الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 107، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
وقعت غزوة دومة الجندل في ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة، حيث خرج النبي بألف فارس للقضاء على تجمعات الكفار. تمكن من مباغتتهم وهروبهم واستولى على ما لديهم من نعم وأغنام وإبل.
تمت الغزوة في ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة، وكان هدفها القضاء على تجمعات الكفار. خرج النبي بألف فارس وباغتهم وهربوا واستولى على ما لديهم.
أسلم الحارث بعد أن أتى إلى المدينة ليفدي ابنته من رسول الله، وعلم رسول الله بمكان البعيرين اللذين خبأهما الحارث، مما أدى إلى إسلامه وإسلام ابنته ولاحقاً زواج جويرية من رسول الله.
يشير المقطع إلى دلالة حادثة معينة على إسلام الحارث وصحبته للنبي محمد، ويختتم بالدعاء للنفع بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ قَبْلُ وَحَصَلْ عَقْدُ ابْنَةِ الْحَارِثِ بَعْدُ وَاتَّصَلْ هذا البيت من الأبيات التي يذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى الحوادث التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الخامسة من الهجرة. فقال: وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ قَبْلُ، سيأتي معنى ذلك. ودومة الجندل قبل، وحصل عقد ابنة الحارث بعد، واتصل. إذن، في هذا البيت سيرد لنا المؤلف رحمه الله تعالى حادثتين اثنتين وقعتا في حياته عليه الصلاة والسلام، تحديدا في السنة الخامسة من الهجرة. نبدأ أولا بالحادثة الأولى، قوله رحمه الله تعالى: وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ قَبْلُ، قبل ماذا؟ قبل ما قد مضى معنى في درس أمس، ألا وهي غزوة بني المصطلق. أي أن غزوة دومة الجندل وقعت قبل حصول غزوة بني المصطلق، لأن على القول الصحيح من أقوال العلماء أن دومة الجندل هذه الغزوة وقعت في ربيع الأول في السنة الخامسة. دومة الجندل هذه الغزوة وقعت في ربيع الأول، وأما ما كان من غزوة بني المصطلق فقد كان في شهر شعبان، كما ذكر ذلك المحققون، كابن القيم وغير واحد من أهل العلم. إذن، عندي أقيمت دومة الجندل، وبعد ذلك وقعت غزوة بني المصطلق. فقوله رحمه الله: وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ قَبْلُ، أي قبل غزوة بني المصطلق. نأتي الآن إلى دومة الجندل، ما هي دومة الجندل؟ هي قرية، وهي بلدة، ولا زالت هذه البلدة معروفة في أرض المملكة، وتقع في الجهة الشمالية، أي المنطقة العليا. فعندك مكة، ثم المدينة، فنبينا صعد إلى الأعلى، صعد إلى حدود الغساسنة، إلى بلاد الرومان، فهناك جندل قريب من بلاد الشام، أي في جهتها. فهذه بلدة تسمى دومة الجندل، ولازالت ماثلة معروفة إلى الآن. هذه الغزوة، ما الذي صار فيها؟ الذي صار فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه أن أناسا من الكفار، من المشركين، كانوا يتجمعون في هذا المكان، وكان من أمرهم أنهم قد آذوا الناس، يقطعون السبيل، ويرهبون الآمنين، وأنهم ينتهبون الأموال والأرزاق من المارين والعابرين والمسافرين. أي أنهم أحدثوا ضجة، أحدثوا زعزعة للأمن، وقلقلة لأهل الإسلام، ومن كان مؤمنا في تلك الأنحاء. فحينها أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يضع حدا لأمثال هؤلاء، فتجهز لهم نبينا صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم في هذا التاريخ، من ربيع الأول، السنة الخامسة من الهجرة، وأخذ معه ألفا من الفرسان. وطبعا كانت المدة طويلة، أيام وليالي، حتى يصل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذه المنطقة. وكان من سيرته صلوات ربي وسلامه عليه حتى يباغت هؤلاء، وكما قلنا كان من