شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 3

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 3

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة التوحيد: تعلق القلب بالله وقطع الالتفات للأسباب

يبيّن المقطع أن حقيقة التوحيد هي رؤية الأمور كلها من الله وقطع تعلق القلب بالأسباب غير المؤثرة، مع وجوب الأخذ بالأسباب الشرعية والقدرية والاعتقاد أن المسبب الحقيقي هو الله وحده، مستدلاً بحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب لتميزهم بالتوكل الصادق وترك التعلق بغير الله.

التوحيد والاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب

يؤكد المقطع أن حقيقة التوحيد هي قطع التعلق بغير الله والاعتماد عليه وحده، مع وجوب الأخذ بالأسباب الشرعية وعدم إهمالها بدعوى التوكل، كما دل عليه آية التزود للحج وحديث ابن عباس في سؤال الله والاستعانة به.

كمال التوحيد وثمراته: التعلق بالله والتوكل والرضا

يشرح المقطع حقيقة كمال التوحيد بأنها تعلق القلب بالله وحده وإسناد الأمور إليه، مع الإيمان بأن الخير والشر من الله، ويثمر ذلك التوكل الصادق، وترك شكاية الخلق ولومهم، والرضا بحكم الله وقدره، مؤكداً أن تحقيق التوحيد يستلزم إخلاص العبادة لله مع التعلق به.

