الخطبة بعنوان القومية والمناطقية جذور الضعف والهزيمة، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 18 محرم 1448هـ الموافق 3 يوليو 2026م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحذر الخطبة من الدعوات المناطقية والقبلية التي تفرق الأمة، وتؤكد أن الكرامة بالتقوى لا بالنسب، داعية للتمسك بحبل الله وسنة نبيه لاستعادة العزة والوحدة.
يبيّن المقطع كيف انتشر الإسلام بعدله وسماحته، وينهى النبي عن العنصرية والقبلية، مستشهداً بسقوط الأندلس وضعف الخلافة العثمانية نتيجة لتلك الدعوات، محذراً من استغلال الأعداء للقوميات لتمزيق الوحدة.
يحذر المقطع من الدعوات المناطقية والقبلية التي تفرق المسلمين، مؤكداً أن الولاء والبراء يجب أن يكونا على أساس الدين، وأن العزة الحقيقية تأتي بالاعتصام بالإسلام والعمل الصالح.
يدعو المتحدث الله أن يغفر للمسلمين والمسلمات أحياءً وأمواتاً، وأن يجعله من التابعين لهم على ما يحبه الله ويرضاه، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
وإنه كما يدعى إلى الاجتماع في قوة أهل الإسلام، فكذلك يدعى إلى الاجتماع في قوة أهل بلد ما. فأيما بلد أراد أهله القوة، فلن تكون هذه القوة بالدعوات المناطقية، ولا الدعوات القبائلية، ولا الدعوات الشعوبية، ولكن باجتماع أهل البلد على ثوابت هذا الدين: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أبيض، ولكن الأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. القومية والمناطقية جذور الضعف والهزيمة. إن تأملت العبادة، عبادة أهل الإسلام، عبادة عظيمة. وإن تأملت المعاملات، معاملات أهل الإسلام، معاملات عظيمة. وإن تأملت المنهاج والأخلاق والسلوك، وجدت منهاجاً وأخلاقاً وسلوكاً جميلة عظيمة، تدعو كل منصف أن يدخل في هذا الدين العظيم. فكيف أيضاً ضاف إلى ذلك من أعظم ثوابت هذا الدين محارمة العنصرية والمناطقية والقبائلية، وهكذا الدعوات الشعوبية. الدعوات الشعوبية. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الله بن مرعي، حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ الثامن عشر من شهر الله المحرم، لعام ألف وأربعمائة وثمانية وأربعين من الهجرة النبوية، على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. فالحذر الحذر، معاشر المسلمين، من الدعوات المناطقية والشعوبية والقبائلية، التي تضعف قوتنا، وتهرق جمعنا، وتدخل أعداءنا بيننا، فيكونون سبباً في عجزنا ودخول الشر بيننا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي قوتكم. إن الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فيا عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، يا عباد الله: يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يبين لنا ربنا جل وعلا أنه خلقنا ذكوراً وإناثاً، وشعوباً وقبائل، وأن لله حكماً في ذلك مما يكون من اختلاط الناس، وفي معاشهم ومعادهم. ولكن الأمر والشأن الأعظم أن نعلم أنه لا فخر لأحد على أحد، لا بشعبه، ولا كذلك بقبيلته، ولا بجهته، وإنما الكرامة عند الله بتقوى الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، يا عباد الله: جاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس متفرقون تفرقاً عظيماً. كان العرب وهم أهل شعب واحد، ولغة واحدة، وأرض واحدة، وتاريخ واحد، وقبائل متقاربة، ومع ذلك كانوا متناحرين تناحراً عظيماً. بل كانت قبائل العرب تتناحر وتتقاتل، ويحصل بينها من القتل والقتال ما كان ربما يبقى مئات السنين. فجمع الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم هذه الأمة، وأكرمهم بأعظم كرامة في تاريخ البشرية، إذ أكرمهم بهذا الدين العظيم، الذي به كان قوتهم وعزتهم ورفعتهم ومكانتهم في هذه الدنيا، وكذلك بإذن الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. ولم