شرح كتاب التوحيد 294

شرح كتاب التوحيد 294

الدرس في شرح كتاب التوحيد 294، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الإطراء المبالغ فيه وتحديد منزلته

يروي أنس بن مالك أن النبي نهى عن الإطراء المبالغ فيه خشية الغلو. بين أن منزلته الحقيقية هي العبودية لله ورسالة النبوة.

أهمية العبودية والرسالة في الإسلام

يشرح أهمية الجمع بين وصف العبودية والرسالة في حق النبي محمد، ويحقق التوازن بين تقدير النبي وعدم الغلو في مدحه. يشدد على أن النبي عبد من عباد الله ورسوله.

الدعاء والصلاة على النبي وخاتمة الدرس

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشدد على أهمية اتباع شرع الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلنزن في هذا الباب من كتاب التوحيد، حيث بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء في حماية النبي حمى التوحيد وسده طرق الشرك، فقال رحمه الله تعالى: عن أنس رضي الله تعالى عنه أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله، أنا محمد بن عبد الله، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله بها». قال: رواه النسائي بسند جيد. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت ذلكم الباب في إشارة إلى حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد. وهذا الحديث يذكره أنس رضي الله تعالى عنه عن أناس أتوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث كما خرجه المؤلف رحمه الله تعالى رواه النسائي، وكذلكم رواه الترمذي وابن ماجة، وحسنه جماعة من أهل العلم كتحسين وتصحيح العلام الألباني رحمه الله تعالى. هكذا صاحب النهج السديد في هذا الحديث. أن أناسا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادروه بهذا الخطاب وهذا النداء، فقالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا ويا سيدنا وابن سيدنا. هم فعلوا هذا من باب التحلي بالأدب اللائق برسول الله عليه الصلاة والسلام، لأنه من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المسلمون إزاء رسول الله عليه الصلاة والسلام. أنهم لا ينادوه باسمه المجرد، هذا ليس من الأدب. وعلى هذا أمرهم الله جل وعلا كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ على تفسير هذه الآية على أحد القولين. لا تجعلوا دعاء الرسول أي لا تجعلوا نداء الرسول كنداء بعضكم مع بعض. فإن الناس فيما بينهم يتنادون بالأسماء: يا محمد، يا خالد، يا سالم، يا صالح، هذا فيما بيننا، لكن في خطاب الناس مع رسول الله لا يكون هذا، لا يجوز أن يخاطب نبينا كمخاطبة بعضنا بعضا: يا محمد مجرد، لا يجوز. فهؤلاء من هذا الباب أتوا بأسماء وألقاب أضفوها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام لكي يصلوا إلى هذا المقام، فقالوا: يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. هذا من باب الإجلال والإعظام الذي رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يستحقه. فماذا قال لهم نبينا عليه الصلاة والسلام؟ فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان». قال المفسرون في قول نبينا «قولوا بقولكم» أي ما كنتم تعرفوه عني، الذي ما مضى عليه العمل في مناداتي في خطاباتي، هذا الذي سيروا عليه. «قولوا بقولكم» الذي اعتدتم عليه، أما هذه الألفاظ المزيدة التي جيئت لا داعي لها. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يستهوينكم الشيطان». الاستهواء هو الإيمال إلى الباطل وإلى التيه كما في قوله تعالى: ﴿كالذي استهوته الشياطين في الأرض﴾ استهوته أي استمالته إلى التيه والباطل. فأخبر عليه الصلاة والسلام أن هذه الألفاظ الذي جئتم بها لا تفعلوها معي، وإنما حسبكم ما كنتم عليه، ما كنتم تقولونه في حقي، فهذا الذي أرتضيه منكم، ما زاد عن ذلك فلا. لماذا؟ لهذه العلة «لا يستهوينكم الشيطان». خشي نبينا صلى الله عليه وسلم أن يفتح المجال لهؤلاء، فإذ بالباب سينفتح ولن يغلق، بأن الناس يزيدون في العبارات والإطناب والمديح مما يخرجهم عن حد الاعتدال. كما ابتلينا به في هذه الأزمان حين أتاح الناس لأنفسهم أنهم لهم أن يذكروا رسول الله بما شاءوا من الألقاب، حصل ما يسمى عندنا الآن بالغلو والزيادة القبيحة، حتى رفعوا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى منزلة لا يستحقها رسول الله عليه الصلاة والسلام من منازل الألوهية والربوبية. فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد، اسمي والذي سماه به أهل محمد هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، أنا محمد عبد الله ورسوله». عبد الله ورسوله هذا هو اللقب وهذا هو الوصف الذي يحبه نبينا صلى الله عليه وسلم أن يوصف به. فقال: «أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله بها». هذه منزلتي، وهذا هو مقامي عند الناس، والذي جعلني الله عليها. وبهذا نعلم فائدة إخواني في الله أن منازل الخلق إنما هي تعود إلى منظار الشرع. منازل الناس تقويم العباد لا يعود من خلال منظورنا، فإن منظور الناس قاصر، يعود إلى الملذات، يعود إلى بعض المعايير المغلوطة. فتجد أن من الناس من يرفع من لا حق له في الرفع في المنزلة، وبالمقابل أن من الناس من يخفض أقواما حقهم الرفع. ولهذا كان ينبغي في تقويم الناس وتقويم الرجال والأعيان والأشخاص والأحوال أن يعود إلى الشرع. فنبينا أخبر أن منزلته التي هو عليها من الذي أنزله إياها هو الله. «فوق منزلتي التي أنزلني الله بها» هذه منزلته، فالله عز وجل أعطى للناس منازل. فكان ينبغي لخلق الله أن يتعرف على منازل الناس من خلال شرع الله. فالمصلي، المصلي، الصائم، الصابر، المحسن، التقي، صاحب الأعمال، صاحب الجود والكرم، صاحب السخاء والبدل، هؤلاء لهم منزلة. لماذا؟ لهم منزلة بغض النظر عن أنسابهم وأحسابهم. لا تنظر إلى أنظار الناس، انظر إلى منظار الشرع. الشرع زكى هؤلاء، فنحن نزكيهم. بالمقابل لا تأتي إلى من كان دون هذا، لا تأتي إلى تارك صلاة، تارك زكاة، إلى عاهر، إلى داعر، إلى فاجر، إلى ماجن، إلى مبطل، إلى مبتدع، إلى رجل ملحد في الدين، إلى رجل عاق لوالديه، قاطع لأرحامه. ثم أنت بعد ذلك ترفع من منزلته بحجة أن له منصبا، له مالا، له جاها، لا، ليس هذا المقياس والمعيار يا عبد الله في تقويم الأنام. وإنما المنازل التي نعطيها للناس على منظار الشرع. فمن عظمه الله عظمناه، ومن جعل الله له الدون فله الدون كائنا من كان. وهذه القاعدة ذكرها لنا نبينا في قوله: «فوق منزلتي التي أنزلني الله بها». فكل إنسان يقدر بمنزلته، ومنازل الناس تعود إلى الشرع والدين. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا محمد عبد الله ورسوله» إشارة إلى هذا الوصف هو الذي أراد نبينا أن يأتوا بهذا القول. «قولوا بقولكم»، ما هو قولكم؟ «عبد الله ورسوله» يكفيني هذا منكم. يكفيني هذا منكم. وكيف لا يكفي هذا المقام ولفظه ومقام العبودية والرسالة من أعظم المقامات التي أعطيت لرسول الله. انظر يا عبد الله إلى مقام العبودية، كم وصف الله جل وعلا نبيه بأنه عبد لله عز وجل في أشرف المقامات. عند إنزال الوحي: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ في مقام التحدي: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾، ﴿على عبدنا﴾. فإن زال القرآن تبارك الذي نزل الفرقان على عبده. في مقام الدعوة: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا﴾. فتجد أن في مقام الإسراء: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾. تجد أن أشرف المقامات من مقامات الدين ربنا يصف نبينا بالعبودية. دل على ماذا؟ على أن هذا من أعظم الأوصاف التي ينالها الناس، وخاصة نبينا عليه الصلاة والسلام أن يكون عبدا لله لا لسوى الله. وكذلك مقام الرسالة. انظر يا عبد الله إلى الآيات الكثيرة التي يصف فيها ربنا نبينا بمقام الرسالة. «ومن يطع الرسول فقد أطاع الله»، «ومن يطع الله والرسول»، «وما آتاكم الرسول فخذوه». آيات كثيرة. فتجد أن من أعظم الأوصاف التي يحبها نبينا أن يسمعها من الناس، لا أن يقال هو عبد الله ورسوله. ولهذا جاءت المناسبات الكثيرة التي فيها إن ذكر نبينا ذكرت معه العبودية والرسالة كما في التشهد: «وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» عليه الصلاة والسلام. بقي ما هو المغزى من الجمع بين هذين الوصفين: العبودية والرسالة؟ قال العلماء: المغزى عظيم. ولما تكون في التربية لأهل الإسلام، فلم تقول بأن محمد بن عبد الله «عبد الله ورسوله»، فهو عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب. فهو عبد من عباد الله، فهو لا يخرج عن نطاق البشرية، فلا يستحق شيئا من الألوهية ولا من الربوبية، فلا يعبد. ناهيك عما نجله من كثير من الناس من صرف له الطاعات والعبادات من الاستنجاد والاستغاثة والاستمداد. ومن يعتقد فيه الضر والنفع، وأن الجن بيده يعقدها من شاء، وأن النار بيده يمنعها عن من يشاء. أهذا يقال في رسول الله؟ لا، هو بشر، هو عبد من عباد الله. وبالمقابل هو رسول، ليس أن معنى العبودية أن لا تكون له منزلة، لا، له منزلة عند الله بأن الله جعل فيه حقه الرسالة. بل هو من أفضل الرسل عليه الصلاة والسلام، فيطاع وينصت لأمره، وتقابل أوامره بالامتثال لا بالإعراض ولا بالتمرد ولا بالتطاول ولا بالإزدراء ولا بالاستهزاء حاشا وكلا. فجمع نبينا في هذين الوصفين من أعظم المقامات. وهذا الذي أشار إليه القرآن في قول ربنا عز وجل: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾. هذا هو السر. «بشر مثلكم» أكل، أشرب، أحتاج إلى ما يحتاجه البشر، يعتريني ما يعتري البشر من المرض من الفناء. لا يعلم الغيب بشر. بالمقابل «يوحى إليه»، رفع الله مقامه بالوحي. «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليه». فالشاهد أن في هذا الحديث من فوائد هذا الباب فيه ما فيه من النهي عن الغلو في الإطراء. فليس النهي في باب الغلو يكون في الأعمال بل كذلك في الأقوال في المديح والإطناب والإعجاب. ألا إنك يا عبد الله تحب إنسانا وتعزه معزة، لكن هذا لا يخوّلك بأنك تطلق العنان للسانك بقول ما تشاء من الأقوال والألفاظ، لا، التزم الحد كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك بيان كذلكم على أن الإطراء والمزيد في الإعجاب مدخل من مداخل الشيطان. «ولا يستهوينكم الشيطان». وكم استطاع الشيطان من هذا الباب أن يدخل الكثير من الناس إلى بوابة الغلو، بأن يعطي المجال في هذا. رسول الله تكلم، عبر عن محبتك، عبر. فيأتي من يعبر، ويأتي من يأتي بالألفاظ والألقاب والمديح، وما درى أن هذا من استدراج الشيطان. فالشيطان قد يفتح لك بابا تظنه من أبواب الخير، لكن ما بعد هذا الخير شر ووبال والعياذ بالله. وفي هذا الحديث كذلك بيان على أن الإنسان إذا ابتلي بمن يمدحه بهذا المدح الزائد، واجب عليه أن يبين له الصواب. فنبينا لما سمع هذا الكلام: «يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا»، قال: «يا أيها الناس»، بيان، كفوا عن هذا، «وقولوا عبد الله ورسوله». فإذا علمت يا عبد الله أن أحدا من الناس بالغ في مدحك وزاد في إطرائك، حينها بين له الصواب، لأن هذا من الغلط، حتى لا تقع فتنة، لا تقع فتنة بين أحد الطرفين، لا فتنة في المخاطب فيصيبك العجب والزهو والإعظام، ولا يصيب المتكلم ما يصيبه من الخضوع والخنوع والذل والهوال. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.