شرح كتاب التوحيد 293

شرح كتاب التوحيد 293

الدرس في شرح كتاب التوحيد 293، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث السيد الله والخلاف حول إطلاق السيادة

شرح حديث "السيد الله" وبيان الخلاف بين العلماء في فهم معناه ومدى جواز إطلاق لفظ السيادة على غير الله، حيث السيادة المطلقة لله بينما سيادة النبي مقيدة على البشر.

ضوابط إطلاق السيادة على البشر وتفاصيلها

يتناول ضوابط إطلاق لفظ السيادة على الناس، حيث يشترط العلماء استحقاق الشخص لذلك لما له من شرف ومنزلة، مع التحذير من إعطاء هذا اللقب للفاسقين والمنافقين.

شرعية التسمية بعبودية السيادة ومدح النبي

يتناول شرعية تسمية عبد السيد ومدح النبي بالسيادة، مع اختلاف العلماء في جواز التسمية بسبب احتمال اللبس، بينما يجوز مدح النبي بالسيادة مع التأكيد على عدم الإفراط.

أهمية اتباع الألفاظ الشرعية في العبادات

أكد على أهمية اتباع النصوص الشرعية في العبادات وعدم الاجتهاد الشخصي فيها، لأن العبادة توقيفية ولا مجال للاجتهاد الشخصي في ألفاظها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مضى معنا بالأمس إخواني في الله هذا التبويب، والذي عنون له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حما التوحيد وسده طرق الشرك»، وذكرنا ما فيه من مسائل، وأن المؤلف رحمه الله سيأتي لنا بالآثار والأخبار التي فيها حماية جناب التوحيد من بعض الألفاظ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن شخير قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله. قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا. فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان». رواه أبو داود بإسناد جيد. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، والذي رواه أبو داود، وهكذا أحمد والنسائي، وقد حسنه جماعة من أهل العلم، كما أشار إلى ذلك الألباني في صحيح الجامع، وهكذا صاحب النهج السديد. وهذا الحديث من مسائله ما ذكره عبد الله بن الشخير، وهو عبد الله بن كعب بن الشخير العامري، عن أمر وقع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انطلقت في وفد بني عامر، وكان ذلك في عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة. قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. السيد في اللغة هو صاحب العظمة وصاحب السيادة، يقال: هذا سيد. فقال لرسول الله عليه الصلاة والسلام من باب المديح والثناء لمقامه، قالوا: أنت سيدنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «السيد الله». «السيد الله» هنا اختلفت أنظار العلماء لهذه المقالة منه عليه الصلاة والسلام، ما الذي عناه نبينا بهذه العبارة؟ لأن على فهم هذه العبارة اختلفت أقوال العلماء في إطلاق لفظ السيادة على غير الله، من هنا يأتي الخلاف. فتارة من أهل العلم من يمنع إطلاق لفظ السيد على أحد من البشر، ويرى أن هذه من أسماء الله الذي لا تعطى لأحد من خلقه، كما ذهب إلى هذا الإمام مالك وغيره من أهل العلم. وبالمقابل من أهل العلم من يرى أن هذا المعنى ليس على هذا الفحوى، وأنه يجوز إطلاق لفظ السيد على غير الله. ولهذا كما قلنا في قول نبينا «السيد الله» وقع فيها الخلاف في فهم معناها. فمن أهل العلم من وقف على اللفظ «السيد الله»، «السيد الله»، فما هناك سيد إلا هو جل في علاه له السؤدد، فلا يقال لأحد سيد. هذا