الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 116، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الشيخ ابن عثيمين أن الصبر على أقدار الله من شعب الإيمان وأعمال القلوب، ويقسمه إلى الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على الأقدار المؤلمة مع بيان حكمة الترتيب. كما يذكر أصل الصبر لغوياً ويبدأ باستعراض أقسام الناس عند المصيبة مبتدئاً بالمتسخط.
يبين المقطع أربعة مراتب للناس عند نزول المصيبة، فالتسخط كبيرة محرمة، والصبر واجب بإجماع، والرضا أعلى من الصبر وينقسم إلى واجب ومستحب، بينما الشكر يمثل أرفع مراتب التعامل مع البلاء. وتوضح هذه القسمة الفروق الدقيقة بين كل مرتبة وآثارها الشرعية.
يؤكد المقطع أن الشكر عند المصيبة هو أعلى مراتب الصبر وثمرة الإيمان بالقضاء والقدر، مستدلاً بالآية الكريمة وأقوال السلف كعلقمة وابن مسعود وسعيد بن جبير. ويفسر "يهدي قلبه" بالطمأنينة والرضا والتسليم التي تسكن الجوارح وتمنع الجزع.
يوضح المقطع أن الصبر عند المصيبة ينبع من الإيمان الصادق ويُعد دليلاً على صدق إيمان العبد. ويشير المؤلف إلى وجود أدلة أخرى من السنة سيذكرها في دروس قادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن الصبر على أقدار الله من أعمال القلوب، والأبواب المتقدمة -كما مر معنا- هي أبواب متعلقة بالقلوب. وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: من حيث أنه يدل على التسليم لله فيما قضاه الله وقدره، والتسليم لله من صميم الإيمان ومن صميم التوحيد. فهذه هي مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد. فالصبر على أقدار الله من شعب الإيمان بالله. والشيخ العثيمين هنا يقول: أقسام الصبر ثلاثة: الصبر على طاعة الله حتى تؤدى، وهذا من الصبر على الأوامر كصلاة وصيام. والنوع الثاني من أقسام الصبر: الصبر عن معصية الله حتى تجتنب، كاجتناب الشرك وسائر المحرمات كبدع وكبائر ومعاصٍ. والثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، كموت قريب، أو ذهاب بصر، أو وقوع في حادث فذهبت سيارتك، أو كسرت رجلك، أو نحو ذلك من الأقدار المؤلمة. فهذا الباب يتحدث عن هذا النوع من أنواع الصبر. والشيخ العثيمين يقول أيضاً: قدم الصبر على الطاعة، يعني لما يعرف العلماء الصبر ويذكرون أقسامه فيبدأون بذكر الصبر على طاعة الله، لماذا يقدمون هذا؟ قال: قدم الصبر على الطاعة لأنه يتضمن إلزاماً وفعلاً فهو مأمور به، ثم الصبر عن المعصية لأن فيه كفاً أي فيه امتناع عن المعاصي. قال: أما الصبر على الأقدار فلأن سببه ليس باختيار العبد، سبب هذا الصبر ليس باختيار العبد. وأما باعتبار من يتعلق به فقد يكون الصبر عن المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، بحسب ما يكون عليه الإنسان. فبعض الناس مثلاً يستطيع أن يصبر عن القيام بالطاعة، محافظة على الصلوات وعلى الصيام وعلى الحج والعمرة، لكن يضعف أمام الشهوات، فلا تجد عنده صبراً عند تعرضه لمعصية أو لشهوة فيقع فيها. والعكس بالعكس: بعضهم تجد عنده تجلد وعنده صبر أمام الشهوات وعنده صبر على أقدار الله المؤلمة، لكن لا يصبر على القيام بالطاعة والامتثال لأمر الله عز وجل. فالأصل في الترتيب: هذا الصبر أولاً على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة. والصبر مأخوذ من الحبس، لأن المؤمن يحبس نفسه عن هذه الأقسام الثلاثة. ولذلك يقال: مات فلان صبراً، أي سجن حتى مات، أو كذلك كبل وربط حتى مات، فيقال: قتل صبراً، أي حبساً. فأصل الصبر من الحبس. ثم ذكر الشيخ ابن عثيمين أيضاً من الفوائد: أقسام الناس عند المصيبة، وأن أقسام الناس عند المصيبة أربعة: القسم الأول: متسخط. يعني تنزل به المصيبة فيتسخط، إما بلسانه بالكلمات التي تدل على الاعتراض على قضاء الله وقدره كالسب، أو كذلك الاعتراض