الربوبية والألوهية والرحمة كصلة بينهما

يوضح المقطع أن الربوبية من الله لعباده والألوهية من العباد لله، وأن الرحمة هي الوصلة الرابطة بينهما، مشيراً إلى تأجيل تفصيل هذا الموضوع لدرس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى في حقيقة التوحيد: قال: «فإن التوحيد حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله، أو أن ترى الأمور كلها من الله رؤية تقطع التفاتك إلى الأسباب والوسائط، تقطع التفاتك إلى الأسباب والوسائط». أن هذا حقيقة التوحيد، وهو التعلق بالله، التعلق بالله جل وعلا. ودليل هذا ما ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه التوحيد، باب: «من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب»، فذكر من يدخل الجنة بغير حساب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حديث ابن عباس الذي في الصحيحين: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، وعلى ربهم يتوكلون». فهذه الأمور العظيمة المراد بها التعلق بالله جل وعلا، وعدم الالتفات إلى غيره، وعدم الالتفات إلى غيره. وهنا الالتفات المراد به: قال: «تقطع التفاتك إلى الأسباب»، المراد بالأسباب هنا التي تكون فيها معنى الأسباب التي ليس لها أثر في العمل، أسباب التي ليس لها أثر في العمل، وليست أيضًا أسبابًا شرعية ولا قدرية. وأما الأسباب الشرعية أو القدرية، فإن الالتفات إليها يكون شرعيًا، الالتفات يكون إليها شرعًا. فلهذا فهنا المراد لعل المؤلف يريد أنه لا تعتقد تأثير شيء من الأسباب، وإن المؤثر هو الله جل وعلا، والمسبب لهذه الأسباب هو الله سبحانه وتعالى. فلهذا فيكون توكل العبد على الله جل وعلا، لكن مع اتخاذ الأسباب الشرعية، مع اتخاذ الأسباب الشرعية؛ لأن ترك الأسباب يعتبر خدشًا في التوحيد، والاعتماد على الأسباب شرك بالله جل وعلا. فلهذا يحتاج إلى الأسباب أنه يعملها شرعًا، لكن يعتقد أن المسبب هو الله جل وعلا. فقد يكون الشيء بدون سببه، قد يكون الشيء بدون سببه، لكن المسبب هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا فالنار طبعها الإحراق، لكن الله عز وجل جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم. وهكذا فالمسبب هو الله عز وجل، لكن لا بد للمؤمن أن يعتقد بهذه الأسباب ويمشي عليها، لكن لا يعتقد أن التأثير بذاتها، وإنما التأثير بالله جل وعلا، أو تأثيرها بالله سبحانه وتعالى. لكن هنا يريد أنك تقطع الالتفات إلى الأسباب، ليس المراد أنك لا تلتفت إلى الأسباب، كمثل ما يفعل بعض المتصوفة أو غيرهم. مثل ما قال الله عز وجل: لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]، قال ابن عباس: كان ناس من اليمن يأتون إلى الحج بدون زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، يقولون: نحن المتوكلون. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]. فلا ينبغي للإنسان أن يسلك هذه المفاوز وهذه القفار وهو بدون طعام، فهذا يؤدي بنفسه إلى التهلكة. فلا بد أن يتخذ الأسباب الشرعية، فيأخذ معه زادًا، أو يأخذ معه ماء، أو كذا، أو أنه يعرف هناك أناسًا يذهب إليهم، أو غيرها من هذه الأسباب. أما أنه يذهب وهو يعلم أنه يقطع مفازات ليست بميسرة وقد يهلك فيها، فهذا يلقي بنفسه إلى التهلكة، فهذا يلقي بنفسه إلى التهلكة. فلهذا فالمراد قطع الالتفات إلى الأسباب، أي أنه لا يعتمد على الأسباب، لا يعتمد على الأسباب، وإنما يعلم أن الأمور كلها من الله جل وعلا. فهذه حقيقة التوحيد: هو قطع العلايق بالخالق سبحانه وتعالى، قطع العلايق عن الخالق جل وعلا، أي لا يتعلق بعبادته لله عز وجل بغيره، بل لا بد أن يقطع هذه الوسائق والعلايق التي بينه وبين الله. وهذا التعريف تعريف بعض أهل التصوف، لكنه صحيح، وذكره الإمام الهروي في منازل السائرين، وأقره أيضًا الإمام ابن القيم رحمة الله عليه. لكن الأولى أن يقال: إن حقيقة التوحيد هو الاعتماد على الله جل وعلا في كل الأمور، الاعتماد على الله عز وجل في كل الأمور، وأيضًا قطع... ولا يجعل تعليقه بغير الله جل وعلا. وهذا مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». فيجعل سؤاله كله لله، وحوائجه لله، فلا يحتاج إلى غيره. وكما جاء في الدعاء الذي جاء في سنن الترمذي: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، وأغنني بفضلك عمن سواك». فيكون تعلقه أعظم بالله جل وعلا. وهذا كمال التوحيد أو حقيقة التوحيد. لكن المؤلف هنا يريد أن يتكلم على توحيد الربوبية والألوهية، فأراد أن يبين أولًا كمال التوحيد الذي يطلبه الله عز وجل من العباد، وهو التعلق بالله جل وعلا، وإسناد الأمور إليه جل وعلا، وأن كل شيء بيده سبحانه وتعالى، فتتعلق القلوب به جل وعلا، فتتعلق القلوب به سبحانه وتعالى. قال: «فلا ترى الخير والشر إلا منه تعالى». أيضًا هذا في باب القضاء والقدر، وأن المرء يعتقد أن الخير والشر من الله سبحانه وتعالى. فلهذا يقدم على الأمور، ويتوكل على الله جل وعلا، وأيضًا يعمل لله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم أن الأمر منه جل وعلا. قال: «وهذا المقام يثمر التوكل، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله، والتسليم لحكمه». وهذا أيضًا المقام عظيم، هذا مقام عظيم جدًا، أن المسلم يتوكل على الله جل وعلا، ويترك شكاية الخلق، وأيضًا يترك كل ما يكون فيه شكاية، وأيضًا كذلك ما يكون فيه عدم رضا عن الله جل وعلا، وعن حكمه، وعن قدره، وعن أسبابه سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، فإنه يرضى بالله ربًا. معنى: إذا ترك مثل هذه الأمور فهو الرضا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيًا. لكن أيضًا مقابل هذا أنه يجعل طاعته كلها لله، وعبادته كلها لله، فهذا هو كمال التوحيد مع ما ذكره المؤلف. لكن لا يقتصر على ما ذكر فقط، وإنما كمال التوحيد وحقيقته أن يخلص العبادة لله جل وعلا، ويترك الشكاية، وكذلك يتوكل على الله جل وعلا، ويعتمد على الله سبحانه وتعالى في كل أموره، لكن يدخل العبادة معه. ولهذا كأن المؤلف أحيانًا يخلط بين الربوبية وبين الألوهية. لكن كما قلنا: أن من عبد الله عز وجل، وجعل العبادة لله، وتعلق قلبه بالله، وترك كل العلائق والوسائط، فإنه أقام التوحيد وحقيقته. قال: «إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الربوبية منه تعالى لعباده، والتأله من عباده له سبحانه وتعالى، كما أن الرحمة هي الوصلة بينهما، بين الله عز وجل». طيب، هذا إن شاء الله نتركه في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر