الدرس في شرح كتاب التوحيد 281، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع تحريم التصوير وعقوبة المصورين يوم القيامة، حيث يبين أن كل مصور في النار ويتعرض لعذاب جهنم. يشمل التحريم كل صورة سواء كانت مجسمة أو مرسومة أو منقوشة أو منسوجة.
المذاهب الأربعة متفقة على تحريم التصوير بأشكاله المختلفة، والكثير من العلماء المعاصرين يذهبون إلى تحريم التصوير الفوتوغرافي. ينبغي الحذر من التهاون في هذا الباب لما يترتب عليه من عواقب وخيمة.
يشرح المقطع عقوبة المصورين يوم القيامة بتحميلهم نفخ الروح في الصور التي صوروها، ويبين أن التصوير المحرم هو تصوير ذوات الأرواح. يشدد على خطورة هذا الفعل وعواقبه.
أشار الخطيب إلى أهمية ما تمت مناقشته، ودعا الله أن ينفع السامعين بما قيل. ثم ختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكداً على التأثير المرجو من الخطبة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال ولهما عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس»، وفي رواية: «نفسًا يعذب بها في جهنم». قال: ولهما عن ابن عباس أيضًا قال عليه الصلاة والسلام: «من صور صورة في الدنيا كلّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ». فهذان حديثان، إخواني في الله، من الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في باب ما جاء في المصورين. وأورد في هذا الباب حديث ابن عباس بلفظيه: الأول في قوله عليه الصلاة والسلام: «كل مصور في النار»، والثاني: «من صور صورة في الدنيا». وفي هذين الحديثين بيان لشيء من العقوبات التي تتنزل على المصورين. ففي الحديث الأول في قوله عليه الصلاة والسلام: «كل مصور في النار»، بعدما ذكرنا التفاصيل في الدروس التي سلفت، سنعرف حينها أن المقصود بالنار إما النار الأزلية السرمدية الأبدية، وهي نار الكفار، وهذا في حق المصور إذا صور صورة لكي تعبد من دون الله، أو صور صورة ويرى أنها أفضل من خلق الله، فهذا يكون عذابه في جهنم عذابًا سرمديًا أبديًا. وأما إذا كان دون ذلك، فإنهم متوعدون بالنار، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «كل مصور»، و«كل» من ألفاظ العموم، فيدخل فيها كل ما جرى به العرف ودخل في نطاق اللغة أنه مصور، فهو يدخل في حكم التصوير. كل مصور فما خرج إلا ما استثناه الدليل. وقد دارت كلمة العلماء على أن مما يدخل في التصوير الصورة الأولى، وهي ما كان من نصب التماثيل أو ما يعبر عنه بما له ظل، كالأشياء المجسمة كالتماثيل التي تكون على جسد ونحو ذلك. وهذا يوجد الآن عندنا كمن يقتني في بيته ما يسمى بالتحف الفنية، ويعبر عنها بالتحف، ويعبر عن صورة آدم، صورة رجل، صورة حيوان، صورة أسد مجسم، فيضعه في بيته هاهنا وهاهنا عند المدخل. وبعضهم من أصحاب الثراء يجعله في فناء البيت صورة أسد كبير مجسم، هذا كلها اسم التماثيل، وهذه بالاتفاق محرمة، لا يجوز. ويتدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال»، وفي رواية: «ولا صورة»، فالشاهد أن هذه صورة تدخل في التحريم، فلا يجوز اقتناء أي شيء مجسم على صورة ذوات الأرواح. والصورة الثانية مما يدخل في التصوير المحرم ما يكون عبر الرسم، ويدخل في ذلك الأشياء المرسومة والأشياء المدهونة والأشياء المنقوشة والأشياء