الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشرح بكتاب تجريد التوحيد للإمام المقريزي مبيناً مكانته ومنهجه السلفي وتميزه عن المذاهب الكلامية. ويوضح الفرق بين منهج أهل الحديث والظاهرية مع التمثيل بالنهي عن البول في الماء الراكد.
يوضح المقطع الفرق بين منهج الظاهرية الذين ينفون التعليل ومنهج أهل الحديث الذين يأخذون بالحديث مع التعليل مبيناً أن الاتفاق في بعض الأقوال أوقع الخلط بينهما. ويستعرض حال الإمام المقريزي المصنف في التاريخ وصاحب «الخطط» مؤكداً أنه من أهل الحديث لا من الظاهرية مع ذكر مولده ووفاته ومشايخه.
يبيّن المقطع أن مؤلف «تجريد التوحيد» نقل نصوصاً كثيرة من ابن تيمية وابن القيم دون ذكر أسمائهما خوفاً من الفتنة في عصر ساد فيه المذهب الأشعري والصوفي وعوقب المخالفون. ويشير إلى أن انتشار مذهب السلف ونصرته تم لاحقاً على يد محمد بن عبد الوهاب الذي نشر كتب الشيخين واختصرها.
يبيّن المقطع أن الكتاب سيركز غالباً على توحيد الربوبية والألوهية. ويشير إلى أن الدرس القادم سيبدأ بشرح محتوى الكتاب بعد هذه المقدمة الوجيزة مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن شاء الله تعالى، كما ذكرنا قبل، أننا نقرأ في كتاب «تجريد التوحيد» للإمام المقريزي. وهذا الكتاب كتاب ألفه المؤلف رحمه الله في توحيد الله جل وعلا، وذكر فيه عدة مسائل في التوحيد. والإمام المقريزي رحمه الله هو من أئمة السنة، وكان رحمه الله في زمن انتشرت فيه بعض البدع كالأشاعرة والصوفية وغيرهم من أهل البدع، إلا أنه هداه الله عز وجل للسنة، فكان متجردا للحق. كان أهله حنفاء، أي على مذهب الحنفية، خاصة أباه كان حنفيا. ثم إنه لم يتمذهب بالمذهب الحنفي، وإنما اتبع الشافعية، لكن مذهبه الذي كان يمشي إليه - وإن كان انتسابه للشافعي - مذهبه مذهب أهل الحديث، حتى أنه اتهم بأنه ظاهري. لأن مذهب أهل الحديث غالبا يتهم بالظاهرية. وهناك فرق بين مذهب أهل الحديث وبين الظاهرية، وهو أن مذهب أهل الحديث يأخذون بظاهر الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يجمدون في الظاهر، فليس أنهم يأخذون الظاهر بدون تعليل، بخلاف الظاهرية فإنهم يأخذون الظاهر بدون تعليل، حتى أنهم أحيانا يجمدون في الظاهر، فيأتون بأشياء منكرة. فمثلا على سبيل المثال: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن البول في الماء الراكد. لا شك أن النهي عن البول في الماء الراكد أنه يلوثه، وأيضا كثرة البائلين فيه سيلوث هذا الماء وما ينتفع به. لكن هؤلاء، ابن حزم وغيره من أهل الظاهر، قالوا: لا يجوز أن يبول مباشرة، أما لو جاء فبال في علبة أو جاء في شيء في وعاء ثم صبه في الماء فلا شيء فيه. وهذا كلام باطل، لأن هذا ليس فيه معنى نفي التعليل. فهنا البول الذي يصب في هذا الماء لا شك أن كثرة البول سيلوثه سواء كان مباشرة أو غير مباشرة. ففرق، والمسائل في هذا الباب كثيرة. ففرق بين ظاهرية أهل الظاهر وبين ظاهرية أهل الحديث. أهل الحديث يأخذون بما يكون من الحديث مع التعليل، مع تعليل