بذكر محاسن هذا الميت، فقوله: "ورزقاه" أو "معوناه"، أو نحو ذلك مما فيه تسخط على فقد هذا المحبوب. أو يكون التسخط كذلك بالفعل، كما سيأتي معنا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو ما يشبه ذلك. فالتسخط كبيرة، وربما يؤدي للكفر والعياذ بالله. وسيأتي معنا في الأحاديث ما يدل على ذلك، وذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إثنتان في الناس هما بهم كفر»، والمراد بالكفر هنا كفر أصغر، كفر أصغر كما سيأتي. وكذلك قوله: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية». وكما تقدم معنا في ضبط الكبيرة، وفي ذكر ما ينطبق على كذلك ضابط الكبيرة، وأن منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا». فالتسخط كبيرة من كبائر الذنوب. فقد يكون بالقلب إذا غضب ولم يرضَ بقضاء الله وقدره، وقد يكون باللسان وهذا بالنياحة أو بالدعاء بالويل والثبور، وقد يكون بالجوارح كلطم وشق وانتفاض وتكسير وضرب ونحو ذلك. فهذا هو النوع الأول، وهذا لا يجوز، التسخط عند المصيبة. أما النوع الثاني من أقسام الناس عند المصيبة: صابر، يصبر. وهذا واجب، الصبر واجب بالإجماع. والصبر يكون بالقلب واللسان والجوارح. والجوارح: بالقلب بأن يرضى بما قدر الله عز وجل له، وباللسان أن يمسك لسانه عن الفاضح، الخروج عن الصبر، وهكذا الجوارح فلا يدعو بويل ولا ثبور بلسانه، ولا كذلك يفعل بجوارحه ما يدل على التسخط كشق الجيوب أو لطم الخدود أو نحو ذلك. فهذا واجب. والنوع الثالث من أنواع أقسام الناس عند الصبر: الرضا. والرضا فيه تفصيل من حيث الوجوب والاستحباب. فقسم العلماء الرضا إلى قسمين: القسم الأول: الرضا بفعل الله، الرضا بفعل الله. وهذا واجب، وهذا واجب، وهو من الإيمان بالله رباً، من الإيمان بالله رباً، أن ترضى بما قدر الله عز وجل عليك. فهذا واجب، لأن الله عز وجل أرحم بك من نفسك التي بين جنبيك، ومن أبيك وأمك. فما قدره الله لك، إن كان في نظرك شراً لك فهو خير في قدر الله، فهو خير لك في قدر الله. فالرضا من حيث فعل الله عز وجل واجب. لكن متى يكون الرضا مستحباً؟ الرضا يكون مستحباً، أي الرضا بالمقدور. بمعنى: مثلاً على سبيل المثال، احترق بيت لك. فكون أن الله عز وجل قدر عليك ذلك، هذا يجب أن تؤمن أو أن ترضى به، يجب؛ لأنه ليس في أفعال الله ما هو شر، ما هو شر. ليس في قدر الله ما هو شر، والشر ليس إليك. فلعل في ذلك خيراً لك من حيث تشعر أو من حيث لا تشعر. لكن هذا المقدور نفسه وهو إحراق البيت، أو احتراق البيت، من الناس من يرضى بهذا ويقول: الله يعوضني، ويطمئن ويسكن نفسه ويذهب حزنه. ومن الناس من يبقى في نفسه ويحزن ويتألم ونحو ذلك. فهذا فرق، هذا مستحب: أنك ترضى بالمقدور. هذا هو المستحب. هكذا فصل العلماء في مسألة الرضا. وما الفرق إذن بين الصبر والرضا؟ هناك فرق بين الصبر وبين الرضا. فالصبر: أنه يمسك لسانه وجوارحه عن التسخط، هذا هو مقدار الصبر. طيب، فالرضا: صبر وزيادة. الرضا صبر وزيادة. ما هي الزيادة في الرضا؟ الزيادة في الرضا: أن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها، لا يتمنى غير حاله التي هو عليها. فتسكن، يسكن قلبه، وتطمئن، تطمئن نفسه، تطمئنه نفسه، ولا يستمر به الحزن والأسى والألم على هذه المصيبة. بخلاف الصبر، بخلاف الصبر. فالرضا: بعد أن يحبس نفسه عن التسخط، يرتقي إلى مرحلة أخرى، وهي ماذا؟ الاطمئنان لما حصل له، يطمئن وتسكن نفسه ويذهب حزنه. هذا هو الفرق بين الصبر والرضا. فالرضا أعلى منزلة من الصبر. والقسم الرابع من أقسام الناس عند المصيبة: شاكر. وهذه أعلى المراتب، هذه أعلى المراتب. فهو يكف لسانه وجوارحه عن التسخط، وتطمئن نفسه، ومع هذا يرى أن هذه المصيبة تكفير لسيئاته وزيادة لحسناته، وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الآخرة، فيزداد تقرباً ومحبة لله سبحانه وتعالى. فهذه أعلى المراتب. ليس مجرد اطمئنان القلب، بل ويعلم أن هذه المصيبة خيراً له، ففيها من الأجور العظيمة، وفيها من كذلك الثمار الكبيرة من تكفير السيئات وزيادة الحسنات، وأن عذاب ومصائب الدنيا أهون من عذاب ومصائب الآخرة. فهذا لا شك أنه أعلى المراتب، أعلى المراتب. هذا هو أحوال الناس عند المصيبة، ولا شك أن المسلم يسعى لنيل أعلى تلك المراتب، لنيل أعلى تلك المراتب، وهي مرتبة الشكر، مرتبة الشكر عند المصيبة. وهذا لا يوفق إليها إلا الخالص من عباد الله. ثم ذكر الآية الدليل الأول: وقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. وأول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. ومعنى الآية كما يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: أن المصائب تقع بإذن الله، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، بمشيئة الله عز وجل. فمن آمن بذلك، أي بأنها بقدر الله، فإن الله يهدي قلبه للصبر، يوفقه للصبر الذي يتبعه الرضا والقبول، يتبعه الرضا والقبول. فمن وطن نفسه عند المصيبة، فعلم أنها بقدر الله، لا شك أن الله يهديه إلى الموقف الصواب أمام تلك المصيبة، بأن يرضى وكذلك يطمئن قلبه وينشرح صدره. وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد. والشاهد من هذه الآية: أن الصبر ناتج عن الإيمان، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. أي أن الصبر ناتج عن الإيمان، يعني: من يؤمن بالله يهدي قلبه، أي: من يصبر فإن الله يهدي قلبه للصبر وللرضا ولكل خير. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وهذا الأثر رواه ابن جرير في تفسيره بسند صحيح، بسند صحيح. ومعنى "يهدي قلبه": أن يرزقه الطمأنينة، يقول الشيخ العثيمين: أن يرزقه الطمأنينة. فإذا اهتدى القلب اهتدت الجوارح. إذا سكن قلبه واهتدى قلبه، ما تجد هذا المصاب يصدر منه شيء يخالف الصبر، فلا يشق جيباً، ولا يلطم خداً، ولا يفعل فعلاً يخالف الصبر. لأن القلب كالملك، والجوارح كالجنود تحته. فإذا سكن القلب واطمأن القلب، سكنت الجوارح وكانت تبعاً لهذا القلب. ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». فهذا معنى قول علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، يرضى ويسلم. ووردت آثار أيضاً عن بعض السلف عند هذه الآية، منها ما ذكره الإمام البخاري معلقاً عن عبد الله بن مسعود، أنه قال عند هذه الآية: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، قال: هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي، وعرف، وعرفت أنها من الله، وأن الله هو الذي يدبر أمرك، وهو الذي يتصرف فيك لأنك عبد له مخلوق له. فالله، فالله عز وجل ينزل، أو الله سبحانه وتعالى يقدر عليك ما هو خير لك، ما هو خير لك. فما عليك إلا أن ترضى، وأن كذلك تصبر على قدر الله سبحانه وتعالى وتعالى. وجاء أيضاً في تفسير ابن كثير عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يعني: يسترجع، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه الأقوال كلها متقاربة، فإن من وفق عند المصيبة لهذا القول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، هذا دليل على هداية قلبه، على هداية قلبه. وكذلك دليل على رضاه وصبره، على رضاه وصبره. فهذه الأقوال كلها تصب في معنى واحد، وهو أن المؤمن إذا نزلت به المصيبة صبر ورضي وقمأن قلبه، وكذلك سكنت نفسه، فلم يجزع ولم يتسخط على قدر الله سبحانه وتعالى. وكما تقدم من هذه الآية: أن وجه الشاهد منها أن الصبر ناتج عن الإيمان. فإذا صبر العبد عند المصيبة، هذا دليل على صبره، هذا دليل على إيمانه، هذا دليل على إيمانه. وبقيت هناك أدلة في هذا الباب من السنة، ذكرها المؤلف، نذكرها إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى شكراً.