التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 4

التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 4

الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير المؤلف من طوائف الصوفية المتغلين في القدر

يشرح المؤلف غلو بعض طوائف الصوفية في القدر واعتقادهم بأنهم فوق التكاليف الشرعية، ويبين أن هذا الفكر يمثل محادة لله ورسوله. ينتقد المؤلف أيضًا اعتقاد بعض المتصوفة بتلقي الوحي مباشرة دون اتباع الشريعة.

أهل الأهواء والبدع وتقديم الهوى على الشرع

يتناول المقطع أهل الأهواء والبدع وكيف يقدمون آراءهم على الشرع ويحتجون بالقدر لتبرير أفعالهم. يبين أن أصل ضلالهم هو تقديم العقل على النقل وتقديم الهوى على اتباع أمر الله ورسوله.

تحليل أخطاء المتصوفة في فهم القدر والعبادة

يناقش المقطع أخطاء بعض المتصوفة في فهم القدر والعبادة، ويبين أن معرفة القدر لا تبرر إهمال الأسباب والعبادات. يوضح أن العبادة والتوكل مترابطان وأنه يجب العمل بالأسباب والالتزام بالشرع.

الإشارة إلى استكمال الدرس في وقت لاحق

يتم الإشارة إلى اكتفاء الدرس الحالي وسيتم استكماله في درس لاحق مع التركيز على مسلك أهل السنة بعد ذكر مسلك أهل البدع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلاة وسلام على رسول الله. ما بعد، كلام المؤلف -رحمه الله- كما قلنا، يريد أن يبين أن كثيرًا من طوائف الصوفية ظنوا أن العمر والنهي، وأن القضاء والقدر هو من الأمور الربانية، لكن غلوا في هذا الأمر حتى رأوا أن من شهده معنى طبق هذا الشيء في نفسه، صار له مقام عظيم. ممكن أنه تسقط عنه التكاليف، فيقول الشيخ: أن هؤلاء شر من قول المعتزلة. المعتزلة نفوا القدر، لكن هؤلاء شر من قولهم، فهم مثبتة للقدر، لكن غلوا في الإثبات فصاروا مجبرة، فهؤلاء قولهم كفر صريح. قال: وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر، قالوا: قد كثرت بعد ذلك مثل هذه المقالات في المتأخرين. قالوا: أما المتقدمون من هذه الأمة، فلم تكن هذه المقالات مألوفة فيهم. وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومعادة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه. لماذا؟ لأنه ما في اتباع للشرع، ما في عبادة لله عز وجل، فيكون هذا الأمر أمرهم عظيم محادًا لله. قال: وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك منزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية. يعني عندهم يزيدون مثلًا في الأحوال القلبية من الارتباط بالله، وكذا والمحبة، حتى يصل إلى درجة يرى نفسه كأنه يكلم الله، ويرى نفسه فوق الأوامر والنواهي. وغالبًا تأتي هذه الحالة بعد الجوع، أنه يأتي نوع من الجنون. ولهذا من تتبع بعض من نصبوهم أولياء، تجد أنه حصل له مثلًا البدوي، جلس أربعين يومًا لا يصلي ولا يصوم، وجالس في الشمس لا يأكل ولا يشرب، وخرج نتيجة أنه هو الرب. هذه النتيجة بعد الأربعين يومًا، وهذا البدوي، لكن محمد بن علي الفقيه المقدم، ثلاثة أيام بس وخرج بالنتيجة. البدوي طول أربعين يومًا، أما هذا صاحبنا العلوي الفقيه المقدم، ثلاثة أيام وخرج بالنتيجة، يقول لهم: أنا الله. بعد ثلاثة أيام، هو أصلا نوع من الجنون، معنى إنسان يبقى لا نوم ولا طعام ولا شراب، معنى ثلاثة أيام وهو واقف في مكان أو جالس في مكان، ما في أحد يدخل عليه، فهذا أصلا شيء من الجنون. كما ذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في تلبيس إبليس، قال: هذا مرض، هو يسمى عند الأطباء "ماخوليا"، معنى يصاب من كثرة الجوع، معنى تطلع أبخرة إلى الدماغ، فيعمل له مثل الجنون، فيظنون أن هذا كرامة، وأنه قد بلغ مبلغ الكبير، وهو جنون حصل له، فيتخيل أشياء، يتخيل أنه يكلم الرب، يتخيل أنه يكلم النبي -صلى الله عليه وسلم-، يتخيل أنه كذا وكذا. بعضهم، بعض هؤلاء المجانين يقول لك: أنا كيف كل يوم النبي -صلى الله عليه وسلم- عندي؟ قال له هذا كذب، لماذا؟ أجيب النبي -صلى الله عليه وسلم- عندي كيف؟ يقول له: أكذب عيني، النبي كل يوم عندي. المهم لهذه الأشياء، لو رأيت تصرفات، تصرفات مجانين، مجنون معنا كل يوم في الخراب، كل يوم في الزبالة. والعجيب أن مثل هؤلاء يعظمون عند الصوفية. أنا تجد مثلًا الفقهاء الصوفية يأتون يزورونه، يقبلونه على يديه، هذا ولي من أولياء الله، كل يوم هو عرياني، لا صلاة ولا شيء، وهذا ولي. هذا المذهب موجود إلى الآن، تعرف هذا قريب، هذا من يقولون لهذا أبو، هذا يدعون أنه ولي، وكذا. كان كان عمي سالم يقول: نحن قصصه، كان كان الإمام حق، عبد الرحيم طيب، حصد حصد حصد، من حيث أنه رأى رؤية، وكلمة يكلم الملائكة، آه حصد، أنه وانه هو من يشعرين لا تشعر، ملبي حفيظ، خرجا للأخير، ثم أبواغا، والناس انظروا بجهد، آه ويضحك ويضحك، يكلم الملائكة، الله بستعلم. قال: ولا ريبة أن المشركين، طيب، يقول هنا الشيخ: وقال وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهد ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك منزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال لأنها صار كالبحر لا تكدره الذنوب، نحو ذلك. ولا ريبة أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدع المخالفة للشريعة، وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله. فهذه الأصناف فيهم شبه المشركين، إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين، الابتداع والاحتجاج. كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وكما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام، قال: والعبادة التي لم يشرعها الله، بمثل قوله: ﴿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾. هذا ابتداع المشركين، قالوا: كذلك في سورة الأنعام، في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. انظروا يقولوا: الله أمرهم بها، قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء. إلى قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّتِ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهؤلاء قد يسمون ما ابتدعوا من البدع حقيقة، يعني يريد الشيخ أن يبين أن المشركين لهم أمران، إما أنهم يبتدعوا أشياء ويخترعوها، ويقولون: هذا حكم الله، أو هذا أمرنا الله به. أو أنهم يحتجون بالقدر، يعني يريدون أن يبرروا أفعالهم. كيف يبرروا أفعالهم؟ كيف يبرروا الشرك؟ يحتجون بالقدر، أو معناه: إذا كان مثلًا ما وجدوا حجة على شركهم، يقولون: لو شاء الله ما أشركنا، لكن الله شاء أننا نشرك، الله شاء أننا نشرك، وإلا لو شاء الله ما أشركنا، ولا عبدنا من دونه من شيء، نحن ولا آباؤنا. فهذا احتجاج بالقدر. أو تجدهم يبتدعون أشياء، يقولون: هذا معناه: هذه وجدنا عليها آباءنا، ومدام آباؤنا يفعلونها، أكيد الله عز وجل أمرهم بها، فيأتون مثل هذه الأشياء. ثم قال: هؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقًا، بل عمدتهم اتباع رأيهم وهواهم، وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة. معناهم: ما يحتجون بالقدر إلا في مصلحتهم، وأمرهم باتباعها دون أمر الله ورسوله. ونظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم، الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات، ثم الكتاب والسنة. إما أن يحرفوه عن مواضعه، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية، ولا يتدبرونه ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوض معناه إلى الله. مثل المفوضة، مع اعتقادهم لنقيض مدلوله. إذا حقق مع اعتقادهم لنقيض مدلوله، هم يقولون: هذه الصفات نفوض معناها، لكن نعتقد نعتقد معناه: يعتقدون أن مرادها غير أن معناها غير مراد. كيف نفوض معناها، ثم معناها غير مراد؟ أو يقولون: الظاهر منها غير مراد، الظاهر منها غير مراد. وإن شيء يجعلون الظاهر، الظاهر هو التشبيه، وهذا كذب سخيف. قالوا: إذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة، وجدت جهالات وأعتقادات فاسدة. وكذلك أولئك إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة للكتاب والسنة، وجدت من الأهواء التي يتبعها عداء الله لأولياء الله. قالوا: أصل ضلال من ضل هو تقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، واختياره الهوى على اتباع أمر الله. فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته. فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بيّنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، قالوا: أصل ضلال من ضل هو تقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، يعني هذا أصل من أصول الضلال، تقديم القياس على النص. وهذا الأصل أيضا مبني على أصل آخر، وهو تقديم العقل على النقل، تقديم العقل على النقل. وقد قال بهذا الجهمية والمعتزلة والأشاعرة على تقديم العقل على النقل. وقد ذكر الإيجي في المواقف