كتاب الطهارة 47

كتاب الطهارة 47

الدرس في كتاب الطهارة 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الغسل والوضوء بعد التعامل مع الميت

يناقش هذا الفصل حديث أبي هريرة حول وجوب الغسل لمن غسل ميتا والوضوء لمن حمله، ويبين آراء العلماء في حكم العمل بهذا الحديث ومدى صحته. كما يخلص إلى عدم استحباب الغسل أو الوضوء لمن حمل أو غسل ميتا لعدم صحة الحديث.

مس القرآن وشرط الطهارة

يتناول هذا الفصل حكم مس القرآن وشرط الطهارة لذلك، حيث اختلف العلماء في تفسير الطاهر بين كونه مؤمنا أو متوضئا. واستدلوا بآيات وأحاديث مختلفة، مع التأكيد على أن الأحوط ترك مس المصحف عند الحدث.

حكم مس المصحف بالوسائل الحديثة

يناقش هذا الفصل حكم مس القرآن بالجوال، حيث لا يعد الجوال مصحفاً حتى لو كان يحتوي على القرآن، وبالتالي لا ينطبق عليه نفس أحكام مس المصحف. يُشترط أن يكون الشيء مصحفاً أصلاً لكي يُعتبر مسه محكوماً بأحكام مس المصحف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه. وقال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء. وهذا الحديث قد ضعفه أكثر العلماء؛ أحمد، والذهلي، والدارقطني، وجماعة من علماء الحديث. أيضا الشافعي علق الحكم بصحته. وأخلص إلى أنه موقوف على أبي هريرة، صحيح فيه الوقف وليس مرفوعا كما قاله أبو حاتم في العلل، قال: الصواب عن أبي هريرة موقوفا. وقال أبو داود: هذا منسوخ. وقال الذهلي: إنه حديث ليس بثابت. وصحح أيضا البيهقي الوقف، وكذلك قبلهما البخاري صحح الوقف. فعلم بذلك أنه لا يصح رفع النبي عليه الصلاة والسلام شيئا في هذا. ورفعه السهيلي من طريق أبي صالح، وأخطأ. والصحيح أنه موقوف. قال الشارح الصنعاني رحمه الله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه. وقال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء. وذلك لأنه أخرجه أحمد من طريق فيها ضعيف، ولكن قد حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان لوروده من طرق ليس فيها ضعف. بل الطريق التي حسنه الترمذي معلولة أيضا. والصحيح أن أبا صالح لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة. قال: وذكر الماوردي أن بعض أصحاب الحديث خرج له مائة وعشرين طريقا. وقال أحمد: إنه منسوخ بما رواه البيهقي عن ابن عباس. قالوا: لكن ضعفه البيهقي، وتعقبه المصنف؛ لأنه قال: البيهقي هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة. قال المصنف: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن شيبة، احتج به النسائي، وثقه الناس ومن فوقه، احتج بهم البخاري، إلى أن قال: فالحديث حسن. ثم قال في الجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة: أن الأمر للندب. قلت: وقرينته حديث ابن عباس هذا، وحديث ابن عمر عند عبد الله بن أحمد: «كنا نغسل ميتا، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل». قال المصنف: إسناده صحيح، وقد صححه أيضا الترقطني. قال: وهو أحسن ما جمع به بين هذه الأحاديث. وأما قوله: «من حمله فليتوضأ»، فلا أعلم قائلا يقول بأنه يجب الوضوء من حمل الميت، ولا يندب. قلت: ولكنه مع نهوض الحديث لا عذر في العمل به. ويفسر الوضوء بغسل اليدين كما يفيد التعليل؛ أنا فسرنا الوضوء بغسل اليدين بقوله: «إن ميتكم يموت طاهرا»، فإن لمس الطاهر لا يوجب غسل اليدين منه، فيكون في حمل الميت غسل اليدين ندبا تعبدا؛ إذ المراد إذا حمله ببشرته لبدنه بقرينة السياق، ولقوله: «يموت طاهرا»، فإنه لا يناسب ذلك إلا من يباشر بدنه بالحمل. وخلاصة هذه المسألة: أنه لا يستحب الغسل لمن غسل ميتا لعدم صحة الحديث، ولا أيضا الوضوء لمن حمله. فمن غسل يديه مثلا لا بأس، ومن لم يغسل يديه فلا شيء عليه، سواء كان حمل أو غسل. وأما حمل الصنعاني هنا حمله على غسل اليدين، فهذا من باب الجمع. وإلا الأصل أن ألفاظ الشرع تحمل على الألفاظ الشرعية، «فليتوضأ» معناه معلوم الوضوء، وهو غسل الوجه واليدين. قال: وعن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه: «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم: أن لا يمس القرآن إلا طاهر». رواه