الدرس في كتاب الطهارة 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع أحكام القيء والرعاف والدم الخارج من البدن في الفقه الإسلامي، ويستعرض آراء مختلف المذاهب الفقهية حول نقض الوضوء بهذه الأمور.
تناول المقطع مسألة الوضوء من لحوم الغنم والإبل، حيث ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يفيد عدم ضرورة الوضوء من لحوم الغنم، وضرورة الوضوء من لحوم الإبل.
اختلف العلماء في نقض لحوم الإبل للوضوء، فذهب الجمهور إلى وجوب الوضوء بعد أكلها بينما ذهب آخرون إلى عدم وجوب الوضوء مستدلين بحديث ضعيف الإسناد.
يمكن للوضوء الواحد أن يكفي لأداء فروض متعددة، مما يدل على التيسير في الشريعة الإسلامية.
رحيم الحب بالله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن ولام ما بعد، وحاص المضاعف. وأما الرعاف، الله أخذنا الرعاف طيب. قال: والنقط بالقي مذهب الهدوية والحنفية. الهدوية معنى: نسبة إلى الهادي، وهو يحيى بن حمزة ملقب بالهادي، هذا المقبور والهالك بصعدة. فكان رجلا سيئا سريرا، ومن عذب الناس كان نقمة على أهل اليمن. فلهذا الفقه الزيدي، كما يقولون، هو نسبة إلى الهادي؛ لأنهم ليس لهم فقه معين اتبعوه، أكثره كذب. ولهذا الشيخ رحمه الله، الشيخ مقبل كان يقول: إن مذهب الزيدية مبني على الهيام، مبني على الهيام. معنى: ما أخذ من مذهب الحنفية أصلا، لكن غيروا بعض الأشياء فيه. قال: وشرطت الهادوية أن يكون من المعدة، إذ لا يسمى قيئا إلا ما كان منها، وأن يكون ملء الفم دفعة، لورود ما يقيد المطلق هنا، وهو قيء دارع ودسعة دفعة تملأ الفم. وما في حديث عمار، لكن حديث عمار لا يصح. وأيضا هذا الحديث لا يصح، وإن كان قد ضعف. وعند زيد بن علي: أنه ينقض مطلقا، عملا بمطلق هذا الحديث. وكأنه لم يثبت عنده حديث عمار. ذهب الجماعة -منها البيت والشافعي ومالك- إلى أن القي غير ناقض، لعدم ثبوت حديث عائشة هذا مرفوعا، والأصل عدم النقض، فلا يخرج عنه إلا بدليل قوي. فالقي قاسه بعضهم على أنه مثل الغائط، لكن ليس صحيحا. فالغائط قد جاء النص فيه، وأما القي لم يأت نص يدل على أنه نجس أو أنه ينقض. وأما حديث «بالدرداء قاع النبي صلى الله عليه وسلم وتوضأ»، هذا لا يدل على النقض، وإنما يدل على استحباب؛ لأنه فعل يدل على استحباب هذا الأمر. قال: وأما الرعاف في نقضه الخلاف أيضا، فمن قال: ينقضه، فهو عمل بهذا الحديث. ومن قال: بعدم نقضه، فإنه عمل بالأصل، ولم يرفع هذا الحديث أيضا. الرعاف لم يثبت أنه ينقض إلا إذا كان دما كثيرا عند بعض العلم، فعندهم ينقض. ولهذا ذكر الشيخ الإسلام التيمي رحمه الله: أنه يستحب الوضوء للحجام والقي ونحوهما. وأما الوجوب، فلا يدل شيء من الحديث على الوجوب. وكذلك الرعاف، لا يدل على نقض الوضوء شيئا، حتى ولو كثر، إلا أن بعض العلم يقول: إذا كثر يكون ناقضا، وليس هناك دليل على هذا. قال: وأما الدم الخارج من أي موضع من البدن غير السبيلين، فيأتي الكلام عليه في حديث أنس: أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ. قال: وأما القلس، وهو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء. فالأكثر على أنه غير ناقض، لعدم نهوض الدليل، فلا يخرج من الأصل. وأما المذي، فقد تقدم الكلام عليه، وأنه ناقض إجماعا. ذكروا رواية عن سعيد بن جبير أنه قال: لو سال على فخذي لما خرجت من الصلاة. ولعل هذا يحمل على كما قال ابن عبد البر: على من كان مستمرا عنده سلس مذي. قال: وأما ما أفاده الحديث من البناء على الصلاة بعد الخروج منها وإعادة الوضوء حيث لم يتكلم، ففيه الخلاف. فروي عن زيد بن علي والحنفية ومالك والقديم من قول الشافعي: أنه يبني ولا تفسد صلاته، بشرط ألا يفعل مستديرا كما أشار إليه الحديث بقوله: لا يتكلم. وقالت الهادوية والثوري والشافعي في آخر قوليه: إن الحدث يفسد الصلاة. لما سيأتي الحديث: «طلق ابن علي، إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة». وهو نفس الحديث الذي قدم، هذه الطلق جاءت في بعض رواياته هكذا. وخلاصة ما يذكر في هذه المسألة -كما ذكرنا- أن البناء لا يصح؛ لأنه قد فسدت الصلاة، ما دام أنها قد فسدت الصلاة، ما يحتاج إلى بناء يحتاج إلى استئناف. قال: عن جابر بن عبد الله، جابر بن سورة رضي الله عنه، أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. أخرجه مسلم. قال: عن جابر بن سورة -أو سورة معنا بفتحها وبضمها- ضم السين وفتحها سورة، وسمورة أو سورة. يقال: سورة بفتح السين، ويقال أيضا بضمها سورة. إذا فتحت السين ضمت الميم، وإذا ضمت السين سكنت الميم. طيب. قال: الفراء أبو عبد الله وأبو خالد، جابر بن سورة العامري نزل الكوفة ومات بها سنة أربعين وسبعين، وقيل: ست وستين. قال: إن الرجل سأل النبي عليه الصلاة والسلام... وقد وجد من بعض أهل العلم البحث عن مثل هذه المسائل، معنا أن الرجل من هذا الرجل؟ فتجد بعضهم يهتم بهذا، وأهتم به بعضهم في المبهمات. ألف بعضهم -كالإمام عبد الغني الأزدي- في المبهمات، في الإسناد وفي المتن. واهتم به أيضا جماعة من العلم، كالبلقيني في شرحه لعمدة الأحكام. وأيضا ذكر الحافظ في الفتح أيضا أشياء كثيرة من هذا القبيل، في معرفة الرجل الذي يسأل نبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا فائدة فيه كثيرة معرفة اسم الرجل. قال: أتوضأ من لحوم الغنم؟ أي من أكلها. قال: إن شئت. قال: توضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. أخرجه مسلم. قال: وروى نحوه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، من حديث البراء بن عازب. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توضأ من لحوم الإبل ولا توضأ من لحوم الغنم». وهذا بإسناد صحيح. وكان فيه خلاف حاصل: هل هذا الحديث من طريق ابن أبي ليلى عن البراء، أو هناك واسطة بينهما؟ أو عن أسيد بن حضير عن البراء؟ أو عن ذي العزة عن البراء؟ وقد قيل: إن ذا العزة لقب البراء بن عازب. قال: قال ابن خزيمة: لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه. قالوا: الحديثان دليلان على نقض لحوم الإبل للوضوء، وأن من أكلها انتقض وضوءه. وقال بهذا أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة، واختاره البيهقي، وحكاه عن أصحاب الحديث مطلقا، يعني أنه قول الجمهور. وحكى عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به. عن البيهقي ذكر عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به. وهذا يدل على إنصافه. قال البيهقي: قد صح فيه حديثان، حديث جابر وحديث البراء. قال: وذهب إلى خلافه جماعة من الصحابة والتابعين والهادوية، ويروى عن الشافعي وأبي حنيفة. قال: والحديثان إما منسوخان بحديث: «إنه كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم عدم الوضوء مما مست النار». أخرجه الأربعة وابن حبان من حديث جابر. وهذا خاص، وأيضا لم يثبت. وإنما هذا من تصرف شريك بن عبد الله النخعي القاضي، أنه رواه بهذه الطريقة. وإنما حديث جابر موجود في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة أو أكل وقام إلى الصلاة ولم يتوضأ». هكذا لفظه. فجعله شريك: «أنه كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم» عدل وضوء مما مست النار. قال النووي: دعوى النسخ باطلة؛ لأن هذا الأخير عام، وذلك خاص، والخاص مقدم على العام. قال: كلامه هذا مبني على تقديم الخاص على العام مطلقا، تقدم الخاص أو تأخر، وهي مسألة خلافية في الأصول بين الأصوليين. أو أن المراد بالوضوء التنظيف، وهو غسل اليد لأجل الزهومة، كما جاء في الوضوء من اللبن. وأن له تسمع أن يحمل على أن الوضوء غسل اليدين. لكن الأصل أنه لابد أن يحمل اللفظ على اللفظ الشرعي. قال: والوارد في اللبن المضمضة من شربه، هذا الذي ثبت في الصحيح: أنه يتمضمض ويشرب. قال: لو ذهب البعض إلى أن الأمر في الوضوء من لحوم الإبل لا للإيجاب، وهو خلاف ظاهر الأمر. أما لحوم الغنم فلا نقض بأكلها بالاتفاق، كذا قيد. ولكن حكى في شرح السنة وجوب الوضوء مما مست النار. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتوضأ من أكل السكر. وصحيح أنه لا يتوضأ من أكل الطيبات، أقصد من الأكل، إلا ما جاء في لحوم الجزور أو لحوم الإبل، فهذا الذي جاء فيه النص يؤخذ. وإلا فالأصل أنه لا يتوضأ من اللحوم، سواء كان لحوم غنم أو بقر أو غيره. قال: قلت: وفي الحديث ما يدل على تجديد الوضوء على الوضوء؛ فإنه حكم بعدم نقض الأكل من لحوم الغنم، وأجاز له الوضوء، وهو تجديد الوضوء على الوضوء. وهذا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجد الوضوء أحيانا. ومرة كما جاء في الصلاة: «المسلم توضع بوضوء واحد خمس صلوات». فقال له أنس: «إنك يا رسول الله فعلت فعلا لم تكن تفعله». قال: «فعلته عمدا حتى يقتدي الناس به». وأنه أن الوضوء الواحد قد يكفي فروضا كثيرة.