أساليب الحروب ما يسمى باستغلال عنصر المفاجأة. فكان من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يسير بالليل، ويكمن بالنهار. تخيل إذا دخل الليل مشى، سار في الليل تحت جنح الظلام، يمشي، فإذا دخل النهار كمن، أي خبأ وجلس واختبأ، لا أحد يراه. هذه السياسة الحربية منه عليه الصلاة والسلام حتى يداهم القوم في عقر دارهم. وقال المؤرخون وأهل السير: إنه عليه الصلاة والسلام كان معه دليل، أي رجل ماهر في معرفة الطريق، وهذا الذي ساعدهم في أنهم يمشون ليلا، وإلا لضاعوا. فكان يستعين بهذا الدليل، يدله على الوصول إلى القوم في جنح الظلام. فاستمر نبينا صلى الله عليه وسلم يسير ويسير حتى باغتهم في عقر دارهم في دومة الجندل. فحينها لاذوا بالفرار وهربوا، وأصاب منهم النبي صلى الله عليه وسلم ما أصاب من النعم، ومن كذلك السوائم، ومن الأغنام، ومن الإبل. ثم رجع عليه الصلاة والسلام، وذلك في أواخر ربيع الآخر، هكذا ذكر المحققون. خلاصة هذه المعركة، والتي لم يقع فيها قتال، وإنما حصل فيها فرار من الكفار عندما رأوا أن النبي قد باغتهم صلى الله عليه وسلم. إذن، فقول رحمه الله تعالى: وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ قَبْلُ، أي هذه الغزوة وقعت قبل غزوة بني المصطلق. وغزوة بني المصطلق قد مضى معنا ما صار فيها في درس أمس. قال: وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ قَبْلُ وَحَصَلْ، ما الذي حصل؟ هذه الحادثة الثانية التي وقعت لرسول الله في السنة الخامسة. وَحَصَلْ عَقْدُ ابْنَةِ الْحَارِثِ بَعْدُ وَاتَّصَلَ، أي ما الذي حصل بعده. فعندي غزوة بني المصطلق، الناظم جعلها ركيزة لهذه الحوادث، قبلها وبعدها. قبل غزوة بني المصطلق وقعت غزوة الجندل أو دومة الجندل، انتهينا. وبعدها ما الذي حصل؟ واتصل، أي هذا بهذا، لم يكن هناك فارق زمني بين غزوة المصطلق، لأنه كما قلنا في خلال غزوة بني المصطلق وقع السبي. هنا مسألة يذكرها أهل التاريخ والسير، لكنها بلا إسناد. وهي متعلقة بأبي جويرية، وهو الحارث. تشير بعض المصادر، كتب السيرة والتاريخ، على أن أباها كان حيا، لأن بعضهم أورد أن أباها قتل مع من قتل في غزوة بني المصطلق، وبعضهم قال: لا، لم يقتلوا، إنما هربوا مع من فر من أهل هذه البلاد. فعلى هذه الرواية الثانية، أنه فر ونجى بنفسه، علم أن ابنته وقعت أسيرة في السبي، أسيرة في السبي في قبضة أهل الإسلام. فحينها رجع إلى المدينة، بعدما رجع الجيش الإسلامي، ذهب أبوها وهو الحارث -على القول بحياته ونجاته- أراد أن يأتي المدينة لكي يفدي ابنته من رسول الله، يعطي للمسلمين فداء مقابل فكاك لابنته. فأتى بالإبل الكثير في طريقه، بينما ينظر لهذه الإبل التي اصطحبها، وقعت عيناه على بعيرين اثنين، وجد فيهما من الحسن والجمال ومن الجلال ما أحب أن يدخرهما لنفسه. حينها قال لمن معه: اذهبوا بهذين البعيرين واجعلوهما في هذا الوادي -وقد مروا على وادي العقيق- اجعلوهما، ابعدوهما من الفدية. هذا نريدهما بعد الرجوع، فخبأوهما. ثم مضوا حتى دخلوا على رسول الله وأخبره الحال، فإنه أتى لكي يفدي بهذه الإبل ابنته. فحينها نظر إليه نبينا صلى الله عليه وسلم وقال: وأين البعيرين اللذين جعلتهما في العقيق؟ حينها ذهل الحارث من هذا الكلام، وعلم أن هذا وحي السماء. حينها ما زاد عن قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. والله لم يطلع على هذا أحد، ما أحد يدري بهذا. فعلى هذه القصة، فحينها دفع نبينا ابنته إلى الحارث، وقد أسلمت، وقد أسلم، وقد زوجها لنبينا عليه الصلاة والسلام. هذه الحادثة، على صحتها، فيها إشارة على إسلام الحارث، ليس هذا فحسب، بل وعلى صحبته، بأنه صحابي. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.