بواعث الخلاص من الذنوب 6

بواعث الخلاص من الذنوب 6

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم المعية الخاصة والعامة لله تعالى

يشرح ابن القيم مفهوم المعية الخاصة والعامة لله تعالى، حيث تكون المعية الخاصة خيرًا للعبد في الدنيا والآخرة. المعية العامة تعني اطلاع الله على كل شيء وتوجب الخوف من الله وعقابه.

تحقيق مرتبة الإحسان والمعية الخاصة

المعية الخاصة لله تعالى تتحقق بالصبر والمراقبة والتقوى، وترتقي بالنفس إلى مرتبة الإحسان. يجب على الإنسان أن يراقب الله في أقواله وأفعاله ليصل إلى هذه المرتبة.

استحضار فناء الدنيا واغتنام الأوقات

يجب على الإنسان أن يستحضر قرب أجله وفناء الدنيا ليكون ذلك حافزًا له على الاجتهاد في الطاعات واجتناب السيئات. كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحون يحرصون على اغتنام أوقاتهم في الأعمال الصالحة.

ختام الكلام والدعاء

يتم ختام الكلام بالإشارة إلى أن ما كتب هو بمقدار المعرفة المتاحة، مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام. هذا الختام يعبر عن نهاية الحديث والتأكيد على أهمية الدعاء.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الثامن مشهد المعية، وهي نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. فالعامة اطلاع الرب تعالى عليه وكونه بعينه، لا تخفى عليه حاله، وقد تقدم. والمقصود هنا المعية الخاصة. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فهذه المعية الخاصة خير له وأنفع له في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوته على التمام، من أول العمر إلى آخره. فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر؟ إنما هي كأحلام نائم، أو كظل زائل. هذه مرتبة ومرحلة وموقف ومشهد نشاهده السائر إلى الله وطالب رضوانه وسلامة دينه والبعد عن أسباب غضبه ومعصيته وعقوبته وناره سبحانه وتعالى. مشهد المعية، والمعية كاسمها فيها معنى المصاحبة والمراقبة والاطلاع، وهي عامة لكل المخلوقات، أو خاصة لمن يخص الله عز وجل من عباده. فأما العامة فهي التي متضمنة لمعنى المراقبة والقدرة والاطلاع، فلا مفر من الله إلا إليه. كما تقدم معنى أن لك أن تعصي الله في مكان لا يراك، أو في أرض غير أرضه، أو في محل لا يبلغه ولا يسمعه ما يحصل منك. وأن لك أن تعصي الله وتغضبه في مكان يمكن أن يخفى على الله عز وجل أمرك. فالله عز وجل لا تخفى عليه خافية، وهو القائل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. ليس فقط يعلم الظاهر، بل الباطن، بل أبطن الباطن، يعلم السر وأخفى، وهو أدق من السر. فلا يخفى على الله عز وجل من أمر عباده وخلقه شيء سبحانه وتعالى. هذه المعية العامة الموجبة للخوف من الله وعقابه وعذابه، والخوف كذلك من سطوته وانتقامه وسرعة مجازاته. وهو سبحانه وتعالى سريع العقاب، شديد الحساب جل وعلا. ولهذا جاء في حديث جبريل العظيم الذي جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه عمر، حين ذكر مراتب الدين مرتبة من الأدنى إلى الأعلى: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فأعلى مراتب الدين مرتبة الإحسان، وهي المراقبة. فذكر جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال: «ما الإحسان؟» فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المرتبة، مرتبة الإحسان، وهي على مرتبتين: إما معية عامة، وإما معية خاصة. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه». وهذه هي المعية الخاصة، أن يكون عندك مراقبة خاصة لله عز وجل في جوارحك وقلبك، تستشعر قرب الله عز وجل منك كأنك تراه أمامك. ومن كان يعبد الله كأنه يراه، فإنه يستحي أن لا يأتي بالكمال، فضلا أن يقع في شيء من الذنوب والمعاصي والسيئات والتقصير والتفريط. وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». هذه هي المعية العامة من الله سبحانه وتعالى لكل خلقه جل وعلا. فإذن أنت بين معيتين ومراقبتين، لا مفر منهما، وبهما تكون من المحسنين المقربين. فترتقي إلى مرتبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، بأن تكون من أهل المعية الخاصة. وعند ذلك تتحقق لك النصرة والتأييد والعون والكلاءة والحفظ، كما قال الله عز وجل لمن اصطفى من أنبيائه ورسله: «إنني معكم أسمع وأرى». وكما قال لمن صلح من عباده من الصديقين والشهداء والصالحين وخير عباد الله المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. إذن لهذه المعية الخاصة أسباب، من أعظم هذه الأسباب أداء صفات مرتبة الإحسان، أن تصل بنفسك يا أيها المسلم، وترتقي بنفسك إلى مرتبة الإحسان فوق مرتبة الإسلام والإيمان، أن يكون عندك من حسن المراقبة والصفات التي يكون لك بها المعية الخاصة. وذلك بالحرص على الصفات الجميلة والنعوت الجليلة التي ترقيك إلى أعلى مراتب هذا الدين، وهي مرتبة الإحسان. ولذلك لما ذكر الله عز وجل أهل هذه المرتبة، ذكرهم بأعظم وأعلى الصفات: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فالصبر سبب من أسباب الوصول إلى المعية الخاصة، والتقوى، وكذلك المراقبة الحسنة، وغيرها من الصفات الجليلة والنعوت الجميلة التي ترتقي وترفع هذا الإنسان إلى هذه المرتبة والدرجة، وهي مرتبة الإحسان. فإذا استقر عندك يقيناً أن الله عز وجل يراك، فإنه عند ذلك سترتقي بنفسك أنك تعبد الله سبحانه وتعالى كأنك تراه. فإذا حققت المعية العامة أولاً، لترتقي فتنتقل إلى المعية الخاصة. ماذا؟ ثانياً. فأنت لن ترتقي إلى المعية الخاصة وأنت لم تفعل أسباب المعية العامة. فراقب الله في أقوالك وأفعالك، وفي صغيرك وكذلك في أعمالك وكبيرها. فعند ذلك تصل بإذن الله إلى هذه المرتبة العلية. ثم تكون عندك الموازنة كما ذكر رحمه الله: ما يجعله الله لك من رفعة الدنيا والآخرة بالمعية الخاصة خير لك من شهوة زائلة ولذة عابرة، حسبها أن تكون لذة ساعة أو ساعات منغصة لك قبلها وأثناءها وبعدها. هذا الذي كان يريد أن يفعل المعصية قبل أن يفعلها، هو في خوف وفي تردد وفي شك وفي قلق. فإذا فعلها وجد لذتها - سواء أكانت حسا أو معنى - في تلك اللحظة، مع ما يصاحبها من خوف وحزن وضيق وقلق وغير ذلك. فإذا انتهى منها وزالت تلك اللذة العابرة والشهوة كذلك المؤقتة، صحبه من الغموم والهموم والندم والحسرة والانكسار الحسي والمعنوي والضيق، فضلا عن عقوبة الله عز وجل، بل عقوباته الكثيرة، ما يكون سبباً في تكدير حياته. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. فإنه يكون له الضنك، ويكون له الحياة التعيسة بسبب ذلك الذنب العابر واللذة المؤقتة والشهوة العابرة. فإذا قارنت هذا بهذا، أورثك أن تؤثر الباقي على الفاني، وأن تؤثر العالي على الداني، وأن تؤثر كذلك النافع عن الضار. وكل هذا يعينك على أن ترتقي بنفسك أن تكون من أهل المعية الخاصة والعامة، العامة ثم الخاصة، حتى ينجيك الله سبحانه وتعالى. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: التاسع مشهد المغافصة والمعاجلة، وهو أن يخاف أن يغافله الأجل فيأخذه الله على غرة، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا، وبينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة. فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها، لكن ما يعرفها إلا من جربها. وفي بعض الكتب القديمة: «يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين، ولا يتم له سرور، يوم الحذر الحذر». والمعنى: تذكر أنك مهما عشت في هذه الدنيا فلك نهاية، ومهما فررت من الله فمرجعك إليه. كم ستفر وكم ستستمر؟ لا بد أن لك نهاية. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا طويلا، وخطوطا صغيرة عن يمينه وعن يساره، ثم جعل خطا كبيرا معترضا يقطع ذاك الخط الطويل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أتدرون ما هذا؟» قالوا: «ما هذا يا رسول الله؟» قال: «هذا الإنسان، وهذا عمله، وهذا ما يصيبه». «إن أخطأه هذا نهشه هذا». وأما هذا - أي الخط الكبير المعترض - فهذا أجله. أي أجل هذا الإنسان. جاء معناه في البخاري وغيره من حديث ابن مسعود، ومن حديث أنس. وجاء في الصحيح عن نبي سعيد القدرى، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بمعناه. هذا الحديث العظيم مثل النبي صلى الله عليه وسلم حال الإنسان بهذا الرسم. مهما مددت خطا لحياة الإنسان، هذا الخط له ماذا؟ له ما يقطعه، وهو أجله، هادم اللذات ومفرق الجماعات. كلنا نسير في طابور، من من هو في أوله، ومن من هو في آخره، ومن من هو في وسطه. لا أحد يستطيع أن يخرج من هذا الصف، ولن يسلم أحد إلا أن ينتهي إلى من تهيأ إليه الأول. ولكن بين متقدم ومتأخر. ولهذا خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا ليبين أن هذا الخط مهما طال فلا بد له مما يقطعه، وهو الأجل وانتهاء عمر هذا الإنسان. فإذا علم الإنسان أن لعمره منتهى، وأنه لا مفر إلى الله من الله إلا إليه، فإذا أي لذة سيتنعم بها؟ ولهذا كان الصالحون من عباد الله يبخلون على أنفسهم بالحلال المباح، فضلا أن يقعوا في الحرام، لما يرون وما يقلقهم ويخيفهم من قرب الأجل، وأنه حق لا مفر منه. فيرون أن التزود للآخرة أعظم وأهم من أن تضيع أعمارهم في الدنيا الفانية، سواء كان في العلم أو العمل الصالح أو غيره من القربات والأعمال الصالحات. هذا نبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عائشة: «كان يقوم عليه الصلاة والسلام حتى تتورم قدمه». وفي رواية عند النسائي بإسناد صحيح: «حتى تتفطر وتدمي قدمه»، يعني يخرج الدم من الشقوق من أطراف قدميه عليه الصلاة والسلام. فتقول له عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «يا رسول الله، تفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ «أفلا أكون عبدا شكورا؟» هذا نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وهكذا اقتدى به الصالحون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين في هذا السير الصالح، وهذه الصلة والمناجاة لله عز وجل، كما حكى الله عز وجل عنهم بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وغير ذلك مما ذكر الله عز وجل عنهم في صفاتهم في سورة الذاريات، وسورة المرسلات، وسورة المؤمنون، وغيرها من السور التي فيها صفات الصالحين من عباد الله عز وجل. كان يقال لأحدهم: «أحتاجك»، فيقول: «أمر الشمس أن تنتظر حتى أعطيك من وقتي». يعني يبخلون على أنفسهم وعلى غيرهم أن يذهب وقتهم هدرا إلا أن يكون في علم نافع أو عمل صالح أو دعاء يستجيب الله عز وجل لهم فيه. وبهذا بلغوا إلى المراتب العالية والدرجات الكبيرة، بما كان من حرصهم على هذا الخير. لتذكرهم أن عمر الإنسان قصير، وأن تحصيل العمل فيه صعب، فآثروا الباقي على الفاني. وعند ذلك فازوا. ولهذا ذكر هذا المشهد بعد مشهد الإحسان والمراقبة، لأن هذا المشهد حقيقة أثر من آثار المراقبة الحسنة والمعية الصادقة. إذا صدق الإنسان في معيته مع الله ومراقبته وإحسانه لله، فإنه ستكون عنده هذه المشاهدة. وهذا هو عين اليقين الذي يجزم به كل الإنس والجن، ولكنه للأسف حين لا ينفع الندم. أما في الدنيا فإنهم يرونه رأي العين والنظر والبصر. وأما اليقين في ذلك لا يكون حتى يأتيه ويفجأه الموت. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بكثرة تذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، وهو الموت، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث من قوله، بل ومن فعله عليه الصلاة والسلام. كان يذهب ويزور المقابر ويذكر نفسه ويذكر من معه، فيستحب للمسلم أن يزور المقابر ليتذكر ويتعظ، ويكون له بهذا - إن شاء الله - حاجزا أن يقع في شيء من السيئات والذنوب والخطيئات، بل ويدفعه للإحسان والإصلاح، وأن لا يكون من المفرطين والخاسرين. وهكذا كذلك هذا يدعو الإنسان أن يحسن بالدعاء، وأن يجتنب أسباب البلاء، لأن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «إن سلم من هذا نهشه هذا». وهو ما يجري على الإنسان وما يصيب الإنسان، هو بذنوبه، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وكما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدفع البلاء إلا الدعاء، ولا يزال الدعاء والبلاء يتصارعان بالسماء». يعني بما يكون من الدعاء. فإذا راقبت الله بالدعاء والعمل الصالح، يحفظك الله سبحانه وتعالى في نفسك وفي بدنك وفي دينك، وتكون بإذن الله من المعافين. وهذا هو ما ذكره رحمه الله. فإن أهل البلاء المبتلون - يعني يكون لهم ما يكون - كما سيأتي بعده إن شاء الله في المشهد العاشر. نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.