد. يريد الأشاعرة. وسبب ذلك: أنه ضاق نطاقه عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خالقه. كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوه من القدرية عن ذلك. ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين، وردت القضاء والقدر الذي هو إرادة الله العامة. معنى المعتزلة عكس الجهمية. ولا شك أنهم غلوا في الإثبات أو غلوا في النفي. أقصد المعتزلة. فقالوا: القدر من فعل العبد، لا دخل لله عز وجل فيه. لكن أثبتوا الأمر والنهي الشرعيين. قالوا: نفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر، إذا لم يمكنهم نفي ذلك مطلقا. قالوا: قول هؤلاء شر من قول المعتزلة. ولهذا لم يكن في الإسلام من هؤلاء أحد. وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية. يريد الجهمية. ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة سقط عنه الأمر والنهي، وصار من الخاصة. وربما تأولوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادَ رَبِّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة. وقول هؤلاء كفر صريح. وإن وقع فيه طواف لم يعلموا أنه كفر، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الأمر والنهي لازم لكل عبد مدام عقله حاضرا إلى أن يموت. لا يسقط عنه الأمر والنهي لا بشهود القدر ولا بغير ذلك. ولهذا يذكر الشيخ دائما قصة حصلت للجنيد أو لعبدالقادر الجيلاني: أنه كان في مشهد من مشاهده، جاءه الشيطان وقال له: يا عبدي افعل ما شئت فقد أسقطت عنك التكاليف. أو مثل هذا. فقال عبدالقادر الجيلاني: اخسأ عدو الله. فهرب الشيطان. فقال له: كيف عرفت أنه الشيطان؟ قال: لأنه أحل لي الحرام. فلو كان الحرام يحل لحد لأحله للنبي صلى الله عليه وسلم. فعرف بهذا أن الحرام لا يحل لحد، أنا لا يحل لحد أن أعمل.