المنسوجة، سواء كان ذلك كله في ورق أو في خرق أو في حائط أو كان في إناء أو كان في وعاء. وهذا على مذهب جماهير العلماء، كما أشار إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله قول جماهير العلماء. بل يحكى عن المذاهب الأربع عند الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية على أن الصورة سواء كانت مرسومة أو مدهونة أو منقوشة أو مرقومة أو منسوجة، على ورق، على خرق، على حائط، على وعاء، على فناء، على جدار، أي شيء، فإنها تدخل في التحريم. وهذا كما قلنا مذهب جماهير العلماء. وثم جاء الخلاف بين العلماء في مسألة هذه الصور المعاصرة، ما يسمى بالتصوير الفوتوغرافي، وهذا كذلك مذهب الكثير من كبار العلماء من المعاصرين على التحريم. وينبغي أن نفهم ونفقه هذه المسألة، لماذا يقول لك: نحن أمام نصوص واضحة «كل مصور»، وفاعل هذا يقال عنه مصور لغة وعرفًا، فهو يدخل في الحكم. ولهذا دارت كلام فتاوى وكبار العلماء على التحريم، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، العلامة الألباني، شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، العلامة الفوزان، وكثير من أهل العلم من ذهبوا إلى التحريم. وما نجده من صور هؤلاء الكبار هنا وهنا إنما كان هذا من غير اختيارهم، من غير اختيارهم، فهم يذهبون إلى التحريم إلى عدم فعل ذلك، وأنه لا يرخص في هذا الباب إلا ما جاءت به الرخصة الضرورية والحاجية، كالصور التي للمعاملات والتي لا بد منها، أو مما عمت به البلوى كالصور الموجودة في البضائع والسلع. وفي هذا الباب تفاريع ليس هذا أوان التفصيل فيها. ولهذا فينبغي للإنسان أن يتأنى في مثل هذه الأحكام ولا يتساهل، لأجل ما يسمى بذكرى أو ما يسمى بتصوير عبثي لا يترفع، وخاصة أننا أمام وعيد عظيم شديد، و قول علماء فيه كثير، فينبغي للإنسان أن يرعى سمعه وقبل ذلك أن يعي بقلبه خطورة هذه المسألة. ومما يشدد عليه في هذا المقام كذلك ما يكون بين النساء، وخاصة من التصوير في أيام الأعراس والحفلات، إذ تظهر المرأة بكامل زينتها، ثم بعد ذلك تصور من قبل صويحباتها ومن قبل أهلها، بحجة فرحة الزواج أو فرحة العرس، فيؤتى بهذه الصور التذكارية مع أمها مع أختها مع صاحباتها، وتصور وتصور وتصور، وخاصة عبر هذه الجوالات. وهذه من عظيم البلية، أولًا لدخولها في التصوير المنهي عنه، ثم ثانيًا لما سيؤول إليه هذا الأمر. وقد علمنا كما علم بعضكم أن هذه الأجهزة الحديثة لا يؤتمن عليها، من زعم أن هذه الأجهزة تكون الصورة فيها محفوظة إلى أن تأتي بالحذف فتحذف، لا، ما تحذف هذه الصور، ما تحذف الصورة، هذه تبقى، تبقى لأمد في هذا الجهاز، ويعرف ذلك أهل الاختصاص، الذي بإمكانهم أن يأخذوا هذه الكاميرا التي التقطت هذه الصور وهي محذوفة ويستطيعون أن يستخرجوها بعد الحذف. وكم سمعنا من مآسي، إما مآسي تدخل في باب الابتزاز، ابتزاز أن يقوم أهل هذه القرصنة بعد استخراجهم هذه الصور، ثم يهددون دار فلان ودار فلان إن لم تعطونا لنشرنا هذه الصور لكي يراها القاصي والداني، ابتزاز، أو كذلك ما يكون الفبركة العصرية هذه الذي يستطيع الإنسان أن يأتي بصورة إنسان شيء من صورته، ثم يركبها على حالة غير حميدة، مع وجود هذا التطور التكنولوجي، أنا أستطيع أن آتي بصورتك ثم أجعلك في صورتي شخص عريان أو تفعل الفاحشة أو يفعل بك فاحشة أو تكون بأي صورة مخزية. لقد وقع هذا، وخاصة مع وجود الذكاء الاصطناعي، ولهذا وجب الحذر من التهاون في هذا الباب وعدم الاسترسال. والسعيد من وفقه الله جل وعلا لتعظيم النصوص في هذه المسألة. فالشاهد في قوله عليه الصلاة والسلام: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس»، على رواية البخاري، «ونفسًا» على رواية مسلم، وهذا يعود إلى الوجه الإعرابي، قال: «عذابًا يجعل له بكل صورة صورها نفس أو نفسًا يعذب بها في جهنم يعذب بها». وهذا يجعلك على أن تعلم أن التصوير إن لم يكن كفريًا فهو من كبائر الذنوب، إذ أن صاحبه متوعد بالنار. وفي الحديث الآخر فيه إيضاح لهذا التعذيب، قال عليه الصلاة والسلام: «من صور صورة في الدنيا»، تأمل: «من صور صورة»، صورة كم؟ واحدة، واحدة، فما ظنك بالذي يصور عشرات والمئات والآلاف من الصور، كيف يكون عذابه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ». قال العلماء: صورة ذلك على أن هذا الإنسان الذي صور صورة أن هذه الصورة تجعل نفسًا، فيقال لمصورها: هذه صورة جعلناها نفسًا، ما الذي بقي منك؟ أنفخ فيها الروح. أنت تزعم أن هذا من عمل يدك، وأن هذا من نحتك، وأن هذا من صنع يدك، أردت به أن تماثل خلق الله، إذن ها هي الصورة أمامك، أنفخ فيها. ماذا قال نبينا؟ «وليس بنافخ»، من هذا الذي ينفخ الروح؟ هذا ليس إلا من خصائص الرب عز وجل، فما هو بنافخ. لكن هذا التهديد والوعيد يكون مع التعذيب، يعذب: أنفخ، يعذب. هذا إذا كان في حق نفس واحدة، فما ظنك بالأنفس التي ستشكل له على عدد الصور التي صورها؟ بهذا كما يقال: أن الأمر ليس بالسهل الهيين، فالأمر يحتاج إلى ماذا؟ إلى أن الإنسان يراعي هذا الباب. وقد ابتلينا بالتساهل، تجد الآن في المدارس أو في بعض الكليات التي تشتغل بالفن ما يسمى بالفن الرسم، ثم يطلق العنان بأن ترسم ما تشاء. لابد أن ينضبط بالضوابط الشرعية. وفي هذا الحديث فيه بيان للمنع، وهو أن ينفخ فيها الروح، إذن دل على أن هذه الصورة المحرمة التي تشغلها الروح هذا الذي يحرم عليك. أما ما سوى ذلك ليس بمحرم، وهذا أمر واسع، ارسم ما شئت، ارسم ما كان من صناعة البشر، كما يقول العلماء: ارسم البيوت، ارسم الآلات، ارسم المكائن، ارسم السيارات، ارسم الشوارع، ارسم هذه الذي صنعه الإنسان بيده، لا تعد ولا تحصى، وفن وحسن في صورتها، ما يضرك هذا. ويدخل في ذلك ما كان من خلق الله كالجبال والبحار والصحار، وهذا بالاتفاق. وقع الخلاف كما أشرنا في موضوع النباتات، لأنها تنمو فهي فيها نوع حياة، ومع ذلك جماهير العلماء على الجواز، ارسم هذه الأشياء إن كنت ولابد راغبًا في أن ترسمها، لكن ابتعد عن ذوات الأرواح، لأن الذي تكون من ذوات الأرواح هذه الصورة ستنتظرك يوم القيامة حتى تنفخ فيها الروح ولست بنافخ. فهذا لحديث إخواني في الله في أيدينا والتي مرت بين أيدينا حديث ابن عباس: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس، نفسًا يعذب بها في جهنم»، وحديث الآخر ومن حديث ابن عباس أيضًا: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها»، ما يكون من التهديد والوعيد الشديد على من تساهل في أمر التصاوير، وهو التصوير المحرم. وقد أشرنا إلى شيء من صوره، أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.