إجماع الأشاعرة على ذلك، وإن كان بعض الأشاعرة ينكر هذا، لكن المسلك مسلك الرازي، ومن ومن اتبعه، يقولون: هذا شيء قطعي، لأن اللعان الأشاعرة هم على قسمين، قسم أصحاب الرازي، هذا معناه يميلون إلى العقل الأكثر. وقسم أهل التصوف كالغزالي ومن اتبعه، هؤلاء يقدمون الوجد والكشف وغيرها من هذه الأمور على الشرع. فلهذا تجد بعضهم ينكر العقل، لكن يأخذ بالوجد، ويأخذ أيضا بالكشف. وسيأتي معنا إن شاء الله ما المقصود بالوجد، وما المقصود بهذه العبارات. قال: فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد، الذوق هو معناه: ما يدوق، أو ما يكون في القلب من الحلاوة، ومن الطمأنينة. وليس مثل الذوق الذي يكون عند أهل التصوف، معناه: الذوق مرتبط بالعقل مثل الخيال، لكن يجعلونه حقيقة. قال: مثل ما بيّنه النبي -عليه الصلاة والسلام- بقوله في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار". وقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا". قال: وأما أهل الكفر والبدع والشهوات، فكل بحسبه. قيل لسفيان بن عيينة: ما بالو أهل الهواء لهم محبة شديدة ليهوائهم؟ قال: نسي قوله جل وعلا: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. قال لسفيان بن عيينة: لماذا نرى أهل الهواء يجالدون ليهوائهم ويدافعون عن أهوائهم؟ فقال: ألم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. معنا: تشربوا حب العجل، مع أنهم يعرفون أنه عجل، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أَتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾. فهم يعرفون أنه فهم الذين ابتكروه، لكن تشربت قلوبهم بحبه، وأشربت. وأشربت أو قال الله عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. فصاروا صار عندهم العجل محظوظًا، صار عندهم العجل محظوظًا. فهكذا الأهواء، تجد أنهم يحبون أهواءهم حتى يتشبثون فيها، ثم بعد ذلك لا يخرجون منها أبدًا. مثل ما ذكر الله النبي -عليه الصلاة والسلام- مثل الكلب في حديث معاوية، وجاء من حديث المقدام لمعدي يكرب، قال: "تتجار بهم الأهواء كما يتجار الكلب بصاحبه، لا يترك مفصلًا ولا عظمًا إلا دخله". الكلب هو مرض يأتي من عضة الكلب العقور، إذا عض كلب عقور عض إنسان، يأتي فيه هذا المرض الذي يسمى "الكلب". هذا الكلب يدخل في كل عضو في الإنسان، في كل مفصل في الإنسان، في كل عظم، معناه: يكون خلاص كل مخدر جسم الإنسان. وهكذا الأهواء التي تشبع بها أهل البدع، قال: "تتجار بهم الأهواء كما يتجار الكلب بصاحبه، لا يترك مفصلًا ولا عظمًا إلا دخله". وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. طال ونحو هذا الكلام، فعباد الأصنام يحبون آلهتهم كما قال تعالى: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. فنقدم الهوى على اتباع الشرع. قالوا: لهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، معنى محبة فقط بدون خوف ورجاء. وهذه ليست مختصة بأهل الإيمان، بل هذه حتى أهل الكفر يدخلون فيها، كما تقدم كلام الشيخ الإسلام، قال: قال: بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان، أنا كلهم يشتركون في هذه المحبة، ومحب النسوان. وهؤلاء يتبعون أدواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة، معنى: ما وجدوه حسن خلاص مشوا عليه، وما وافق أهواءهم مشوا عليه، وما كان عليه السلف الأمة، معنى: ما يمشون على الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف. قال: فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادة وطاعته وطاعة رسوله، لا يكون متبعًا للدين الذي شرعه الله. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. قال: بل يكون متبعًا لهواه بغير هدى من الله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. حتى شرعوا بأهوائهم، وهم في ذلك تارة يكونوا على بدعة يسمونها حقيقة، يقدمونها على شريعة الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على شريعة الله، كما أخبر به تعالى على المشركين كما تقدم. الآن رجع الشيخ ليبين هذا كل الجولة، ليبين أن هؤلاء أن هؤلاء أهل الشرك يحتجون إما بالقدر، وإما يخترعون أشياء من عند أنفسهم يظنونها دينًا، فيقولون: نحن ندين بهذا. وأهل البدع يفعلون هكذا، أهل البدع يفعلون هكذا، إما أنهم يحتجون بالقدر، أو يخترعون الطرق، يخترعون الطرق يمشون عليها. انظر إلى الطرق الصوفية، معنى: هذه