الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 109، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الناظم عن غزوات وحوادث السنة السادسة للهجرة، ويشمل ذلك غزوة بني لحيان واستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى غزوة ذي قرد وتفاصيلها.
يتناول المقطع تفاصيل غزوة ذي قرد وتوقيتها، حيث اختلف العلماء بين السنة السادسة والسابعة للهجرة. واستقر الرأي على أنها كانت بعد صلح الحديبية، مع شرح لأحداث الغزوة.
يبرز هذا الفصل دور سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد، حيث أظهر سرعة ومهارة في الرماية، مما أدى إلى إرهاق الكفار ووصول النجدة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم.
ينهي الناظم كلامه بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبراً عن احترام وتقدير للنبي وآله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبعده استسقاؤه وذوق رد وصد عن عمرته لما قصد. في هذا البيت، إخواني في الله، المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا ما يتعلق بحوادث السنة السادسة، وذكرنا أن من أوائل حوادث هذه السنة ما كان من غزو بني لحيان، كما أشرنا إليه في الدرس السابق. وهو يقول: وبعد ذلك، بعد غزوة بني لحيان في السنة السادسة، ما الذي صار؟ قال: وبعده استسقاؤه وذو قرد، أي غزوة ذي قرد، وصد عن عمرته لما قصد. ففي هذا البيت أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ثلاثة مسائل، وهي مما يذكر من سيرته عليه الصلاة والسلام. فحسبنا في هذا المقام الإشارة إلى الحادثة الأولى والثانية. فقوله رحمه الله تعالى: وبعد ذلك استسقاؤه، الاستسقاء هو طلب السقيا، وطلب السقيا. الإسلام من خلال تشريعه شرع لنا صلاة الاستسقاء، وهي صلاة مع خطبته، فيها الخطيب والإمام يطلب من الله جل وعلا أن يسقيهم الغيث. فقوله رحمه الله تعالى: استسقاؤه، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام، في السنة السادسة من الهجرة، شرع لهم الاستسقاء. وهذا الذي عليه الكثير من أهل العلم، كما أشار إلى ذلك ابن أثير رحمه الله تعالى، قال: وفيها قحط الناس، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتاهم المطر. وتحديدا يذكر العلماء أن ذلكم كان في رمضان في السنة السادسة من الهجرة. وذكر جماعة من أهل العلم، كابن القيم رحمه الله تعالى، أن ذلك كان في بعض الغزوات التي وقعت لرسول الله في السنة السادسة، حيث أن النبي وجد أن الكفار قد سباقوه إلى محل الماء، وما استطاع المسلمون أن يصلوا إليه، فحينها أصيب المسلمون في هذه الغزوة بالعطش والضمأ، فشكوا إلى رسول الله ذلك. بل نطق أهل النفاق ووجدوها فرصة سانحة في الغمز والطعن والقدح برسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال بعضهم: لو كان نبيا لاستسقى قومه، كما استسقى موسى لقومه. فبلغ ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: أو قد قالوها؟ أي وصل بهم الأمر إلى هذا؟ فحينها قال عليه الصلاة والسلام: عسى ربكم أن يسقيكم. ثم قام عليه الصلاة والسلام، وبسط يديه، ودعا ربه جل وعلا بالدعاء، وألح عليه بالاستسقاء. قال الراوي: فما رد يديه إلا وقد أمطروا. إلا وقد أمطروا. فالشاهد أنه ليس عندي حديث صحيح يمكن أن نتك عليه في هذه المسألة، لكن الشهرة عند المؤرخين وعند أهل السير من أن النبي صلى الله عليه وسلم في العام السادس من الهجرة شرع الاستسقاء، فهي سنة من سنن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا زال الناس يسقون ويطلبون السقيا من الله جل وعلا، فإن الغيث بيد الله سبحانه وتعالى. ثم أشار الناظم إلى المسألة الثانية من سيرته، وخاصة في السنة السادسة، قال: وبعده استسقاؤه وذو قرد. وذو قرد، أي ما صار من غزوة ذي قرد. قرد بفتح القاف والراء، هي محل ماء في جهة غضفان، يبعد عن المدينة قدره جماعة من أهل العلم بمقدار ليلتين، يبعد عن المدينة مقدار ليلتين. هذه سميت بغزوة ذي قرد، وأحيانا يعبر عنها العلماء بغزوة الغابة. فهي غابة، وذو قرد هي معنى واحد. ما السبب المتعلق بهذه الغزوة؟ قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: ثم أغار بعد قدومه المدينة بليال عيينة بن حصن. ثم أغار بعد قدومه المدينة، هنا مسألة، وهذا وقع فيها الإشكال الكبير بين أهل العلم: متى كانت هذه الغزوة، غزوة ذي قرد؟ من أهل العلم من يرى بتتابع الحوادث وقعت غزوة بن لحيان في بداية السنة السادسة، انتهى، رجع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، بقي فيها ليال، ثم وقعت ذي قرد، أي بعد بن لحيان بليال، فهي في أوائل السنة السادسة. وهذا يشار إلى أنه قول جمهور العلماء، وهذا الذي مشى عليه الناظم رحمه الله. ومن أهل العلم من يرى خلاف ذلك، ويرى أنه ذا قرد أبعد من هذا، وأنه إنما صالت بعد الحديبية، أي في السنة السابعة من الهجرة. وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم من كبار العلماء، كما ذهب إلى ذلكم الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهكذا البغوي وابن القيم وابن كثير، وجماعة من أهل العلم ذهبوا إلى أن هذه الغزوة في الحقيقة كانت متأخرة، ولعل قولهم أوجه وأصح. لأنه قد ثبت ذلك في البخاري وفي مسلم على أن ذي قرد إنما كانت بعد صلح الحديبية. فالخلاف حاصل بين العلماء في تقدير متى وقعت هذه الغزوة. على كل، الإخوان في الله، يهمنا في هذا المقام أن نتعرف على هذه الغزوة باختصار. الذي صار أن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة جعل مكانا لإبل الصدقة، ومنها إبل التي تعد للقاح. فما شعر المسلمون إلا بعيينة بن حصن قد قدم من غطفان، ومع مجموعة من جماعته من الكفار، استولوا على اللقاح، وجدوا هنالك راعيا فقتلوه، وجدوا امرأته فخطفوها وهربوا باللقاح، وقتلوا الرجل وخطفوا المرأة. كان هذا في جنح الظلام قبيل الفجر، وهربوا. وكان ممن أدرك هذا المنظر والمشهد والواقعة الصحابة الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه. نظر في الأعلى فوجد هذه التحركات، خيل هربت، فعلم أنهم قد تعرضوا للنهب. فحينها صاح، طبعا هذا المكان بعيد عن المدينة، المكان كما قلنا في محل غابة، ولهذا سميت بغزوة الغابة. لأن اللقاح كان في غابة في أجار في طرف المدينة، ولهذا سهل السرقة لعدم وجود الناس هنالك. فلما شعر وعلم سلمة بالذي صار رفع صوته وصباحا، ليشعر الناس بحصول أمر ما. لكنه لم ينتظر حتى يأتيه النجدة، وإنما خرج بنفسه، خرج بنفسه، وكان يمشي خلف هذه القافلة من بني غطفان الذين نهبوا اللقاح، وكان يرتجز رضي الله تعالى عنه، ويقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع. وكان يكثر من الإنشاد هذا البيت: اليوم يوم الرضع، الرضع هنا راضع، بمعنى اللئيم، بمعنى اللئيم. يوم الرضع، بمعنى اليوم يوم اللئام. أي اليوم سأنتقم من اللئام. بقي فائدة: لماذا سمي اللئيم بالراضع واللئام بالرضع؟ قيل: أن هذا مثل عربي كان يحكي واقعا لرجل بخيل شديد البخل. وكان من بخله أنه إذا أراد أن يحلب النوق ما يحلبها في أوانيها، لماذا؟ لا يحلبها في الأواني خشية أنها تصدر صوتا، فيسمع الجيران أنه ماذا يحلب، فيأتون إليه. ولهذا ماذا كان يفعل حتى يتحاشى أن يصدر هذا الصوت؟ فكان يرضع بفمه من ثدي الناقة، يرضع مباشرة من ثديها، فيشرب من ثديها مباشرة، حتى لا يرضع كما قلنا في الإناء، فتصدر صوتا من شدة بخله. فكان يقال: هذا يوم الرضع، هذا لئيم. فعلم الرضع باللئام. فيقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع، اليوم يوم اللئام. وقيل معنى آخر: يوم الرضع، بمعنى الذي ارتضع اللؤم من أمه. فالشاهد أن يوم الرضع، أي اليوم يوم اللئام. ماذا عسى أن يفعل سلم بن الأكوع رضي الله تعالى عنه مع هؤلاء مجموعة من الكفار بخيولهم وقد ارتحلوا؟ سلم بن الأكوع رضي الله تعالى عنه رجل، لكن ليس كباقي الرجال. ميزه الله جل وعلا بميزتين اثنتين، قل أن توجد في أناس. القصد الأولى والميزة الأولى فيه رضي الله تعالى عنه أنه كان سريعا، سريعا، عنده سرعة العدو، سرعة الجري، لدرجة أنه لربما سابق الخيل. وهذا شيء لا يتصوره الإنسان، وهذا ليس مستحيلا، بل هذا موجود، ولا زال في الزمن العام معاصر، أن من الناس من سرعته تجاري الخيول. يوجد بعض المسابقات من لربما يتنافس مع الخيل في مدة يسيرة أو مسافة قصيرة يتسابق مع الخيل. يوجد من الناس عنده سرعة عدو. فكان سلمة رضي الله تعالى عنه عداء سريعا، سريع المشي جدا جدا، لربما يسابق الخيل، يمشي يسابق. والخصلة الثانية التي فيه رضي الله تعالى عنه كان راميا، يصيب، يصيب. فتخيل رجل تميز بهذه المهارات، ما الذي عسى أن يفعل بالكفار؟ أتعبهم. فكان يمشي بسرعة، يمشي بسرعة، فإذا دل منهم أتى بالنبل ورماه، وما يأتي النبل إلا على أجسادهم، يأتي في الكتف، يأتي في الظهر، فيقفون، يقفون، يقفون، فماذا يفعلون؟ فيستديرون، إذا استداروا هرب، وما يدركون، وما يدركون، يهرب. حتى ربما يصعد إما على جبل مرتفع أو يصعد على أصل الشجرة، يتعلق في الأعلى. فبينما يتقربون يرميهم بالنبل، فإذا تأذوا خرجوا وابتعدوا، قام ولحقهم، ولا زال هذا حاله، ما تركهم أبدا حتى تعبوا. ليس هذا فحسب، أن الذي أخذوه كان معهم البتاع، معهم الحلي، معهم أشياء كلها طرحوها. لماذا طرحوها؟ أرادوا خفة حتى يفروا من هذا الرجل، وما استطاعوا أن يفروا منه. حتى وصل بهم إلى ما ذي قرد، وكان قريب من غطفان، وصلوا إلى هذا الماء، وقد بلغوا العطش. فلما أراد أن يشربوا تصد لهم سلم، فلا زال يرميهم، ما يترك أحدا منهم يقرب الماء. هذا الفعل من سلم رضي الله تعالى عنه، ماذا كان فائدته؟ فائدته أنه استبطأهم حتى تأتي النجدة من المدينة. وهذا الذي صار، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم من معه من الصحابة من الخيالة والفرسان، فاستطاعوا أن يأتوا، ثم وقع تلكم الغزوة، فقتلوا من قتل من الكفار. هذه غزوة ذي قرد، وقد أعجب نبينا صلى الله عليه وسلم بفعل سلمة أيما إعجاب. وكان يستمع إلى ما فعل، وكان يضحك عليه الصلاة والسلام، حتى بدت نواجذه من شدة إعجابه لفعل رجل واحد بهؤلاء الكفار، ما فعل بهم. وعند المرجع قام نبينا وأردف سلمة بن الأكوع خلفه عليه الصلاة والسلام، وجعل له بدل السهم جعله سهمين، مع أنه يمشي الماشي وهو الراجل له سهم واحد، لكن النبي نفل له سهما ثانيا لأنه في الحقيقة راكب، وإن كان ماشيا، لكنه كان بعدوه سرعته كالراكب. فأعطاه نبينا سهما غائبا. فكان هذا هو يوم سلمة، وهي غزوة ذي القرد، ذي قرد أو غزوة الغابة. هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وبعده استسقاؤه وذو قرد. هذه الغزوة كما قلنا على الخلاف الذي مضى: هل هي في السنة السادسة أم في السنة السابعة بعد الحديبية؟ ولعله الأصح. لكن علمنا ما كان من سببها، وما كان من نتيجتها وثمارها. ثم قال الناظم: وصد عن عمرته لما قصد. يرجى الحديث عن هذا البيت عما يكون سيكون في عمرة، عمرة التي اكتم بها صلح الحديبية، سيأتي هذا معنا في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.