المسائل. لهذا أحيانا يشتبه، أو تجد يتفق قول الظاهرية وقول أهل الحديث. لهذا ينسبون كثيرا من العلماء من علماء الحديث إلى أهل الظاهر. ومن هؤلاء الإمام المقريزي رحمه الله، كان ينسب إلى أهل الظاهر، وهو ليس ظاهريا، وإنما هو من أهل الحديث، يمشي على ما مشى عليه أهل الحديث. والمقريزي اشتهر كتابه «الخطط» في التاريخ، يسمى «خطط المقريزي»، وهو كتاب قوي جدا في التاريخ، وأيضا كتاب طيب جدا، وعلى منوال أهل السنة. أقصد أنه في الحوادث يأتي بكلام أهل السنة في ذلك، وبموقف أهل السنة، وغيرها من الأمور الطيبة التي في هذا الباب. وهو أيضا الذي ذكر أن أول من جاء بالمولد هم الفاطمية العبيدية الذين كانوا في مصر. والمقريزي مصري أيضا، وإن كان أصله شاميا من بعلبك، لكنه سكن مصر وولد في مصر. وكانت سنة ولادته معنا بعد السبعمائة وستين، معنا هكذا: سبعمائة وستين وشيئا. ومات سنة ثمانمائة وخمس وأربعين للهجرة. فهو في وقت الحافظ ابن حجر، أو فوقه قليلا. ولهذا يقول الحافظ: إنه سمع من مشايخنا، ومن فوقهم قليلا، على مشايخه: العراقي والبلقيني وجماعة من هؤلاء المشايخ. وكذلك الظاهر أنه كان يقرأ في كتب ابن القيم، شيخ الإسلام، ولهذا ذكر في هذا الباب، أو في هذا الكتاب، عدة نصوص من كلام الإمام ابن القيم، عدة نصوص أو عدة أشياء ذكرها من كلام مقتبسة من كلام ابن القيم، لكنه لم يذكر اسمه. وهذا يذكرنا أيضا بفعل ابن العز، صاحب كتاب «شرح الطحاوية»، تجد أنه ينقل النقولات الكثيرة عن شيخ الإسلام، وعن ابن القيم، لكن لا يذكر أسماءهم. لأن ذلك الوقت نفسه وقت ابن العز، ووقت المقريزي نفس الوقت. لكن ابن العز في الشام، والمقريزي في مصر. وهذا الوقت لما أدخل ابن تومرت مذهب الأشاعرة في الشام ومصر وغيرها، صار مذهب الأشاعرة هو السائد، ومن خالفه يعاقب. أقصد: من خالفه ينكر عليه، مثل أهل السنة الذين ينكرون عليهم. أما الصوفية والروافض وكذا، فهذا لا يكلمون. لهذا يعادون أهل السنة. وجاء أيضا صلاح الدين الأيوبي وغيره، ومشوا على هذا المذهب، فصار المذهب السائد مذهب الأشاعرة، ولا يستطاع أحد أن يخالفه جهرة. وكذلك أيضا مذهب الصوفية. لهذا تجد أنهم يذكرون مثل هذه النصوص، لكن ما يذكرون ابن القيم، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأجل الفتنة التي حصلت في وقتهما، وكذلك بعد وقتهما يسيرا. ثم انتشر مذهب أو كلامهم، وانتشر مناصروهم، وخاصة بعد أن جاء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، نصر مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونشر كتبه، ونشر كتب ابن القيم، واختصرها، فكان ناصرا لما ذهب إليه الشيخان رحمة الله عليهما، وهو مذهب السلف. فإمامنا صاحب هذا الكتاب «تجريد التوحيد» هو إمام من أئمة أهل السنة، وأكثر كلامه كلام أهل السنة، وقد أثبت أيضا الصفات في بعض كتبه. وأما هذا الكتاب فهو يتكلم غالبا في توحيد الربوبية والألوهية. إن شاء الله في الدرس اللاحق ندخل في الكتاب، فهذه مقدمة يسيرة، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.