الطرق الصوفية أكثرها مخترعة، لكن هم يريدون شيء مخترع لأجل أن يمشوا عليه. فلهذا تجد أنهم يدينون بهذا الاختراع، يدينون بهذا الاختراع، عندهم هذا الاختراع أو الطريقة هي الدين، ما ينظرون إلى شيء آخر، ما ينظرون إلى مثلًا أن هذا مخالف للشرع، لا، ما دام أن الطريق خلاص جائز فيها كل شيء، فهم يمشون على هذه الطريقة، أصحابهم ما عندهم الدين إلا هذه الطريقة، موالد، حضرات، كذا يمشون على هذا خلاص الدين، وهذا. يريد الشيخ أن يبين أن فعلهم فعل المشركون، المشركون يعملون لهم طرق، ظنوا أن هذا هو الدين الذي يمشون عليه، وهي طرق عبادة الأوثان أو عبادة الأصنام أو غيرها. قالوا: من هؤلاء طائفة عليهم قدرة، وهم متمسكون بالدين في أداء الفرائض المشهورة، واجتناب المحرمات المشهورة. لكن يغلطون في ترك ما أمروا به، الأسباب التي هي عبادة، ظنين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك. مثل من يجعل التوكل منهم، أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة. لأنه قد الدعاء هذا خلاص، معناه: قد تعدى على الدعاء، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون، ولا حاجة إلى ذلك. قالوا: هذا غلط عظيم، فإن الله قدر الأشياء بأشباهها، كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها. كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "خلق الله الجنة أهلًا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون". فهؤلاء أيضا طوائف تمسكوا بالشرع، عندهم شيء من الشرع، لكن فرطوا في أشياء أخرى. قالوا: هذا غلط عظيم، لأنهم فرطوا في الأسباب، لم يعملوا بالأسباب. فقال الشيخ: كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون. وخلق للنار أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون". وكما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير، فقالوا: يا رسول الله، فلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: "لا، اعملوا، فكلهم يسر لما خلق له". هذا وجه، تشاهد كلهم يسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فسيسر لأعمال أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسيسر لعمل أهل الشقاوة. فما أمر الله بعبادته الأسباب، هو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة. كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. فالتوكل سبب من أسباب العبادة، وهو عبادة كذلك، وهو عبادة كذلك. قال في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. قالوا: قول شعيب: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. يربط العبادة والاستعانة معًا. قالوا: منهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، فتنقص بقدر ذلك. ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة، مثل مكاشفة، واستجابة دعوة، ومخالفة للعادة العامة. فيشتغل أحدهم عما أمر به من العبادة والشكر ونحو ذلك. فهذه الأمور ونحوها كثيرًا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، معنى: يترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، وهذا لا بأس، معنى: الذين يعملون بالشرع. قال: فتنقص بقدر ذلك. ومنهم طائفة يغترون بما يحصل له من خرق عادة، معنى: مكاشفة تحصل له، كرامة فيغتر بها، فيترك بعد ذلك المستحبات، يتكل على أنه قد بلغ مبلغًا كبيرًا، حتى تكون لهم كرامات. خالف هذه الأمور ونحوها كثيرًا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه. وإنما ينجو العبد منه بملازمة أمر الله الذي بعث به رسله في كل وقت. كما قال الزهري: "كان مضى من سلفنا يقولون: لاعتصام بالسنة نجاه". وذلك أن السنة، كما قال مالك: مثل سفينة نوح، من ركبها نجاه، ومن تخلف عنها غرق. قالوا: العبادة والطاعة والاستقامة واللزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد، ولها أصلا أحدهما: لا يعبد إلا الله، والثاني: أن يعبد بما أمر وشرع، لا بغير ذلك من البدع. كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فأراد أن يبين أن هذا الذي مشى عليه المشركون وأهل البدع من الاحتجاج بالقدر، أو اختراع الأهواء والبدع، هذا مسلك باطل. والمسلك الصحيح هو العبادة والطاعة والاستقامة واللزوم الصراط المستقيم. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق في مسلك أهل السنة، بعد ما ذكر بعض مسلك أهل البدع، سيذكر مسلك أهل السنة.