يكن ذلك بسبب عربيتهم، ولا قبائلهم، ولا مناطقيتهم، وإنما كان ذلك بسبب تمسكهم بدين الله جل وعلا، الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم. بعد أن كانوا يرعون الشاة والبعير، مكنهم الله عز وجل أن يرعوا الأمم، فكانوا خير أمة أخرجت للناس. قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبيناً هذه الحقيقة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، أي نعمة الإيمان، ونعمة الإسلام، ونعمة التمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، إخواناً. ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾، أي بالكفر، ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. أيها المسلمون، يا عباد الله: الذي أعزنا في أول هذا الأمر بهذا الدين العظيم، وجمعنا، وأعطانا من القوة، وأعطانا من المنعة، فإنه قادر أن يجمعنا كذلك بعده. وتأملوا في تاريخ أهل الإسلام: لما اعتصموا بدين الله سبحانه، وبكتاب الله، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، جعلهم الله عز وجل أمة قوية. إذ دخل فيها العربي والأعجمي، ودخل فيها الغني والفقير، ودخل فيها كذلك القريب والبعيد، كلهم اعتصموا بدين الله سبحانه وتعالى، فكانت أقوى رابطة وأعظم وثيقة يعتصم بها أهل هذا الدين. وعند ذلك انتشر هذا الدين العظيم في فترة يسيرة. بعد أن كان الناس يرعون الشاة والبعير، صاروا يرعون الأمم. من كان يظن أن أهل الإسلام سيمكنهم الله عز وجل من أكبر مملكتين عرفتهم البشرية في ذاك العصر: مملكة فارس والروم، في سنوات يسيرة؟ مكنهم الله عز وجل، حتى وصلت بلاد أهل الإسلام ما لم يصله تاريخ مملكة في تاريخ البشرية. بلغ ملك أهل الإسلام أقصى الشرق شرقاً، وأقصى الشمال شمالاً، وأقصى الجنوب جنوباً، وأقصى الغرب غرباً. وما ذلك إلا لأن هذا الدين دعا من يعتصموا بدين عظيم، فيه من السماحة والجمال والكمال والعدل وخير الخصال، ما كان يدعو كل أحد منصف أن يدخل في هذا الدين. فدخل الملوك والأمراء، ودخل كذلك سائر الناس من الشعوب والفقراء، كلهم دخلوا في دين الله عز وجل. آمن أهل اليمن جميعاً لغير حرب ولا قتال، وذلك لما رأوا من جمال هذا الدين، ولما رأوا كذلك من محاسنه. وهكذا صار هذا الدين يدخل إقليماً إقليماً، ومنطقة منطقة، وبلداً بلداً، والناس يدخلون فيه أفراداً وجماعات. لأن ثوابت هذا الدين وأصوله أصول عادلة، وثوابت جميلة، لا يسمع بها أحد إلا وينشرح قلبه للدخول في هذا الدين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. إن تأملت العقيدة، عقيدة أهل الإسلام، عقيدة عظيمة. وإن تأملت العبادة، عبادة أهل الإسلام، عبادة عظيمة. وإن تأملت المعاملات، معاملات أهل الإسلام، معاملات عظيمة. وإن تأملت المنهاج والأخلاق والسلوك، وجدت منهاجاً وأخلاقاً وسلوكاً جميلة عظيمة، تدعو كل منصف أن يدخل في هذا الدين العظيم. فكيف أيضاً ضاف إلى ذلك من أعظم ثوابت هذا الدين محاربة العنصرية والمناطقية والقبائلية، وهكذا الدعوات الشعوبية؟ ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم عرفة، كما جاء عند الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن نبي نظرة، عن من سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان قال في خطبة، في خطبة يوم عرفة: «يا أيها الناس، يا أيها الناس» قال: «يا أيها الناس، أما إنه لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى. أيها الناس، هل بلغت؟» قال الراوي: فقال الناس: «بلغت يا رسول الله، بلغت يا رسول الله». هذا هو نبينا صلى الله عليه وسلم يكثر ويكرر على الناس أنه لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أبيض، ولا كذلك لأهل قبيلة على قبيلة. ولما سمع بعض الناس يدعو بدعوة الجاهلية، قال عليه الصلاة والسلام: «من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بها من أبيه، ولا تكنوا». فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن التعزي بعزاء الجاهلية وعصبيتها. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم سمع مرة حين وقعت فصوم بين مهاجر وأنصاري، فقال المهاجر: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينها: «أبدعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم؟» أي لا يجوز أن يتنادى أحد إلى عشيرته، ولو كان ذلك له أصل في الإسلام. أهل الهجرة لهم فضل في الإسلام لسابقتهم ونصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا يعني ذلك أن يكون هذا سبباً للولاء والبراء الضيق. وهكذا كذلك الأنصار، لهم منزل عظيم في الإسلام، ولهم سابقة من نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين، لكن لا ينبغي أن تكون سبباً للولاء والبراء الضيق. فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا التعزي، وعن هذه كذلك الدعوة، لأنها دعوة تعيد الناس إلى معاني ضيقة، وإلى دعوة الجاهلية. فبهذا نعرف، أيها المسلمون، يا عباد الله، أن كل من يفرق أهل هذا الدين بدعوات مناطقية، أو قبائلية، أو كذلك شعوبية، فإنها مرفوضة في دين الإسلام. بل هي سبب لضعف أهل الإسلام، وتسلط أعدائها عليها. وانظروا ماذا فعل أعداء هذا الدين، حين أرادوا أن يضعفوا أهل هذا الدين: أثاروا الدعوات الضيقة، لأجل أن يكون ولاء وبراء ضيقاً يفرق المسلمين. فانظروا ما وقع في الخلافة العباسية والخلافة الأموية، من تلك الدعوة التي كانت سبباً في حروب وقتل وقتال، أضر بالإسلام والمسلمين كثيراً. وانظروا كيف استغلنا أعداء هذا الدين كذلك في تفريق المسلمين بتلك الدعوات المناطقية والقبائلية، في إضعاف أهل الإسلام في بلاد الأندلس. وهل سقطت الأندلس إلا بسبب الدعوات المناطقية والقبائلية، وكذلك الولاء والبراء الضيق، الذي من خلاله دخل أعداء هذا الدين لنصرة بعض الفرق؟ فلما أضعفوا دولة أهل الإسلام في الأندلس، وأضعفوا الأقوى، تسلطوا عند ذلك على الأضعف، وكان أمراً يسيراً أن يسقطوا الضعيفة بعد أن أسقطوا القوي. وهذه سنة أعداء الإسلام. ولذلك لا تستغرب إذا سمعت بدعوات فيها ولاء وبراء ضيق، لمعاني شعوبية، أو كذلك قبائلية، أو مناطقية، إنما يراد بها إضعاف أهل الإسلام. وهكذا كذلك تأملوا ما وقع في الخلافة العثمانية: فإنها أضعفت حين أتى أعداء هذا الدين، وأتوا بتلك الدعوة التي هي الدعوة إلى القومية التركية. فأول ما قامت الدعوة إلى القومية التركية، كان ذلك أول ضعف تلك الدولة العثمانية. فعندها حصلت من الصراعات والخلافات والنزاعات، ما كان سبباً في إضعاف تلك الخلافة العثمانية، وتسلط أعدائها عليها. وهكذا أمة الإسلام وبلاد الإسلام: فإنهم أدخلوا فيهم تلك الدعوات الشعوبية، من الدعوة إلى القومية العربية، والدعوة كذلك إلى الفرعونية والفينيقية: الفرعونية في مصر، والفينيقية في الشام، والعربية في جزيرة العرب. فرقوا أهل الإسلام، وجعلوا ولاء وبراء تكون له تبعات عظيمة، من أعظم تبعاته: تفريق أهل الإسلام، وتمزقهم، وتناحرهم، وإدخال الشر بينهم. ثم يكون الولاء والبراء على حساب ثوابت هذا الدين. فربما يكون العربي يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً أو ملحداً أو علمانياً، فيكون الولاء معه ضد غيره، ولو كان غيره مسلماً موحداً متبعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا لا شك أنه من أبطل الباطل. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. فإن القرب الحقيقي هو قرب الدين. وإنما ما جعل الله عز وجل غيره من القرابات لمعاني أخرى، لا يمكن أن تكون على حساب هذا الدين. ولذلك جعل الله عز وجل في هجرة المهاجرين، المهاجرين إلى المدينة، أخوة عظيمة بين المهاجرين والأنصار، حتى أنه كان في أول الإسلام يورث المهاجري الأنصاري بهذه الأخوة، ويرث الأنصاري المهاجري بهذه الأخوة، ولا يرث أخوه وأخوه من النسب ما دام كافراً. ولا يزال هذا بعض هذا المعنى إلى اليوم، فإنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم في دين الإسلام، ولو كان أخوك من النسب وشقيقك، إن كان كافراً لا يرثك. لماذا؟ لأن هذا بعيد عنك في الدين، فقوة الدين أعظم من غيره. فالحذر الحذر، معاشر المسلمين، من الدعوات المناطقية والشعوبية والقبائلية، التي تضعف قوتنا، وتفرق جمعنا، وتدخل أعداءنا بيننا، فيكونون سبباً في عجزنا ودخول الشر بيننا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي قوتكم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع بيننا وبين أهل الإسلام، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أيها المسلمون، يا عباد الله: وإنه كما يدعى إلى الاجتماع في قوة أهل الإسلام، فكذلك يدعى إلى الاجتماع في قوة أهل بلد ما. فأيما بلد أراد أهله القوة، فلن تكون هذه القوة بالدعوات المناطقية، ولا الدعوات القبائلية، ولا الدعوات الشعوبية، ولكن باجتماع أهل البلد على ثوابت هذا الدين: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أبيض. ولكن الأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أليس بالإسلام؟ أليس بالإسلام سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وهكذا بلال الحبشي؟ إن الكرامة الحقيقية إنما هي بهذا الدين العظيم، والقوة الحقيقية باجتماع أهل هذا الدين، ولو كان أسود أو أبيض أو أحمر، أو كان عربياً أو أعجمياً، فالكل يجتمعون ويرتبطون برباط هذا الدين، وبهذا تكون قوتهم. وإذا تأملت فشل بعض البلدان، وكثرة الحروب، وكثرة الفتن فيها، لوجدت من أعظم أسبابها تلك الدعوات المناطقية والقبائلية والشعوبية، التي كانت سبباً في الحروب المتتابعة، والتناحر الذي لا ينقطع. لأنه كلما تسلطت فرقة ظلمت واضطهدت الفرقة الأخرى، فلم يزل ذلك دولاً بين القوي والضعيف، يغلب هذا ثم يغلب الآخر، ولا تزال تلك الحروب والمناحرات والمناكفات والصراعات، حتى يهلك بعضهم بعضاً، ويكون المنتصر فيها مهزوماً، لأنه إنما ينتصر على أخيه في النسب أولاً، ثم في الأرض ثانياً، ثم قبل ذلك كله في الدين. ولذلك وجب على الجميع أن يتأمل هذه الحقيقة: أن الشيء الذي أعز الله عز وجل به أمتنا في أول الأمر، هو الذي سيعزنا بإذن الله سبحانه. كما قال عمر رضي الله عنه أرضاه: «إنا قوم أعزنا الله بهذا الدين، فمن ابتغى العزة في غيره أذله الله». وكما روي عن مالك وغيره، رحمهم الله تعالى: «من أن ما كان به نصر أهل الحق في أول الأمر، فإنه يكون كذلك في آخر الأمر». فالقوة والمكنة والعزة إنما تكون بالتمسك والاعتصام بهذا الدين العظيم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وقال قبلها: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين». فالفقه بالدين، والاعتصام بالدين، سبب للظهور في الأرض والتمكين، ولحصول الخير الديني والدنيوي، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجمع كلمتنا على هذا الدين العظيم، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح أحوال المسلمين بكل مكان، وأصلح أحوال المسلمين في اليمن وسائر بلاد الإسلام، يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا، ولا تفتننا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. اللهم واجعل في هذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك. اللهم يا رب العالمين، اجعل لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل الكفر بك ومعصيتك. اللهم آمين، يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، واجعلنا يا رب العالمين ممن يتبعهم ويخلفهم في هذا الدين على ما تحبه ويرضاه، رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.