التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 118

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 118

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 118، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل الابتلاء وتكفير السيئات بالصبر

يوضح الحديث أن تعجيل العقوبة في الدنيا يطهر الذنوب وينجي العبد يوم القيامة، بينما من سلم من البلاء قد يحاسب في الآخرة. ويبين ابن عثيمين أن إضافة الشر إلى الله إنما تكون لحكمة لا لذاته.

نسب الشر إلى المخلوقات وحكمة الابتلاء

يقرر العلماء أن الشر لا يُنسب إلى فعل الله بل إلى مخلوقاته، وأن ما يبدو شراً هو في حقيقته خير وحكمة تكفر السيئات. وتدل الأحاديث على أن عظم البلاء دليل محبة الله للعبد وأن الصبر عليه ينال رضا الله.

أنواع الابتلاء وصفات الله المتعلقة به

يفصل الشيخ ابن عثيمين نوعي الابتلاء الكوني والشرعي مع أمثلة من قصص الأمم والصحابة، ويثبت صفات المحبة والرضا والسخط لله على ما يليق بجلاله. ويستنبط سبع مسائل منها كون الصبر شرطاً في الإيمان وعلامات محبة الله.

تحريم السخط وثواب الرضا بالبلاء

يؤكد المقطع أن السخط والجزع عند البلاء محرم، بينما الرضا بالبلاء يجلب رضا الله وثوابه. ويختتم الدرس هذا الباب مشيراً إلى الانتقال للباب التالي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، حمداً كثيراً، طيباً، مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب "من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله": قال، وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة». والحديث رواه الترمذي، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"، وكذلك في "صحيح الجامع". ومعنى الحديث: أن المصائب التي يصاب بها المؤمن في هذه الدنيا خير له، فهي تطهير لذنوبه وسيئاته، فما يأتي يوم القيامة إلا وقد نقي وصفي من هذه الذنوب. أما إذا لم يصب بمثل تلك المصائب والابتلاءات، فلربما بقيت معه ذنوبه إلى يوم القيامة، فإذا وافى ربه عز وجل فإذا بهذه الذنوب أمامه، فيعاقب عليها. فأي العقوبتين أيسر: أن يؤخذ بذنبه في الدنيا، أو يؤخذ بذنبه في الآخرة؟ لا شك أن عذاب الآخرة أشد وأكبر. فهذا فيه تسلية لأهل الابتلاء والمصائب، أن يستشعروا هذا المعنى، وأن هذه المصائب وهذه الابتلاءات تكفير للسيئات. والشاهد من هذا الحديث في باب الإيمان بالله، من الإيمان بالله الصبر، أن المصائب التي تقع على العبد إذا صبر عليها واحتسب، فإنها دليل على أن الله أراد بعبده الخير. دليل على أن الله عز وجل أراد بعبده الخير: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا». وقد جاء في المسند الصحيح لشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «هل أصبت بالصداع؟» قال: وما الصداع؟ قال: «شيء يضرب الرأس». قال: لا. قال: «هل أصبت بأم ملدم؟» قال: وما أم ملدم؟ قال: «حرارة تكون بين الجلد والعظم». قال: لا. فلما ولّى هذا الرجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، لأنه لم يصب بمرض ولا بلاء ولا شدة في هذه الدنيا، فما عندهما يكفر سيئاته ويغفر ذنوبه». فهذا دليل أيضاً على أن هذه الابتلاءات، سواء كان من مرض أو غيره، فهي تكفير للسيئات، ودليل على أن الله عز وجل يريد بعبده خيراً. وفي الحديث الآخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيراً أصاب منه» أو «يصب منه»، أي يمرض هذا العبد، فيكون هذا المرض سبباً لتكفير سيئاته وذنوبه. وقوله: «وإذا أراد بعبده الشر»، علق الشيخ ابن عثيمين بقوله: الشر ليس مراداً لله لذاته، بقوله صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»، فهو يريده لحكمة، وحينئذ يكون خيراً باعتبار ما يتضمنه من الحكمة، فلا ينسب الشر إلى فعل الله عز وجل. يقول العلماء عبارة في ذلك: أن الشر لا ينسب إلى فعل الله، وإنما ينسب إلى مفعولاته، يعني إلى مخلوقاته، فمخلوقاته هي التي فيها الشر، أما الله عز وجل فلا ينسب إليه الشر في فعله. لأنه كما ذكر العلماء، ونبه على ذلك الشيخ ابن عثيمين، أن الله عز وجل إذا وقع للإنسان شيء مما يظنه شراً، فهذا قدره الله عز وجل عليه لحكمة، وهذه الحكمة فيها بيان أن الله عز وجل لا يريد هذا الشر بذاته، وإنما باعتبار ما يتضمنه من الحكمة. على سبيل المثال: مرض الإنسان بمرض شديد، فهذا المرض لربما يكون خيراً لهذا الإنسان، من رجوعه إلى الله وتوبته وتكفير سيئاته. إذن هذا في الحقيقة خير لهذا الإنسان. إنسان وقع له حادث مروري، وكان متمرداً عاصياً، واقعاً في الكبائر والموبقات، فلما وقع له هذا الحادث تذكر ورجع وتاب وأصلح من حاله، فهذا في الحقيقة خير له. هذا الذي ظاهره الشر، هذا خير له، إذ كان سبباً في صلاح حاله. فهذا معنى قول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. وقال: والغرض من الحديث تسلية المصاب لألا يجزع، فإنه قد يكون خيراً، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فيحمد الله أنه لم يؤخر عقوبته إلى الآخرة، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. هذا هو ووجه الشاهد من هذا الحديث. ثم قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم، أي أيضاً من حديث أنس: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». حسنه الألباني، حسنه الترمذي، وكذلك صححه العلامة الألباني كما في "صحيح الجامع" و"السلسلة الصحيحة". وهذا الحديث كسابقه فيه فضل الصبر عند البلاء، وأن درجة العبد ترتفع إذا صبر على البلاء. «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، أي: كل ما كان البلاء شديداً عظيماً، كان الجزاء عظيماً وكثيراً ومضاعفاً. «عظم الجزاء مع عظم البلاء»، وهذا لا شك أن المسلم إذا صبر على عظم البلاء نال عظم الجزاء، فارتفعت درجاته عند الله سبحانه وتعالى. لذلك قال: «وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم». وفي حديث سعد بن أبي وقاص: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر إيمانه». انتبه: يقع في نفسك إذا اشتد عليك البلاء أن الله عز وجل يبغضك، وأن الله عز وجل يكرهك، أبداً. بل هذا دليل على محبة الله عز وجل لك. إذا اشتد عليك البلاء فاصبر واحتسب، وارضَ بما قدر الله عز وجل عليك، فبهذا تكون قد نجحت في هذا البلاء نجاحاً عظيماً، فنلت بذلك رضا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن رضي فله الرضا»، الرضا من الله سبحانه وتعالى، يرضى عنك الله سبحانه وتعالى. وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس، وإذا أحبك الله جعل محبة الخلق لك في هذه الأرض. فهذا فيه دليل على فضل الصبر عند البلاء، وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب "من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله". قال الشيخ ابن عثيمين: يستفاد منه، أي من هذا الحديث، كلما كان البلاء أشد وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم. كما تقدم معنا أن الله إذا أحب قوماً اختبرهم بما يقدر عليهم: كوناً وشرعاً. كوناً: يعني من الأمور التي تقع ولا محالة، من مرض أو حرق أو كسر أو نحو ذلك. وأما شرعاً: فهو ما يكون من الابتلاء بالتكليف، أي بالشرع. فربما تتهيأ لك المعصية، هذا بلاء من الله سبحانه وتعالى واختبار لك، كما ابتل الله عز وجل أهل القرية التي كانت حاضرة البحر، ابتلاهم بهذا البلاء أن جعل الصيد يكثر ويظهر في يوم المنع، يوم السبت، ويختفي في غيره. هذا ابتلاء، فمنهم من لم يقوى على تحمل هذا البلاء فوقع في المكر، أو في المحرم والمحظور. ومثل كذلك ابتلاء بني إسرائيل في قصة طالوت وجالوت. نعم، فالله عز وجل يقول في أمرهم: «فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده». هذا أيضاً بلاء، بلاء من الله عز وجل ابتلا به هؤلاء، فوقع من وقع منهم في المحظور، ولم يقوى على تحمل هذا البلاء. هذا أيضاً من التكليف، أو من الابتلاء الشرعي. وهكذا ما وقع للصحابة في تحريم الصيد على المحرم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، ثم في الآية الأخرى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. الصيد أمامهم وبالقرب منهم، وهم محرمون، وهم محتاجون إلى الطعام، لكن حرم عليهم الصيد في هذه الحال. ابتلاء من الله، ابتلاء من الله عز وجل. وهذا الابتلاء بالتكليف الشرعي. قال: ثالثاً: إثبات المحبة والسخط والرضا لله عز وجل، مع الحذر من التمثيل أو التكيف. نعم، وهذه هي الصفات الفعلية التي يثبتها أهل السنة على ما تليق بجلال الله سبحانه وتعالى. فالله يحب، والله يرضى، والله يسخط، كما ثبت في هذا الحديث وفي غيرها من الأحاديث، لكن نثبت هذه الصفات بما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى. قال: المسائل: الأولى: تفسير آية التغابن: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وعرفنا قول المفسرين فيها، ومنها قول ابن كثير رحمه الله تعالى. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله، أي الصبر على أقدار الله، هذا من الإيمان. بل تقدم معنا في قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن هذه الآية جعلت الصبر شرطاً في الإيمان، شرطاً في الإيمان. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. الثالثة: الطعن في النسب، وعرفنا أنه عيبه أو نفيه، وهو من الكفر الأصغر للحديث. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية، وهذا الوعيد هو التبرؤ منه: «ليس منا، ليس منا»، فهذا فيه تبرؤ ممن فعل هذه الأفعال عند المصيبة. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير، ما هي هذه العلامة؟ يعجل له العقوبة في الدنيا. السادسة: علامة إرادة الله بعبده الشر، ما هي هذه العلامة؟ يؤخر له العقوبة إلى الآخرة. السابعة: علامة حب الله للعبد، وهي ماذا؟ الابتلاء، كما في حديث أنس الآخر: «وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم». الثامنة: تحريم السخط، يعني مما يبتلى به العبد: أي الجزع وعدم التحمل والصبر. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء، وهو رضا الله عز وجل عن العبد. نكتفي بهذا، وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. وفي الدرس القادم إن شاء الله ندخل في الباب الذي بعده. إلى هنا، والله تعالى أعلم.