القول الأول. والقول الثاني: من وقف عند المعنى، قال: ليس المقصود بقول رسول الله «السيد الله»، «السيد الله» بمعنى منع إطلاق هذا اللفظ، لا، وإنما أراد نبينا التفهم للمعنى. النبي ما أنكر عليهم قالوا: أنت سيدنا، ما قال: لا تقولوا ذلك، لا، ما نهاهم عن هذه العبارة، لكن أشار إلى الانتباه إلى مسألة قد تخفى عليهم، وهو مع إطلاقكم إطلاقكم لهذه اللفظة ينبغي أن يكون في الاعتبار أن الله عز وجل هو المستحق للسيادة. وفرق بين سيادة الله سبحانه وتعالى وسيادة الخلق، فربنا له السيادة المطلقة على كونه وعلى خلقه، ونبينا صلى الله عليه وسلم على القول الصحيح له سيادة، فهو سيد، إلا أن سيادة النبي عليه الصلاة والسلام سيادة مقيدة. فسيادة الرب سيادة مطلقة تعم الكون كله، وأما سيادة النبي عليه الصلاة والسلام فإن سيادته مقيدة لمن في البشر. ولهذا جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيد الخلق يوم القيامة»، أو «سيد الناس»، «أنا سيد الناس». هذا في البخاري. فنبينا علق سيادة على الناس، ونعم، ما هناك أحد يزاحمه ولا ينازعه في سيادته عليه الصلاة والسلام في الثقلين. وهكذا جاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم» عليه الصلاة والسلام. فمن خلال هذه الألفاظ ستفهم أن المقصود «السيد الله» بمعنى أن السيادة الكاملة التامة المطلقة على الكون كله لله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إن أطلق سيدا فليس كـ«هؤلاء أنا سيد»، لكن تنبهوا أن السيادة الكاملة لله عز وجل. فأراد نبينا من هذا الخطاب عندما قال له الناس: أنت سيدنا، أراد أن ينبههم على أمر «السيد الله»، «أنا سيد» نعم، لكن بسيادة مقيدة مقصوصة، وأما الله عز وجل فهو المستحق لهذا الاسم وهذا المعنى بالسيادة التامة العامة. ومن هنا إخواني في الله تأتي المسألة، وهو إذا قلنا هذا المعنى هو الذي عليه أكثر العلماء على جواز إطلاق لفظ السيادة على رسول الله، إذن يقاس عليه غيره، فيجوز أن نطلق لفظ السيد على باقي الناس. لكن هل هذا على عواهنه على إطلاقه؟ الجواب: لا، لابد من قيود. اشترط العلماء في إطلاق لفظ السيد على أحد من الناس لابد أن هذا بقيود، وأعظم القيود الذي أذكرها في هذا المقام القيد الأول، وهو أن هذا الذي يعطى له لفظ السيادة وأنه سيد لابد أنه يستحق ذلك وأنه أهل له، لأن السيد في اللغة العربية بمعنى المطاع، من له الشرف في قومه. فإذا كان هذا الإنسان له مرتبة، له منزلة، فإنه يعطى لفظ السيد لأن هذا مقامه. ومن هنا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «قوموا إلى سيدكم»، لماذا سمى سيدا؟ لأن الواقع هكذا، لأن سعد رضي الله تعالى كان سيد قومه. فلما جاء به قال: «قوموا إلى سيدكم». وهكذا ما قاله نبينا في حفيده الحسن قال: «إن ابن هذا سيد، وسيصلح الله على يديه بين فئتين عظيمتين»، أي سيكون له سيادة ويكون له قيادة وريادة ويكون له شرف بأن الله يصلح على يديه بين فئتين عظيمتين بين المسلمين، وكان هذا فأطلق نبينا على الحسن لفظ السيادة لأنه في ذاك الوقت يستحقها. وهكذا لما قال نبينا لبني سلم: «يا بني سلم من سيدكم؟». فتجد أن لفظ السيادة جرت على لسانه عليه الصلاة والسلام في حق من يستحقها، فهي لا توزع هكذا. ولهذا منها هنا جاءت الأدلة المحرمة على عدم جواز إعطاء هذا اللقب للفاسق والمنافق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقول للمنافق سيد»، لأن المنافق ما يستحق أن يكون سيدا على الناس، بحيث يكون الطاعة والسيادة على قومه ما يكون هذا، بل لهم الهون والدون. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تقول للمنافق سيد، فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم». ما يجوز هذا. إذن هذا القيد الأول: أن تعطى السيادة لمن يستحق، لمنزلته، لمرتبته. الشرط الثاني: قال العلماء أنه لا يكون من خلال هذا اللفظ يضرأ شيء من الفتنة، لا على المخاطب بهذا اللقب يغتر، يفتخر، يناله العجب والإعجاب، ولا فتنة في حق المتكلم بأن يرى لنفسه الخضوع والخنوع، هذا لا يجوز. إذا كانت هذه الكلمة وهي لفظة إذا كان ستؤدي لنا بفتنة لهذا الجانب أو على هذا الجانب، فإن هذه الكلمة لا تذكر، تبعا، ويؤتى بغيرها. ومن ها هنا إخواني في الله أحب أن أشير إلى مسألة أعظم من هذه، وهي ما يقوم به المبتدعة من أهل البدع من يتأثر بعقيدة الأولياء والولاية، أنهم ما فتأوا يذكرون لفظ السيادة لأوليائهم، خاصة البدوي، السيد البدوي، السيد الجيلاني، السيد عبد القادر، السيد فلان، السيد فلان. السؤال: لماذا السيادة لأمثال هؤلاء؟ لو ربما ما يعطيها لرئيس دولة، ما يعطيها لكبير، ما يعطيها لتاجر، لا، هذه الألقاب يختصها، يعطيها لمن؟ هنا السؤال: يعطيها لمن يعتقد فيهم. وهذا من أعظم الفتنة في هذا اللقب الموجود في هذه الأزمان خاصة. ومن دار ومن استمع لهذه الجماعات التي ابتليت بالتعلق بالقبور، ومن يسمى بالولاية، ومن يعتقد بأن الولي يفعل ويفعل، تجد أنه لابد أن يقدم بين اسم هذا الولي سيد. ولا زال إذا تكلم حول نطاق الأولياء سماهم سادة. نحن لا ننكر الولاية، بل أهل السنة يعتقدون بولاية الأولياء ولهم كرامات، لكن التعظيم واعتقاد السر وأن لهم من الأعمال ما يزاحمون به الرب هذا أمر آخر. أو يتقرب إليهم بالأقوال والأعمال والاستنجاد والاستمداد هذا أمر آخر. ولهذا إخواني في الله فينبغي التأمل لهذا. ولهذا يأتي ما هو أقبح أن يأتي من يأتي ويسمي ابنه عبد السيد، أو يسمي نفسه عبد السيد. عبد السيد من؟ لمن العبودية؟ هنا تأتي مسألة وهي مسألة علمية: هل يجوز هذا التعبيد؟ هل يجوز لإنسان يقول: أنا عبد السيد، اسمي عبد السيد، وفلان عبد السيد؟ نطاق علمي هل يجوز؟ المسألة من حيث الجواز يجوز؛ لأنه قد مضى معنا «السيد الله»، «السيد الله» سبحانه، فمن أسماء الله السيد كما قال جماعة من أهل العلم على قولهم، يجوز أن تقول: عبد السيد، أي عبد الله، ما في شيء. لكن لابد من التأمل لحال الناس. قد أشرنا في درس أمس في المقدمة «باب ما جاء في حماية حماية التوحيد وسد طرق الشرك»، فمن وجد أن هذه الألقاب والأسماء توجد في مجتمعات ملوثة بالعقيدة التي سمعتموها من اعتقاد السر في الأولياء، حين يشتد هذا الاسم؛ لأننا الله أعلم بمراد القائل، ما الذي أراد بهذه التسمية؟ عبد السيد من؟ السيد الله؟ ولا سيد آخر؟ فكيف تعبد له؟ لهذا كان من أقوال العلماء الأولى الترك، كما صرح بهذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، مع قوله بالجواز، يرى الترك أولى. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى مع تصحيح لهذا الحديث بأن «السيد الله» قال: أما الآن أرى مؤقتا لا يسمى الآن. لماذا؟ لعموم الجهل، عموم الجهل للناس بهذه المؤدة، هذه الكلمة «عبد السيد». فمن حيث الجوازية جائزة، ما نستطيع أن نحجر، وخاصة أن الأدلة قد دلت على أن الله هو السيد، فعبد السيد من معانيها عبد الله، لكن للمظنة الموجودة عند بعض الجهلة يقع اللبس، يقع اللبس، فحينها الأولى أن يشتبه هذا اللفظ. فالشاهد إخواني في الله في هذا الحديث أن الصحابة لما قالوا: يا رسول الله أنت سيدنا، قال: «السيد الله»، ثم قالوا: وأنت أفضلنا فضلا، أي أنت فضلك أعظم من فضلنا، فضلك أعظم من فضلنا، وهذا لا زال الصحابة الذين جاءوا من بني عامر يمدحون نبينا بحسن الخير. فقالوا: وأنت أفضلنا فضلا، أي أن فضلك وخيرك أعظم من خيرنا، وهذا حق. ثم قالوا: أعظمنا طولا. أعظمنا طولا، الطول بمعنى الغنى والعظمة، ولهذا من أسماء الله وصفاته ذي الطول، أي ذي الغنى والعظمة، الطول في اللغة بمعنى العظمة. فأنت يا رسول الله أعظمنا طولا، أي أعظمنا غنى. ونبينا صلى الله عليه وسلم أعطاه الله من غنى النفس ما لم يعط أحدا من خلقه، صلوات ربي وسلامه عليه. فهؤلاء الوفد أخذوا يذكرون نبينا بالمدائح والثناء. فحينها قال عليه الصلاة والسلام: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم»، يعني قولوا بمثل هذا، على ما ذكرنا من الشرح يقول العلماء: معنى الكلام قولوا بقولكم، لا بأس بهذا، أن تقول: أنت سيد، أنت الأفضل، أنت صاحب العطاء، قولوا بقولكم، فرخص لهم نبينا بمثل هذه المقالات. قال: «ولا يستجرينكم الشيطان»، لكن تنبهوا، لا تزيدوا على ذلك، لا تزيدوا على ذلك. وهذا الذي لأجله المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث في هذا الباب في «باب حماية التوحيد»، مع أنه كان بإمكانه أن يترك العنان لهؤلاء أن يذكروا بما شاء من إطناب. لكن أراد نبينا ماذا؟ أنه يقتصر ويقتصر معهم الكلام، لا تزيدوا، اذكروا ما تعرفوه عني ولا تزيدوا. وهذا كذلك من تربيته عليه الصلاة والسلام. فهذا والشاهد إخواني في الله في هذه المسألة، وأختم هذا المقام بمسألة، وخاصة ونحن ذكرنا هذا الباب «باب السيادة لرسول الله»، فنبينا هو سيدنا عليه الصلاة والسلام لا شك في ذلك ولا ريب. لكن هل معنى هذا أن يأتي أحد منا إلى الصلاة في التشهد فلما يصلي على رسول الله في تشهده: «اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله محمد»، السيادة هنا في هذا الذكر في الموطن هذا هل يجوز؟ انتبه حتى لا يفترى علينا. قلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم له السيادة، فهو سيد ولد آدم ولا فخر، وهو سيد الناس عليه الصلاة والسلام، لا إشكال. لكن هل يجوز ويشرع للمصلي في التشهد في الصلاة في عبادته وهو يتشهد أن يقول: «اللهم صل على سيدنا محمد»، أن يأتي بلفظ السيادة؟ الجواب: لا، لا يأتي بها. لماذا؟ لأن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والذي علمنا فيها أننا نصل عليه ما جاء في صيغة واحدة، أنه أتى بلفظ السيادة. وأنت في عبادة فحاول أن تأتي بما علمك إياه عليه الصلاة والسلام. طبعا هذا السؤال سئل للإمام الشافعي، ابن حجر من أئمة الشافعية، وسئل عن هذه المسألة بالذات: هل يجوز ويشرع للمصلي وهو في تشهده أن يقول: «اللهم صل على سيدنا محمد»؟ أشار الحافظ رحمه الله تعالى إلى ما قد ذكرناه آنفا باعترافه وإقراره بأن للنبينا السيادة والقيادة والزعامة والطاعة عليه الصلاة والسلام، إلا أنه في هذا الموطن لا يعطى؛ لأن هنا عبادة، والعبادة أنت ملزم بما جاءت به الألفاظ، وليس هنا مقام اجتهاد أن تفعل ما يحلو لك. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله، وعلى آله وصحبه وسلم.