مالك مرسلا، وصله النسائي بن حبان، وهو معلول. والحافظ يكرر لفظة: «وهو معلول»، مع أن بعضهم ينكر هذه اللفظة من ناحية اللغة، لكن الصحيح أنها صحيحة. قال الشارح: عبد الله بن أبي بكر هو ابن أبي بكر الصديق، أمه أسماء، أسلم قديما، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطائفة، أصابه سهم انتقض عليه بعد سنين، فمات منه في شوال سنة إحدى عشرة، وصل عليه أبوه. وهذا هو الظاهر، وهم من الصلعاني. وهذا ليس عبد الله بن أبي بكر الصديق، وإنما هو عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم. قال: «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم: أن لا يمس القرآن إلا طاهر». رواه مالك مرسلا، وصله النسائي بن حبان، وهو معلول. قال: حقيقة المعلول: الحديث الذي يطلع على الوهم فيه بالقرائن، وجمع الطرق. لا بد من جمع الطرق في معرفة المعلول. كما قال الأئمة كابن معين وابن المديني: الحديث إذا لم تجمعه من خمسين طريقا لا يعرف. ومنهم من قال: أكثر. قال: العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه وقدحت. وهو من أغمض أنواع الحديث وأدقها، ولا يقوم بذلك إلا من رزقه الله فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة. قال: هو ملك قوية بالأسانيد والمتون. وإنما قال المصنف: إن هذا الحديث معلول؛ لأنه من رواية سليمان بن داود اليماني، وهم اتفقوا على تركه كما قاله ابن حزم. ووهم في ذلك؛ ظن أن سليمان بن داود ليس كذلك، بل هو سليمان بن داود الخولاني، وهو ثقة، أثنى عليه بزرعة، وبرحاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ. واليماني هو المتفق على ضعفه. قال: وكتاب عمر بن حزم تلقاه الناس بالقبول. وليس هذا التعليل؛ الحافظ يريد أنه معلول لأنه مرسل؛ لأنه مرسل، فعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر لم يدرك جده، ولم يدرك هذا الكتاب، فهو مرسل. وهذا المراد به أنه معلول. قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر، يتلقاه الناس بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب؛ فإن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم؛ لأنه فيه الديات. قالوا: لكن يبقى النظر في المراد من الطاهر؛ فإنه لفظ مشترك، يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة. ولا بد لحمله على معين من قرينة. وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فالأوضح أن الضمير للكتاب المكنون الذي سبق ذكره في صدر الآية، وأن المطهرون هم الملائكة. وهذه المسألة كما تعلمون خلاف مشهور فيها. وأكثر أهل العلم على أنه لا يجوز مس القرآن للمحدث، سواء كان حدثا أكبر أو أصغر، واستدلوا بهذه الآية والحديث. أما الآية ففيها نزاع. والصحيح أنه مثل ما ذكر المؤلف: أن الكتاب هو المكنون. وأما الحديث؛ فأولا اختلف في الصحة. قلنا: وإن صح، فالاختلاف هنا في معنى الطاهر «لا يمس القرآن إلا طاهر». والشيخ الألباني رحمه الله أيضا أيد هذا المعنى؛ وهو أن الطاهر هنا المؤمن، بحديث أبي هريرة: «المؤمن لا ينجس». وكذلك بالنهي عن مسافر العبد بالقرآن إلى دار العدو ودار الحرب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى بلاد العدو حتى لا يمتهن القرآن. ومن هذا الباب: أنه لا يمسه إلا المؤمن، لا يمسه إلا مؤمن. ولم يأت شيء صريح في هذه المسألة. فمن ترك مس القرآن مثلا عند الحدث، فهو من باب الأحوط، ما في شيء. فإذا أراد أن يمسه، مسه مثلا بغلافه، أو مسه بشيء بعود أو بغيره. إذا كان يريد أن يقرأ أو ينظر؛ لأن المحدث حدثا أصغر يقول كثير من العلم: أنه يجوز له أن يقرأ القرآن، وإنما منع من المس، مس المصحف. وكذلك الحائض أجاز ذلك مالك، والشيخ الإسلام وغيره؛ أجازوا للحائض أنها تقرأ القرآن من دون مس. أنا إذا كانت تقرأ حفظا أو مراجعة أو تقرأ في شيء معنى تحاول أنها لا تمس القرآن مباشرة، أو مثلا تقرأ في جوال؛ تقرأ في جوال لأن الجوال ليس قرآن، أنا مس المصحف أو مس الجوال ليس كمس المصحف، ولو كان الظاهر فيه قرآن، فهو ليس مصحفا أصلاً. فهذا خلاص ما يذكر في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.