الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 113، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يفسر المقطع آية «يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين» موضحاً أن الله وحده كافٍ لرسوله ولأتباعه، وأن التوكل عليه يستلزم عدم التعلق بغيره. كما يبين آية «ومن يتوكل على الله فهو حسبه» أن من صدق توكله كفاه الله وحفظه، ونقل قول ابن القيم في أن المتوكل لا يضره عدوه إلا أذى يسير.
يشرح المقطع معنى الآية ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ مبيناً أن التوكل على الله يحفظ من المضرة الحقيقية، وأن الأذى كالجوع والبرد لا يضر المتوكل بينما من يتوكل على غير الله يُخذل. ويستشهد بحديث «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» الذي قاله إبراهيم ومحمد عليهما السلام في الشدائد داعياً لإخلاص التوكل لله وحده.
يُذكر المقطع كيف ألقي إبراهيم عليه السلام في النار فقال «حسبنا الله ونعم الوكيل» فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، وكيف قال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكلمة نفسها عند تهديد أبي سفيان بعد أحد فألقى الله الرعب في قلب العدو فانصرفوا. يوضح أن هذه الكلمة سبب لكفاية الله ونصره.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد للدرس وقرر تأجيل المسائل والفوائد المتبقية إلى الدرس القادم. ختم الجلسة بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا زلنا في باب التوكل على الله عز وجل، في باب قول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. وأخذنا بعض المباحث المتعلقة بالتوكل، ثم أخذنا آيتين مما ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، وهما قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ الآيات. ثم ذكر الآية الثالثة، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. والشاهد من هذه الآية: أولاً نعرف معناها. «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ» هذا خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفة النبوة. وقوله: «حَسْبُكَ» أي: كافيك الله، فالحسب هو الكفاية. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ أي: ما حسبك إلا الله. وقوله: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين الله. وكما أن الله عز وجل كافيك، فهو كذلك سبحانه وتعالى كافي أتباعك، كافي أتباعك الذين آمنوا بك. ووجه الشاهد من هذه الآية: أن الله وحده هو الكافي لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فليتوكلوا عليه، فليتوكلوا عليه. إذا كان الله عز وجل وحده سبحانه وتعالى كافينا، فما بالنا نتعلق بغيره ونتوكل على غيره، وهو سبحانه وتعالى الكافي لنا؟ هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. والآية فيها فضل اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن من ثمار الاتباع كفاية الله عز وجل لأتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ذكر الآية الرابعة تحت هذا الباب، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. ومعنى الآية: من يصدق في اعتماده على الله سبحانه وتعالى وثقته به عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى كافيه وحافظه ومؤيده وناصره. فالشاهد من هذه الآية في باب التوكل: فيه وعد من الله سبحانه وتعالى بأن من توكل، من توكل عليه فسوف يكفيه، فسوف يكفيه. فإذن لا نتوكل إلا عليه، فهو الكافي سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله عند هذه الآية: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» أي: كافيه. ومن كان الله كافيه وواقيه، فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى ولا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش. يعني: عدوك إن كنت متوكلا على الله لا يضرك إلا كما يضر... يضرك الحر والبرد، شيء في يسير وتستطيع ربما أن تتقيه. لا يضرك إلا أذى، شيء من الأذى الذي لا تخلو النفس البشرية في هذه الحياة الدنيا منه، لأنها دار ابتلاء ودار محن. ففيه فضل التوكل على الله سبحانه وتعالى. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾. لا يضروكم إن توكلتم على الله إلا أذى، أي: كالحر والبرد والجوع والعطش الذي هو من طبيعة الإنسان. أما أكثر من ذلك فلن يضروكم أبداً، فلن يضروكم أبداً إن كنتم متوكلين على الله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذه الآية، وفيها فضل التوكل على الله عز وجل، أي: ومن يتوكل على الله فهو يكفيه مهماته ويسر له أمره، ولو حصل له بعض الأذية فإن الله يكفيه. والرسول صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرة. ففرق بين الأذى وبين المضرة: فالجوع يؤذيك، والعطش يؤذيك، والحر يؤذيك، والبرد يؤذيك، لكن لا يضرك، لا يضرك ولا يؤثر فيك، تستطيع دفعه: فالجوع بشيء من الأكل، والعطش بشيء من الماء، والبرد بشيء من الكساء أو الغطاء، والحر بشيء من الظل ونحو ذلك. قال ابن العثيمين: والآية تفيد بمفهومها أن من توكل على غير الله خذل، ويسمى بمفهوم المخالفة. فالله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ أي: كافي. فمفهوم مخالفة هذه الآية: أن من يتوكل على غير الله خذل، لأن الله عز وجل يتخلى عنه، يتخلى عنه. فمن توكل على شيء وكل إليه. فإن تعلقت بمخلوق، وكل الله عز وجل إلى هذا المخلوق، وماذا عسى أن يغني عنك، وماذا عسى أن يقدم لك، وهو بحاجة إلى كفاية الله، وإلى توفيق الله، وإلى حفظ الله سبحانه وتعالى؟ فهذا فيه دعوة لنا جميعا معاشر الأحبة أن نخلص التوكل لله عز وجل وحده، وأن لا نتوكل على غيره، وأن لا نتوكل على غيره. ثم ذكر بعض الأحاديث، أو حديث ابن عباس تحت هذا الباب. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قالوا: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ»، فزادهم إيماناً وقالوا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». ومعنى «حَسْبُنَا اللَّهُ»: أي كافينا الله. و«نِعْمَ الْوَكِيلُ»: نعم من يتوكل على الله سبحانه وتعالى فهو وكيلنا عز وجل، نعم الوكيل. والشاهد من هذا الحديث: أن التوكل عبادة حقيقتها... أو حققها أن التوكل عبادة حققها خليلاء الرحمن، خليلاء... خليلاء الرحمن، وهما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبي الله إبراهيم عليهما السلام، وهما لنا قدوة، وهما لنا قدوة. وفي هذا الحديث بيان فضل هذه الكلمة في الشدائد، في الشدائد: إذا وقعت بك شدة، فالتج إلى الله، وادع الله، ووكل أمرك إلى الله سبحانه وتعالى وحده. فانظر إلى خليل الله إبراهيم عليه السلام، متى قال هذه الكلمة؟ عندما ألقي في النار، لما جمعوا له ذاك المقام العظيم، فأوقدوا ناراً، جمعوا لها الحطب الكثير، ومن شدة هولها ونيرانها لم يستطع أحد منهم أن يقترب منها، فأتوا بالمنجنيق كما جاء في بعض كتب التفسير، حتى ألقوا نبي الله إبراهيم من هذا المنجنيق، لشدة حر هذه النار، لمن اقترب منها، لمن اقترب منها. فلما ألقوه في النار ظلماً، وكذلك ألقوه في النار لأنه دعاهم إلى الحق، إلى التوحيد، إلى عبادة الله عز وجل وحده، فقال عليه السلام لما ألقي في هذه النار: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». فلم تضره هذه النار. وهذا تفسير للآية المتقدمة، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فكفاه الله عز وجل شر هذه النار، فقال لها: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾، فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم، ولن تضره شيئاً. فهذه لا شك أنها شدة عظيمة، شدة عظيمة وقع فيها نبي الله إبراهيم عليه السلام. وأما الموقف الآخر من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي كذلك شدة عظيمة وقعت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لما انصرف أبو سفيان وجيشه من أحد بعدما قتلوا من قتلوا من المسلمين. انصرف أبو سفيان وجيشه من أحد، أرادوا الرجوع مرة أخرى إلى المدينة، فمر به ركب من عبد القيس، مروا بأبي سفيان، فقال لهذا الجيش، أو لهذا الركب: قال أبو سفيان لهذا الركب: «أَخْبِرُوا مُحَمَّداً أَنَّ قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ». يعني: أراد من هذا الركب أن يخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فبلغ الركب الرسالة، بلغ الركب رسالة أبي سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم ومن معه: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، إلى حمراء الأسد، موضع خارج المدينة، ويبعد عن المدينة ثلاثة أميال. فبلغ ذلك أبا سفيان، فألقى الله الرعب في قلبه، ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فانصرف ولم يقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما خاف وارتعب ورجع إلى مكانه وبلده. فأنزل الله عز وجل: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾. أي: وإنما خاف، وإنما خاف، وإنما خاف... فانقلبوا بنعمة من الله وفضل، لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله. والقصة مشهورة في كتب السير وكذلك كتب التفسير. فانظر كيف نفعت هذه الكلمة، وكانت سبباً بإذن الله عز وجل في كفاية المؤمنين، وفي قذف الرعب في أعداء المؤمنين. فلا تستهن بهذه الكلمة: من ظلمك، أو وقعت في كربة وشدة، فألهج بهذه الكلمة: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، فإن الله كافيك، وإن الله مفرج عنك بإذنه سبحانه وتعالى. طيب، لعل الوقت قد انتهى، فما بقي من مسائل أو فوائد نؤجلها إن شاء الله إلى درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر