التعليق على حلية طالب العلم 78

التعليق على حلية طالب العلم 78

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 78، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحذير من الطائفية والحزبية في طلب العلم

يتناول المقطع الأدب الخامس والستين من حلية طالب العلم وهو النهي عن الطائفية والحزبية التي يُبنى عليها الولاء والبراء، ويبين أن ذلك مخالف لمنهج السلف الذين كانوا أمة واحدة تحت اسم المسلمين، مع نقل تحذيرات ابن عثيمين وابن القيم من أن الحزبية تمسخ طالب العلم وتضيق ولاءه وبراءه.

الولاء لله وللإسلام لا للجماعات والطوائف

يؤكد المقطع أن الولاء الحقيقي يكون للإسلام ولله تعالى لا لحزب أو شيخ أو طائفة، مستشهداً بوصف العبد بأنه تابع للرسول ومنهجه السنة وزيه التقوى ومقصده وجه الله، وينبه إلى عدم إضاعة العمر في الكسل والاقتداء بأصحاب الهمم العالية.

أهل السنة والجماعة: منهجهم والفرقة الناجية

يبيّن المقطع أن أهل السنة يتمسكون بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، ولا يتعصبون للأشخاص، وأن الفرقة الناجية هم من كانوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم الطائفة المنصورة الباقية على الحق حتى قيام الساعة.

اتهام أهل البدع لأهل السنة بالألقاب لتشويه صورتهم

يوضح المقطع كيف يحاول أهل البدع إلصاق ألقاب مثل "الجامية" و"المداخلة" بأهل السنة لتبرئة أنفسهم، وينقل قول الشيخ الوادعي: "رمتني بدائها وانسلت"، مع الإشارة إلى أن الحديث سيكتمل في مجلس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالب العلم للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ونحن كما سبق على مشارف الانتهاء من هذه الحلية، وكم يعز على الشخص أن يفارق مثل هذه الوصايا ومثل هذه الإرشادات والآداب. فكم يشعر الواحد منا براحة حين أن يقرأ وحين أن يستفيد من هذه النصائح، هذه النصائح عبارة عن عصارة خبرات وتجارب علمائنا رحمة الله عليهم. ونحن في الباب في الفصل الأخير وهو السابع، الذي ترجم له بـ «محاذير» أو «المحاذير» التي يجب على طالب العلم أن يجتنبها، أن يجتنبها. ونحن نقرأ في الأدب الخامس والستين من آداب هذه الحلية، فما هو هذا الأدب؟ نعم يا أبا محمد، ما هو عنوانه؟ «لا طائفية ولا حزبية، يعقد الولاء والبراء عليها». يعقد الولاء والبراء عليها. ولاحظوا يا إخوان بماذا علق العلامة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قال: «هذا فصل مهم، وهو تخلي طالب العلم عن الطائفية والحزبية، بحيث يعقد الولاء والبراء على طائفة معينة أو على حزب معين، فإن هذا لا شك خلاف منهج السلف». السلف الصالح ليس عندهم حزبية، كلهم واحد، كلهم ينضمون تحت قول الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. ولهذا يا إخوان سبق وأن أشرنا إلى أضرار أو بعض أضرار والأخطار التي تترتب على الوقوع في هذه الحزبية، وذكرنا عبارة شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى، كان يقول: «الحزبية مساخة، تمسخ وتغير الشخص، طالب علم مجتهد على استقامة على خير، فما أن يدخل في حزب من الأحزاب أو منهج من هذه المناهج يتغير إلى طريق آخر، يترك طلب العلم وينشغل بغير ذلك، ويكون عنده الولاء والبراء الضيق، الولاء والبراء الضيق». قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة «أهلي العبودية» أي من «مدارج السالكين» كتابه المعروف: «العلامة الثانية: قوله: ولم ينسبوا إلى اسم، أي لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاماً لأهل الطريق، لأهل الطريق: ما في شيعة، صوفية، معتزلة، جهمية، إلى غيرها». قال: «وأيضاً فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره من الأعمال، كجماعة الهجرة والتكفير، أو من يسمون أنفسهم جماعة الجهاد». قال: «فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة». قال: «وأما العبودية المطلقة فلا يعرف صاحبها باسم معين، باسم معين من معاني أسمائها». قال: «فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، قال: فله مع كل أهل عبودية نصيب، يضرب معهم بسهم، فلا يتقيد برسم ولا إشارة ولا اسم ولا بزي، أي الزي، أي اللباس، قال: ولا طريق وضعي أصلاً، كحال جماعة التبليغ مثلاً، كحال جماعة التبليغ مثلاً». وجماعة التبليغ كما قال محدث العصر الإمام الألباني رحمه الله تعالى: «صوفية عصرية، صوفية لكنهم بلباس عصري، بلباس عصري». قال: «بل إن سئل عن شيخه قال: الرسول، وعن طريقه قال: الاتباع، وعن أهله بالخاء، نعم، وعن خرقته قال: لباس التقوى». كأن المقصود يعني ماذا؟ ما يلبس من الخرق التي تلبس، قال: «لباس التقوى، وعن مذهبه قال: تحكيم السنة، وعن مقصده ومطلبه قال: يريدون وجهه، وعن رباطه وعن خانقاه، يعني المكان الذي يكون فيه، قال: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة». والمقصود من هذا يا إخوان أن يكون ولاء الشخص للإسلام، لا لحزب ولا لشيخ وطائفة وجماعة، وإنما ولاءه لله عز وجل ولهذا الدين. قال: «وعن نسبه قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه، إذا افتخروا بقيس أو تميم»، قيس وتميم من قبائل العرب المشهورة. قال: «وعن مأكله ومشربه قال: ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها، تريد الماء وترعى الشجر حتى تلقى ربها»، وهذا ورد في ضالة الإبل، وهكذا فيما يتعلق بالمأكل والمشرب، المسلم يتوكل على ربه عز وجل في تحصيل ذلك. قال: «وحسرتاه تقضي العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل، والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ساروا إلى المطلب الأعلى، على مهلي». وهذا يا إخوان معناه أن الإنسان لا يضيع عمره، وإنما يحاول أن يستفيد من سنوات العمر وساعات الوقت في طلب ما عند الله عز وجل والدار الآخرة، ويقتدي بذوي الهمم العالية من الصحابة وتابعيهم ومن تبعهم. ثم قال: «قوله: أولئك ذخائر الله حيث كانوا، ذخائر الملك ما يخبأ عنده ويدخر، ذخائر الملك ما يخبأ عنده ويدخره لمهماته ولا يبذله لكل أحد، وكذلك ذخيرة الرجل ما يدخره لحوائجه ومهماته، أي الكبير والعظيم». قال: «وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي، كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة». وأسعد الناس بهذا يا إخوان هم أهل السنة، لا يوالون ولا يعادون على شخص إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتعصبون لشيخ، كل يخطئ ويصيب ويجهل ويعلم، كما قال مالك رحمه الله: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. أهل السنة ليس لهم منهج إلا الكتاب والسنة، ليس على أهوائهم وعقولهم، وإنما على فهم سلف هذه الأمة الصالح. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الافتراق، افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، انظروا إلى فقه الصحابة يا إخوان. اليوم يأتي بعض الناس يقول: «ليش أنتم مختلفون؟ ليش أنتم متفرقون؟» يا سبحان الله، الرسول يقول: «وستفترق»، وأنت تنتقد؟ الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨-١١٩]، هذا أمر كتبه الله، أمر كوني كتبه الله. لكن الصحابة ما قالوا: «ليش يختلفون؟» لا، قال: «كلها في النار إلا واحدة»، قالوا: «من هي يا رسول الله؟» لماذا؟ لكي يكونوا معها. قال: «هم الجماعة»، ليسوا المتفرقين أحزاباً، هم الجماعة. والجماعة كما قال ابن مسعود: «هم من كان على الحق ولو كنت وحدك»، في رواية أخرى مختلف في إسنادها متفق على معناها، قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». أرأيتم هذا الميزان؟ ميزان دقيق يا إخوان توزن به الفرق ويوزن به الأشخاص. من كان على مثل ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما عليه الصحابة، هم الفرقة الناجية من النار ومن الضلال والهلاك، هم الطائفة المنصورة. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله معطي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم». من خالفهم غالباً من خارجهم، ولا من خذلهم، أي من داخلهم، من أوساطهم. قال: «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وفسر أمر الله بـ «تلكم الريح التي تهب قبيل الساعة، فتقبض أرواح المؤمنين، روح من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فتقبضها». فالثبات الثبات على الكتاب والسنة، وعلى ما كان عليه سلف هذه الأمة، ونبتعد عن الأحزاب والطوائف وهذه الجماعات المخالفة للكتاب والسنة. وللأسف أهل البدع أرادوا أن يوقعوا أهل السنة فيما وقعوا فيه هم، فجعلوا ينسبونهم إلى شخص: كجامية، أو مداخلة، أو غيرها أو غيرها، وماذا؟ لكي يسلموهم. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يردد كثيراً قوله فيهم: «رمتني بدائها وانسلت»، رمتني بدائها أي مرضها، وأرادت أن تخرج من هذا الأمر الذي هم واقعون فيه. الحديث له تتمة، يسر الله إكمالها في مجلس لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.